في مدينة عدن، التي تقبع تحت وطأة ظروف استثنائية مفتعلة، تحوّلت أزمة الكهرباء إلى لغز محيّر يتحدى المنطق ويفوق التفسير الفيزيائي المعروف. فمع بداية الصراع الدائر، كانت محطة مدينة الشعب البخارية هي المصدر الوحيد للطاقة في المدينة، حيث كان التيار الكهربائي يعمل لمدة ثلاث ساعات، قبل ان ينقطع لمثلها، بحجة العجز في القدرة التوليدية. وبعد نحو عامين، أُضيفت إلى الشبكة محطة جديدة (محطة الرئيس) التي تعمل بالنفط الخام، بهدف سدّ فجوة الانقطاع وتحسين خدمة التيار الكهربائي. لكن النتيجة كانت على النقيض من ذلك تماما فقد تقلصت ساعات تشغيل التيار إلى ساعتين فقط، بينما امتدت فترات الانقطاع إلى أربع ساعات. حيث اتسعت الفجوة بدلاً من أن تضيق.
ولم تكن الإضافة الثالثة، المتمثلة في محطة الطاقة الشمسية، إلا حلقة أخرى في سلسلة المفارقات والعجائب. فبدلاً من أن تسهم في تقليص فترات الانقطاع، زادت هذه الفترات إلى ست ساعات متواصلة، بينما لم يتجاوز وقت التشغيل ساعتين فقط، وفق برنامجٍ أصبح معتمداً وساريا في المدينة منذ ذلك الحين.
هذه المعادلة الغريبة، التي تزيد فيها انقطاعات التيار الكهربائي في المدينة كلما زاد عدد المحطات والمشاريع الكهربائية الحديدة، تطرح تساؤلاتٍ عميقةً تمسّ جوهر إدارة الملف الخدمي في المدينة. فمن غير المنطقي، بل ومن المستحيل علمياً وفيريائيا وفلسفيا ايضا أن تؤدي زيادة القدرة التوليدية إلى انخفاض مستوى الخدمة، ما لم تكن هناك عوامل أخرى خفية تؤثر في المعادلة.
ولا يبدو أن التفسيرات الرسمية، التي تتحدث عن "عجز" أو "سوء إدارة" أو "أعطال فنية"، كافيةً لتبرير هذه المفارقة الصارخة. فالأمر لا يتعلق بنقص في الموارد أو التقنيات، بل يبدو أقرب إلى إجندة سياسية موجهة، تستهدف النيل من ارادة الشعب الجنوبي والالتفاف على تطلعاته الوطنية.
واليوم، ومع إطلاق مشروع للطاقة الشمسية في محافظة شبوة بتمويل من دولة الإمارات العربية المتحدة، يتجدد القلق من أن يصيب هذا المشروع ما أصاب مشاريع عدن الكهربائية قبلها وأن تذهب استثمارات الإمارات السخية أدراج الرياح بسبب نفس الاجندة السياسية المعيقة.
إننا نقدر دور الإمارات الشقيقة ووقوفها الداعم لابنا الشعب الجنوبي، لكننا نرى أن الدعم الأكثر تأثيراً هو ذلك الذي سوف يمكّن الشعب الحنوبي من استعادة دولته وقراره السياسي فحينها فقط يمكن تحويل المساعدات إلى مشاريع تنموية حقيقية، وتصبح الكهرباء—خدمةً مستقرةً وحقاً مكفولاً.
وكما يقول المثل الصيني: "لا تعطني سمكة، ولكن علمني كيف أصطاد". فالمساعدة الحقيقية هي التي تمكّننا من بناء مؤسساتنا، وإدارة مواردنا، وصناعة مستقبلنا بأيدينا. عندها فقط، سنشهد نهضةً حقيقيةً تعمّ كل المجالات، وتُخرج الجنوب من دوامة الأزمات إلى فضاء التنمية والاستقرار.