بعد ثلاث سنوات من القتال ومع اقتراب دخول هذه الحرب عامها الرابع، يشير المشهد السياسي والعسكري في الداخل السوداني إلى تفاعلات حرب أهلية طويلة تنذر بانهيار الدولة السودانية، فيما يأمل الشعب السوداني باختفاء هذا المسار التدميري والدموي الذي طال عليهم أمده. وسط هذه الآمال هناك أيضًا مخاوف من تحولها إلى حرب إقليمية في ظل توسع المواجهة بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي يقول إن الجيش يحاول حماية الدولة من المتمردين، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي يقول إن قواته تقاتل لتطهير السودان من فلول نظام البشير. خالد حسين الأشموري هذه الحرب التي ساهمت فيها قوى إقليمية ودولية في تأجيج الصراع من خلال دعم أطراف النزاع، تسببت في أزمة إنسانية كبيرة وصفت بأنها واحدة من أكبر وأسوأ الأزمات في العالم دون أي حسم. ويكمن الخطر هنا، كما يتيقن بعض المراقبين والمحللين، أن ما جرى ويجري لن يفضي فقط إلى تكريس الانقسام وتفتيت السودان، بل إلى ظهور كيانات ومجموعات مسلحة خارجة عن سيطرة طرفي الصراع تزيد من الطين بلة. والأسوأ من ذلك أن الممول والداعم للحرب هو من يدق ناقوس الخطر باستمرارها، وهو ما قد يدفع بهذا البلد الغني بمقدراته وثرواته وتاريخه إلى مهاوي حرب أهلية مأساوية، ما يعني انهيار بلد كامل إلى الهشيم. فمواقف أطراف الصراع التي بدت حتى اليوم متمسكة بخيار الحسم العسكري لم تدرك عواقب ما أقدمت عليه من منزلق خطير، وما جلبته من ويلات ومآسٍ وكوارث وخيمة للشعب السوداني. ويكتسب مثل هذا التساؤل من الواقع الأعمق والأشمل بعدم تجاوب الأطراف مع التحذيرات التي أطلقتها وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية (روز ماري ديكاريو) من المخاطر الأمنية والإنسانية الكارثية الناتجة عن استمرار الحرب وتوسع نطاقها لحرب أهلية طويلة تهدد حياة أكثر من 30 مليون نسمة، كما تهدد تماسك وبقاء الدولة السودانية. وفي ظل هذا المشهد المؤلم والمأساوي، نجد للأسف أن هذه الأطراف المتحاربة لم تعد تضع لمبادرات التفاهم والصلح أي اعتبار لوقف الحرب، سواء من عقلاء الشعب السوداني أو من بعض قادة الدول العربية والإسلامية الذين استشعروا واجبهم تجاه الأشقاء السودانيين بوقف الحرب وتداعياتها قبل استفحالها واشتعال شررها الذي لن يصيب الدولة السودانية وحدها بل المنطقة بأسرها. كما توالت أيضًا مبادرات من مجلس الأمن الدولي الذي عمل مؤخرًا من خلال جلسة انعقدت بشأن الحرب في السودان على دعوة الأطراف المتحاربة للوصول إلى اتفاق بخصوص فرض هدنة إنسانية فورية، إلا أن المجلس فشل نتيجة تباعد المواقف بين الأطراف والشروط المطروحة من كل طرف، ما جعله يكتفي بتجديد دعوته الصارمة للأطراف بوقف الأعمال العدائية وفتح طرق آمنة للمساعدات الإنسانية. ومن المؤكد أن المخاوف الدولية والأمنية من تداعيات الحرب المستمرة في السودان منذ إبريل 2023 أدت، وطبقًا لأحدث التقارير الأممية، إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح 12 مليون مدني داخل السودان وخارجه، غير الفارين إلى مناطق آمنة بلا مأوى وإلى الدول المجاورة، ومنها تشاد التي تستضيف حاليًا نحو 1.5 مليون لاجئ سوداني يعيشون في مخيمات وعلى طول الحدود، مع انتشار المجاعة وتدهور الوضع الصحي والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان بما في ذلك العنف الجنسي. وعليه، فإذا كانت جميع المساعي قد طالبت بوقف الحرب والنزاع الذي قد يتجاوز الجغرافيا السودانية، وفي ظل فشل الجهود العربية والدولية في الوصول إلى تسوية سياسية مقبولة من طرفي الصراع، فإنه يتوجب عليهم التوقف أمام هذا المشهد الكارثي باستيعاب دلالاته والإدراك بأنهم أمام فرصة لا تقبل التأجيل ولا تحتمل المزيد من سفك الدماء، والعمل على سرعة التفاوض والحوار والمساعدة لكي يستقر الوضع الأمني وتلتئم الجراح. فمصلحة السودان، بقياداته المتصارعة وجمهوره المسالم الذي لا يريد الحرب، تقتضي منهم جميعًا الكثير من المواقف الوطنية الشجاعة التي تكمن في الإجابة على العديد من التساؤلات، ومنها: كيف يقبلون لأنفسهم مثل هذا الخطأ الفادح الذي وقعوا فيه ليصوبوا أسلحتهم تجاه بعضهم البعض؟ بل وكيف يقبلون أن تُهدر الدماء بأيادٍ سودانية في حرب عبثية ألحقت الضرر بالبلد وبكل شيء جميل يحمله كل مواطن سوداني، إن لم يكن كل عربي محب للسلام؟ وتكتسب هذه التساؤلات مدلولها الأعمق والأشمل بتأكيد أبناء الشعب السوداني بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم السياسية أمام هذه الحرب أنهم لا يريدونها بقولهم: "كفى حربًا"، ولا لتفويت الفرصة أمام أعداء السودان للزج به في حرب طويلة الأمد يقتلون ويدمرون. ولعل هذه الأوضاع الصعبة والظروف الحساسة تجعل الأشقاء السودانيين يدركون أن المخارج والحلول الحوارية والتوافقية أجدى وأنفع لهم، انطلاقًا من أن "صراع الإخوة أمر يدمي القلوب". فما أثبته الواقع المرير أن التعنت والتعصب لا يجدي نفعًا، وأن التدخل الخارجي في السودان يزيد من تطورات الأحداث التدميرية والدموية، ويشق الصف الوطني وينتج المزيد من الأعباء والخسائر. وعليهم تدارك الموقف حتى لا يحصل الانهيار الكبير، مع الأخذ بالاعتبار أن هذا الصراع الذي تتبناه قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في ظل هذا البعد والنوايا غير الصادقة في التقارب لن يؤدي إلا إلى التمترس في المواقف وبالتالي إلى عدم وقف الحرب والانقسام. والوضع الراهن الذي يعيشه السودانيون يتطلب توحيد الصف بما يكفل إعادة اللحمة وعلى نحو سلطة واحدة تحقق أهداف ومصالح الشعب السوداني. ولأن السودان مرشح للدخول في مرحلة الحرب الأهلية والحرب الإقليمية، حيث تشير التداعيات السلبية الأخيرة إلى تأكيد هذا المسار، فلا شيء يغيره نحو السلام إلا السودانيون أنفسهم. فهم بحاجة إلى إعادة ترتيب أوضاعهم وأولوياتهم لخوض غمار التفاوض والعمل على تجاوز حالة الانقسام والانتقال إلى مرحلة البناء والإعمار والتعايش بسلام. الجميع عليهم الانحياز الكلي لمصلحة البلد العليا على ما دون ذلك من الحسابات أو المصالح الضيقة. والأهم أن يعي الأشقاء السودانيون أهمية الأخذ بالمبادرات العربية والدولية باعتبار أن ذلك يحقق أمن وسلامة واستقرار السودان وتماسك وحدته الوطنية، ويفتح فضاء أرحب للدخول في مرحلة جديدة يكون فيها الجميع شركاء في بناء سودان جديد. هذه المعطيات الإيجابية، حال أُخذ بها، تمكن الشعب السوداني من ثقته بنفسه وبقيادته الموحدة، والتأكيد مجددًا أن السودانيين بما لديهم من الخبرة والنضوج السياسي يمكنهم حل تبايناتهم وخلافاتهم ديمقراطيًا عبر حوار بناء يضع المصلحة السودانية فوق المصالح الفئوية والانفصالية، لتصبح المسؤولية شراكة مجتمعية فاعلة من منطلق تحكيم العقل والمنطق. يتعين الإشارة في الختام، بحسب المحلل السياسي أبو بكر عبد الله - صحيفة الثورة - صنعاء في 25 فبراير 2026، إلى أن بقاء الأوضاع على ما هي عليه حاليًا باستمرار حرب الاستنزاف بين طرفي الصراع يضع السودان في دوامة مخاطر وجودية كارثية ليس أقلها تقسيم السودان إلى شمال ووسط يخضعان لسيطرة الحكومة والجيش وتدار أمورهما من بورتسودان، وجنوب وغرب يخضعان لسيطرة قوات الدعم السريع وتدار أمورهما من عاصمة الحكومة الانفصالية الموازية في نيالا. وأكثر التقديرات تشير إلى أن خطر التقسيم الرسمي للسودان على غرار انفصال الجنوب لا يزال قائمًا، وما يمنع حصوله هو الموقف الدولي الرافض لتقسيم السودان الذي تنظر إليه الدول الكبرى ودول الإقليم كركيزة لاستقرار المنطقة، خصوصًا أن أي تقسيم للسودان سيضع كل الأقاليم السودانية تحت طائلة العنف المسلح الذي سيقود إلى تفكيك الدولة بما يهدد مصالح هذه الدول ويفتح بابًا للنزاعات الحدودية في القارة الإفريقية بصورة عامة. مع ذلك، هناك العديد من المخاطر الوجودية تواجه الدولة السودانية اليوم، إذ إن استمرار الحرب سيحول مناطق سيطرة الدعم السريع إلى كيان مستقل بحكم الأمر الواقع، شبيه بما حدث في بعض مناطق الصراع الأخرى، ما سيخلق واقعًا جديدًا يصعب التراجع عنه . غير بعيد ذلك مخاطر التفتت الأمني وظهور أمراء الحرب الجدد، فاستمرار الصراع ينتج بالعادة مجموعات مسلحة صغيرة خارجة عن سيطرة طرفي الصراع ما يحول البلاد إلى بؤر للفوضى المسلحة تهدد بحرب أهلية طويلة الأمد، سيكون من الصعب انهاؤها حتى لو توقفت المعارك الرئيسية. يزيد من ذلك مخاطر الانهيار الاقتصادي وشبح المجاعة والتي قد تتوسع مؤشراتها بصورة مريعة نتيجة استمرار الحرب التي أثرت بشكل كارثي على الأمن الغذائي بعد أن قلصت مستويات الإنتاج الزراعي في حين ان استمرار إغلاق الطرق يؤدي إلى مجاعة شاملة تفوق قدرة المنظمات الدولية على الاحتواء .