في الوقت الذي تتقاذف فيه أمواج الأزمات سفينة الوطن، تبرز لغة الأرقام لتكشف عن جراح غائرة في جسد المجتمع اليمني؛ جراحٌ لا تكتفي بالألم اللحظي، بل تمتد لترسم ملامح مستقبل مثقل بالأعباء. إن ما كشف عنه "صندوق رعاية وتأهيل المعاقين" في العاصمة صنعاء مؤخراً من إحصائيات، تؤكد أن نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة قد بلغت نحو 15% من إجمالي السكان، هو رقم يتجاوز حدود "المعلومة" ليصبح "ناقوس خطر" يستنهض الضمائر والهمم. دلالات الرقم الصادم أن نصل إلى نسبة 15% -وهي من أعلى النسب عالمياً- يعني أننا أمام ملايين الأسر التي تعيش يوميات الصبر والكفاح. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء سكاني، بل هو انعكاس مرير لسنوات من الصراع، ومخلفات الحروب من ألغام ومتفجرات، وانهيار المنظومة الصحية التي عجزت عن تقديم اللقاحات والرعاية الأولية، فضلاً عن شبح سوء التغذية الذي ينهش في قدرات الأجيال القادمة الجسدية والذهنية. الحق والواجب: رؤية من واقع "سلسلة الحقوق والحريات في الإسلام" إن رعاية ذوي الإعاقة في ديننا الحنيف ليست نافلة من القول أو ترفاً إغاثياً، بل هي حق أصيل أقرته الشريعة الغراء. ففي إطار ما تناولناه سابقاً في مؤلفاتنا حول الحقوق والحريات، نجد أن الإسلام قد سبقت تشريعاته كل المواثيق الدولية في تكريم الإنسان لذاته، وضمان حق "الفئات الضعيفة" في العيش الكريم والتمكين. إن المجتمع الذي يغفل عن حقوق 15% من أبنائه هو مجتمع يفرط في ركن ركين من أركان تماسكه واستقراره. المسؤولية الوطنية والموجبات الراهنة من منطلق "الرسالة الوطنية" بمضامينها وموجباتها، يتحتم على مؤسسات الدولة والمنظمات الدولية والمجتمع المدني إعادة صياغة إستراتيجياتها. إن "صندوق رعاية وتأهيل المعاقين" يبذل جهوداً في ظل شح الإمكانيات، لكن حجم التحدي أكبر من قدرة جهة واحدة. نحن بحاجة إلى: * إستراتيجية وطنية شاملة: تتجاوز الإغاثة العاجلة إلى التأهيل المهني والدمج المجتمعي. * تحصين المستقبل: عبر تكثيف برامج الرعاية الصحية الأولية للحد من مسببات الإعاقة الممكن تلافيها. * الخطاب الديني الجامع: وبصفتنا في لجنة توحيد الخطاب الديني، نؤكد على أهمية دور المنبر في غرس قيم التكافل وتعزيز ثقافة احترام ودمج ذوي الإعاقة كأعضاء فاعلين لا عالة على المجتمع. خاتمة إن نسبة ال 15% هي اختبار حقيقي لإنسانيتنا وقدرتنا على الصمود والبناء. إن المعاق الحقيقي ليس من فقد حاسة أو طرفاً، بل هو من يعجز عن استشعار آلام وطنه والمساهمة في تضميد جراح أبنائه. لنجعل من هذه الإحصائية المزعجة دافعاً لعمل وطني وإنساني موحد، يضع "الإنسان اليمني" فوق كل اعتبار.