بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي جاءنا بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
أما بعد، فإن الحديث عن عظمة الرسالة التي حملها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعن مكانة شخصيته الكريمة، هو حديث عن أعظم تحول عرفته البشرية، وعن النور الذي أنقذ الإنسانية من ظلمات الجهل والضلال.
عظمة الرسالة المحمدية لم تكن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم مجرد دين جديد يُضاف إلى الأديان، بل كانت خاتمة الرسالات، والمنهج الشامل الذي جاء ليكمل مكارم الأخلاق، ويُصلح أحوال البشر في دنياهم وأخراهم. لقد حملت كلمة التوحيد الخالص "لا إله إلا الله" التي حررت العقول من عبادة الأوثان، والقلوب من خوف غير الله، والنفوس من استعباد بعضها لبعض. كانت رسالة عدل ورحمة، تساوي بين العربي والعجمي، وبين الأسود والأبيض، إلا بالتقوى، فجمعت شتات البشر تحت مظلة الإخاء الإنساني.
دور الشخصية المحمدية في الهداية لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مبلغاً للوحي فحسب، بل كان تجسيداً حياً لتعاليمه، فكان قرآن يمشي على الأرض. أخلاقه العظيمة، من صدق وأمانة وحلم وشجاعة وتواضع ورحمة، كانت النموذج العملي الذي جذب القلوب قبل العقول. لقد هدى الأمة بفعله قبل قوله، فكان المثل الأعلى في كل شيء: قائداً للدولة، ومعلماً للأمة، وقائداً للجيوش، والأهم من ذلك كله: عبداً لله تعالى. قال تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" (الأحزاب: 21).
أهمية الاحتفاء بالمولد النبوي إن الاحتفاء بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم ليس مجرد طقس تقليدي، بل هو مناسبة عظيمة لتجديد الإيمان في القلوب، وإشاعة محبته التي هي أصل الإسلام. فهو فرصة لإعادة قراءة سيرته العطرة، والتذكير بخصاله الحميدة، واستلهام الدروس والعبر لمواجهة تحديات زماننا. إنه يوم نعيد فيه ربط حاضرنا بماضينا المجيد، ونغرس في شبابنا قيم النبوة ومبادئها الخالدة.
وفي هذا المقام، نستحضر بيتين من قصيدة الإمام البوصيري في قصيدته الخالدة "نهج البردة" التي عبرت عن مدى حب المسلمين لنبيهم، ومنها هذه الأبيات التي تخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم: هُوَ الحَبيبُ الذي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ .. لِكلِّ هَوْلٍ مِنَ الأهوالِ مُقْتَحَمِ ..
ختاماً، فإن محبة النبي صلى الله عليه وسلم والتعلق بسنته والسير على منهاجه هي صمام الأمان لهذه الأمة، والاحتفال بمولده تذكير بهذا المعنى العظيم، وتجديد للعهد مع هذه الشخصية الفذة التي غيرت مسار التاريخ.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.