جمهورية إيران الإسلامية، بعمقها الجغرافي والديموغرافي وحضارتها الضاربة في عمق التاريخ، دولة لا يمكن أن تبتلعها الولاياتالمتحدة أو كيان العدو الصهيوني الغاصب مهما أرعد وأبرق الرئيس الأمريكي ترامب، ومهما حشد من القوات وحاملات الطائرات في منطقة الشرق الأوسط. 26 سبتمبر – خاص في حرب ال 12 يومًا التي بدأها الاحتلال الصهيوني، توهّم أنه سيحقق أهدافه في غضون أيام معدودة، لكن ما لم يكن في الحسبان هو الموقف الإيراني الذي استطاع أن يمتص الضربات التي طالت قواعده الجوية واغتيال بعض قياداته، وتمكّن أن يرد الصاع صاعين برد عنيف بضربات صاروخية بدفعات من الصواريخ الباليستية المتنوعة والمتطورة التي أدخلت المستوطنين الملاجئ وأجبرت المئات منهم على الفرار بحرًا باتجاه قبرص تمهيدًا للعودة إلى موطنهم الأصلي في الدول الأوروبية. رعب الصواريخ والمسيرات الإيرانية قوة الردع الإيرانية التي حيّدت دفاع جيش العدو الصهيوني جعلته يعيش في أزمة حقيقية، مما جعل أمريكا ودول الغرب تتدخل لإنقاذ إسرائيل من الورطة التي سعت إليها بقدميها. وقد تكشّف لأمريكا والدول الداعمة للاحتلال الصهيوني أنه إذا استمرت الهجمات الصاروخية الإيرانية بذلك الزخم الذي شهدته حرب ال 12 يومًا لمدة شهر فقط فإن إسرائيل ستزول من الأراضي الفلسطينية المحتلة إن توقف عنها الدعم الأمريكي والغربي في المجالين الدبلوماسي والعسكري. تناقضات البيت الأبيض كانت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب قد أعلنت في أواخر يونيو من العام الماضي أنها نجحت في القضاء على البرنامج النووي الإيراني من خلال الغارات التي شنتها بواسطة طائرة «بي تو» الأمريكية، لكن ما الذي جعل ترامب اليوم يعود للتهديد والحديث عن البرنامج النووي الإيراني مجددًا؟ لا شك أن اللوبي الصهيوني لم يقتنع بالرواية التي قالها ترامب عقب تنفيذ الضربات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية. هذا جانب، أما الجانب الآخر فإن تأثير ضربات الصواريخ الإيرانية على المستوطنين وحكومة الاحتلال بات الهاجس المقلق والأكثر رعبًا حتى من البرنامج النووي، ويسعى الاحتلال للتخلص من البرنامج الصاروخي أكثر من سعيه للتخلص من البرنامج النووي الذي لا يزال في مرحلة التخصيب، بينما الصواريخ يراها خطرًا داهمًا عليه ورعبًا يلاحقه بصورة مستمرة. وهذا ما جعل اللوبي الصهيوني يضغط على الرئيس الأمريكي ترامب لاستخدام الورقة العسكرية للتفاوض مع طهران. التداعيات والاحتمالات اللافت في تصريحات وزير خارجية إيران أن المفاوضات تقتصر على ملف البرنامج النووي، في حين تشدد واشنطن على ضرورة أن يشمل التفاوض الذي ترعاه سلطنة عمان أيضًا البرنامج الصاروخي الإيراني. وهذا ما يعكس المخاوف من ترسانة الصواريخ الإيرانية، خاصة الفرط صوتية التي تصل إلى عمق الكيان في 4 دقائق، ناهيك عن بقية الصواريخ بعيدة المدى التي قد تشعل النار في المنطقة وتحوّل القواعد الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط إلى أهداف سهلة، وتنعكس التداعيات على دول الخليج التي تضم أغلب القواعد الأمريكية. أهداف الكيان منذ اللحظات الأولى التي شن فيها كيان الاحتلال ضرباته الجوية ضد إيران في يونيو من العام المنصرم 2025م، كان من أبرز أهدافه إسقاط النظام الإيراني والتغلغل في وسط الشعب الإيراني ليعود به إلى زمن الشاه، ليجد له موطئ قدم فيه وتعود إيران إلى ما قبل قيام الثورة الإيرانية. لكن موقف الشعب الإيراني وإدراكه لهذه المخاطر المحدقة جعله يلتف حول القيادة للدفاع عن إيران الحضارة والتاريخ والأرض والإنسان. وهذا ما تأكد جيدًا لدى إدارة البيت الأبيض التي تدرك جيدًا عواقب أي مغامرة جديدة ضد طهران قد تكلفها وتكلف المنطقة تداعيات لن يُحمد عقباها. موازين القوى إذا افترضنا – وهذا مستبعد وغير ممكن – أن أمريكا وإسرائيل استطاعتا إسقاط طهران، ففي هذه الحالة ستنعكس موازين القوى لصالح إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط التي ستتوسع فيها إسرائيل وتُهيمن على المنطقة، ويصبح الخطر محدقًا بصورة أكبر بدول الخليج على وجه الخصوص. وهذا ما تنبّهت له بعض دول الخليج من خلال حرصها وسعيها للمساعي الدبلوماسية بين طهرانوواشنطن، لأن تجربة الرياض في سورية الفاشلة جعلتها تتوخى الحذر من إعلان موقف داعم للخطوات الأمريكية ضد طهران. وهذا ما نتمناه من بقية الدول بأن تستوعب أن انزلاق المنطقة إلى أتون الفوضى الأمريكية ستكون سلبياته عليها وعلى مصالحها بالدرجة الأولى قبل غيرها. ولكن على ما يبدو أن الصين ترفض بشدة التهديدات الأمريكية بشن عدوان على طهران وفرض حوار بالقوة لا يحترم سيادة إيران ودورها المحوري في المنطقة. وفي هذا ما أكدته الخارجية قبل بدء جولة المفاوضات بأنها "تدعم إيران في الحفاظ على سيادتها وأمنها وكرامتها الوطنية وحقوقها المشروعة ومصالحها"، مضيفة أنها "تعارض الاستقواء الأحادي الجانب". حق الدفاع عن السيادة كيان الاحتلال الصهيوني، بالمساحة الجغرافية التي يحتلها، لن يستطيع أن يتحمل الرد الإيراني في حالة نشوب حرب جديدة، ولن تستطيع أيضًا الدول التي تتواجد فيها القواعد الأمريكية تحمل اشتعال النيران في عواصمها وتوقف صادراتها النفطية، لأن مضيق هرمز قد يُغلق، وهذا حق لإيران في استخدام موقعها الجيوسياسي للدفاع عن سيادتها. من ناحية أخرى، فإن الموقف العربي والإسلامي الموحد والتضامن وإسناد إيران يصب في مصلحة منطقة الشرق الأوسط حتى لا تتفرعن إسرائيل وتصبح ندًا لروسيا والصين في الغد، ومستعمرة لمناطق جديدة في إطار الحلم الصهيوني بإنشاء ما يسمى إسرائيل الكبرى التي تزعم أن حدودها ستشمل المنطقة من الفرات إلى النيل وحتى شمال المملكة العربية السعودية. ولذلك فإن وجود قوة إسلامية في منطقة الشرق الأوسط هو ضمان للتوازن والأمن والاستقرار، لأن خطر الصهيونية يتجاوز الأراضي الفلسطينية والسورية وادعاءات القضاء على البرنامج النووي الإيراني. فمن يسمع ومن يفهم؟