وسط تصاعد التوتر في مضيق هرمز بين واشنطنوطهران، تواصلت في إسلام آباد مفاوضات تحاول اللحاق بانتهاء مهلة وقف إطلاق النار. لكن التصريحات المتضاربة، ورفع السقوف، والتهديدات، والغموض حول أطراف التمثيل وآلية التوقيع على أي اتفاق محتمل، جعلت الصورة ضبابية، في وقت لم يُستبعد فيه أي من السيناريوهات البديلة. هذا المشهد المعقد يكتسب خطورته من تزامن الجمود الدبلوماسي مع استمرار واشنطن في فرض حصار بحري خانق على الموانئ الإيرانية، وهو ما دفع طهران للرد بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي مجدددا. وأعلنت قيادة "خاتم الأنبياء" المركزية الإيرانية استئناف الرقابة المشددة على المضيق، متهِمةً واشنطن بانتهاك وقف إطلاق النار و"مواصلة أعمال القرصنة والحصار". وأكدت بحرية الحرس الثوري الإيراني لاحقاً أن مضيق هرمز سيظل مغلقاً إلى أن ترفع الولاياتالمتحدة حصارها البحري، محذرة من أن أي سفينة تقترب ستُعامل على أنها "متعاونة مع العدو". وجاء هذا التصعيد الإيراني رداً على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الحصار البحري الذي تفرضه بلاده على الموانئ الإيرانية "سيبقى سارياً بكامل قوته"، مؤكداً عبر منصته "تروث سوشيال" أن المضيق "مفتوح بالكامل وجاهز للعمل"، لكن الحصار مستمر. مؤخرا اتهم ترامب طهران بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار الهش، قائلاً إنها "قررت إطلاق النار في مضيق هرمز، في انتهاك كامل لاتفاق وقف إطلاق النار"، مشيراً إلى أن "كثيراً من تلك الطلقات استهدفت سفينة فرنسية وناقلة بضائع بريطانية". وفي تهديد صريح، حذر ترامب من أن بلاده لن تكون بعد الآن الطرف المتسامح، مضيفاً: "نعرض اتفاقاً عادلاً ومعقولاً للغاية، وآمل أن تقبله إيران، وإلا فإن الولاياتالمتحدة ستدمر كل محطة طاقة وكل جسر في البلاد... لقد حان الوقت لإنهاء آلة القتل الإيرانية". هذه التصريحات المتبادلة تأتي في وقت تعيش فيه المفاوضات في العاصمة الباكستانية حالة من الجمود العميق. فقد انتهت الجولة الأولى من المحادثات النادرة والمباشرة بين الجانبين، التي استضافتها باكستان يومي 11 و12 أبريل/نيسان الجاري، دون التوصل إلى أي اتفاق ملموس. وخلال جلسة ماراثونية استمرت 21 ساعة من المفاوضات المكثفة، تبادل الوفدان الاتهامات حول أسباب الفشل. ونقلت تقارير إعلامية عن مصادر مطلعة أن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الذي قاد الوفد الأمريكي، صرح بأن طهران رفضت قبول الشروط الأمريكية المتعلقة بعدم تطوير أسلحة نووية، في حين اتهم رئيس الوفد الإيراني، محمد باقر قاليباف، واشنطن بالفشل في كسب ثقة طهران وبطرح "مطالب مفرطة". وعلى الرغم من فشل الجولة الأولى، أعلن ترامب أنه سيرسل وفداً أمريكياً رفيع المستوى، يضم نائبه جيه دي فانس والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، إلى إسلام آباد للمشاركة في جولة جديدة من المفاوضات. إلا أن طهران قابلت هذا الإعلان بالرفض والغموض. فقد أفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا" أن التقارير عن عقد جولة ثانية من المحادثات مع الولاياتالمتحدة في باكستان "غير صحيحة". كما نقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن مصادر أن الجولة الثانية قد لا تعقد بسبب خلافات حول التمثيل وآلية التفاوض. وفي تطور لاحق، صرح قاليباف بأن "المفاوضات مع الولاياتالمتحدة قد أحرزت تقدماً، لكنها لا تزال بعيدة عن التوصل إلى اتفاق نهائي". وتتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف الجوهرية في الفجوة الزمنية الكبيرة بين ما هو معروض وما هو مطلوب فيما يتعلق بتعليق تخصيب اليورانيوم. فقد عرضت طهران تعليق التخصيب لمدة تصل إلى خمس سنوات، بينما تصر إدارة ترامب على تعليق لمدة لا تقل عن 20 عاماً، وهو ما ترفضه إيران باعتباره تنازلاً عن حق سيادي. كما أفادت تقارير بأن المقترح الأمريكي تضمن تجميد 20 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة مقابل نقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى الولاياتالمتحدة، وهو مقترح وصفه مسؤولون إيرانيون ب"المستحيل" و"غير المقبول". وعلاوة على ذلك، تصر واشنطن على مطالب أوسع تشمل إنهاء تخصيب اليورانيوم بالكامل، وتفكيك المنشآت النووية الرئيسية، وتسليم اليورانيوم عالي التخصيب، والموافقة على إطار أمني يشمل حلفاء إقليميين، وإنهاء دعم الوكلاء الإقليميين، وفتح مضيق هرمز بالكامل دون رسوم. وبينما يتعثر المسار الدبلوماسي، يتواصل الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة بوتيرة غير مسبوقة. فقد أعلن البنتاغون عن نشر آلاف الجنود الإضافيين، بما في ذلك عناصر من الفرقة 82 المحمولة جواً، لينضموا إلى حوالي 50 ألف جندي أمريكي منتشرين بالفعل في المنطقة. كما أرسلت وزارة الدفاع الأمريكية 18 طائرة هجوم أرضي من طراز "إيه-10 ثاندربولت" إلى الشرق الأوسط، مما يضاعف حجم أسطول هذه الطائرات المخصصة لمهاجمة الزوارق السريعة ودعم العمليات البرية وبالتوازي مع ذلك، تم رصد تحليق قاذفات استراتيجية من طراز "بي-52" انطلقت من قاعدة "فيرفورد" الجوية في بريطانيا باتجاه المنطقة، في استعراض واضح للقوة. كما عبرت حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد فورد"، أكبر حاملة طائرات في العالم، قناة السويس إلى البحر الأحمر برفقة مدمرتين، لتنضم إلى حاملتي الطائرات "أبراهام لينكولن" و"جورج بوش"، مما يشكل قوة ضاربة قادرة على نشر حوالي 225 طائرة مقاتلة. وفي هذا السياق المتأزم، برزت رسالة من مدير استخبارات الدفاع الأمريكية، الفريق جيمس آدامز، إلى الكونغرس، أكد فيها أن إيران لا تزال تمتلك "آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة الانتحارية" في ترسانتها. وكشفت تقييمات استخباراتية أمريكية نقلتها صحيفة "نيويورك تايمز" أن إيران تحتفظ بنحو 40% من ترسانتها من الطائرات المسيرة التي كانت تمتلكها قبل الحرب، وما يزيد عن 60% من منصات إطلاق الصواريخ لديها، مما يشير إلى أنها "لا تزال تحتفظ بقدرة ردع قوية" على الرغم من أسابيع من الضربات الأمريكية والإسرائيلية المكثفة. ويرى محللون أن هذه الرسالة تأتي في إطار مساعي الإدارة الأمريكية لتبرير استمرار التصعيد والحشد العسكري أمام المشرعين والرأي العام الأمريكي، وتصوير التهديد الإيراني على أنه وجودي يستوجب مواصلة الضغط وعدم تقديم تنازلات. وفي خضم هذه الأجواء المشحونة،، أفادت تقارير غربية عن نقل الجيش الامريكي لمنظومات دفاعية من قواعدع في الأردن إلى مواقع جديدة ومختلفة ويبقى المشهد العام ملبداً بغيوم الحرب، حيث تتقاطع المسارات الدبلوماسية المتعثرة مع الحشود العسكرية الهائلة والتهديدات المتبادلة. وبينما تتجه الأنظار إلى طاولة المفاوضات في إسلام آباد، يبدو أن الأجواء مهيأة لمواجهة أكثر من كونها مهيأة لتسوية. فالفجوة بين الموقفين ليست فقط فجوة في التفاصيل التقنية للاتفاق، بل هي فجوة في الثقة، وفجوة في الإرادة السياسية، وفجوة في تعريف ما يشكل "نصراً" يمكن لكل طرف أن يقدمه لجمهوره الداخلي. واليوم، مع اقتراب موعد انتهاء الهدنة الهشة المقرر في 22 أبريل/نيسان، يقف العالم على حافة الهاوية، متسائلاً عما إذا كان صوت العقل والدبلوماسية سينتصر أم أن طبول الحرب ستقرع من جديد، لتغرق المنطقة في دوامة جديدة من العنف والدمار.