تسعى واشنطن وكيان الاحتلال الصهيوني من خلال حربهما العدوانية الغاشمة وشروطهما المجحفة إلى فرض قيود على إيران أشبه بالقيود التي فرضها الحلفاء على اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945 والتي نتج عنها احتلال عسكري وتقسيم وتقاسم ونزع السلاح وتفكيك الصناعات العسكرية وحل الجيشين ومحاكمات لرموز النظامين وإعادة صياغة الدساتير لترسيخ الديمقراطية التي تتناسب مع سياسة الحلفاء. وترى الصهيونية التي وجدت ضالتها في الرئيس الأمريكي ترامب فرصتها الذهبية لتحقيق أطماعها التوسعية في السيطرة على أجزاء واسعة من أراضي الدول العربية في المساحة الممتدة من نهر النيل وصولاً إلى الفرات وشمال السعودية إلى جانب الأراضي التي تحتلها حالياً في كل من فلسطين ولبنان وسوريا لتقام عليها مملكتها المزعومة "إسرائيل الكبرى". وهذا ما جعل رئيس حكومة العدو نتنياهو يزج بأغبى رئيس أمريكي (ترامب) في حرب خاسرة ضد إيران، في محاولة بائسة للقضاء على نظامها وبرنامجيها الصاروخي والنووي اللذين ترى فيهما العصابات الصهيونية العائق الأكبر أمام تحقيق حلمها في السيطرة على منطقة الشرق الأوسط وتغيير خريطتها وديموغرافيتها. ولكن سرعان ما تغيرت مسارات الحرب ورجحت كفتها لصالح إيران بعد أن أظهرت قدرتها وتفوقها العسكري والتقني الذي أعمى الجيشين الأمريكي والصهيوني بتدمير أكثر من سبعة رادارات حديثة في المنطقة وإصابة العديد من الأهداف الهامة في القواعد وحاملات الطائرات الأمريكية وعمق المناطق الفلسطينيةالمحتلة هذا جانب. أما الجانب الآخر فيتمثل في قدرة طهران على استخدام ورقتها الجيوسياسية (مضيق هرمز) التي مثلت إحدى أوراق القوة التي استطاعت من خلالها اعتقال ترامب في هذا المضيق الحيوي الهام وأغرقت أحلام وأوهام الصهيونية وجعلت أنظار العالم مشدودة نحو هذا الممر المائي الهام الذي غير المعادلة وبات الشغل الشاغل للاقتصاد العالمي الذي يدفع ثمن رعونة ومغامرة ترامب غير المحسوبة. وبهذا السلاح الجيوسياسي استطاعت طهران أن ترفع كلفة الحرب على المعتدين ووضعت ترامب في زاوية ضيقة بعد فشله الذريع في السيطرة على المضيق بالقوة والتهديد والوعيد التي لم تلقِ له طهران بالاً بل أكدت حقها في السيطرة وفرض رسوم على ناقلات النفط كما يحصل في قناة بنما والسويس كحق مشروع لها. وفي ظل استمرار الزخم الناري والقدرة على خوض طهران حرب استنزاف طويلة الأمد أصبح ترامب يتخبط في تصريحاته وتضليله المكشوف في محاولة لتهدئة غضب الشارع الأمريكي وخفض أسعار الطاقة التي باتت تشتعل بفعل حربه العبثية التي لم يكن لها هدف سوى خدمة المشروع الصهيوني. وأمام ادعاءات ترامب في رغبته بالتفاوض مع طهران يواصل تعزيز أسطوله البحري بتحريك حاملة الطائرات "بوش" إضافة إلى السابقة وحشد المزيد من قوات المارينز في مساعٍ لإحداث خرق في مجريات المعركة الدائرة ومنها احتلال جزيرة خارك الإيرانية وعدد من الجزر بما يمكنه من السيطرة على مضيق هرمز لرفع القيود عن السفن المحظورة من العبور عبر المضيق واستعادة هيبة القوات الأمريكية المفقودة. في ظل الوضع المنفلت والخارج عن السيطرة يحاول ترامب التلاعب بالوقت لتضليل وإرباك طهران عبر تصريحاته المتناقضة صباحاً ومساءً منتهجاً سياسة الخداع الاستراتيجي التي يظن أنها قد تساعده في إيقاع القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين في الفخ مجدداً تحت مسمى المفاوضات التي باتت غير مهمة في نظرهم لمعرفتهم وتجاربهم السابقة بأن المفاوضات التي يروج لها ترامب ليست سوى خدعة جديدة لتضييع الوقت حتى يتمكن من ترتيب أوراقه في الحصول على هدنة مؤقتة لتعويض النقص في الذخيرة وتزويد كيان الاحتلال بصواريخ الدفاع الجوي التي أوشكت على النفاد. وهذا ما تنبّه له القادة في طهران الذين يرون في مفاوضات ترامب لعبة جديدة لا تختلف عن سابقتها ما لم تكن هناك ضمانات وردع للعربدة الأمريكية الصهيونية التي تنتهك سيادة إيران بالعدوان السافر متى تشاء. ولذلك فإن محاولة فرض "السلام من خلال القوة" وهي العبارة المتناقضة التي يروج لها ترامب وعصابته باتت نذير شؤم ووبالاً على أمريكا ودول المنطقة والعالم التي فضّلت الصمت على هذه العربدة التي قضت بشكل تام على القانون الدولي والإنساني وميثاق هيئة الأممالمتحدة والمنظمات التابعة لها وجعلت من القوة خيار البطش وانتهاك سيادة الدول المناهضة للإمبريالية الأمريكية. ومنذ شهر من العدوان والغطرسة والجرائم الأمريكية والصهيونية يتعاظم صمود وثبات الشعب الإيراني وقواته بمختلف صنوفها البرية والبحرية والجوية والقوة الصاروخية التي تفاجئ العدو كل يوم بجديد سلاحها وبصلابة ووعي شعبها الذي تحطمت عليه أهداف الصهيونية وهوس ترامب المصاب بجنون العظمة. وما من شك أن الإيرانيين لن يُلدغوا من الجحر الأمريكي ثلاث مرات، فما تحاول واشنطن فرضه بالقوة العسكرية أو عبر بنود التفاوض ال 15 لن يرضخ لها الشعب والقيادة الإيرانية بل سيقابل كل ذلك برد قوي من خلال المجالين العسكري والسياسي الواضح إذ تؤكد طهران أن شروطها ال 5 هي مفتاح الحل للدخول في تفاوض مع واشنطن قائم على الندية ومن موقع القوة.