وزير الدفاع يتفقد الخطوط الأمامية في جبهات نهم ويشيد بمعنويات أبطال الجيش    أزمة الريال تعمّق معاناة اليمنيين المعيشية    مصر تستعد لاستقبال المرضى اليمنيين عبر "طائرات الرحمة"    ضبط 45 شبكة دعارة في العاصمة صنعاء خلال عام 2019م (إحصائيات)    "حوثي" بحجة يقتل والديه وأخيه ويطارد أخويه الصغيرين بالسلاح    اليمن تشارك في المهرجان الدولي للشعر والفنون في دورته الثامنة بالمملكة المغربية من 2-8فبراير 2020م    قتلى وجرحى في اشتباكات قبلية بمحافظة إب    "ترامب" يطلق "صفقة القرن" بحضور 3 دول خليجية ويكشف تفاصيلها.. غابت السعودية وقطر    عكف والشحيري يلتقيان بإدارة ومعلمي مدرسة 22 مايو بزنجبار    شبوة : حبتور يؤكد ضرورة تشغيل كافة الأقسام التخصصية بمستشفى الروضة    جامعة عدن تدشن عمل مكتبها في القاهرة    مانشستر سيتي يجدد عقد فيرناندينيو    الرئيس هادي: إيران تسعى للسيطرة على مضيقي هرمز وباب المندب    وزيرالاتصالات في حكومة صنعاء..خسائر الوزارة بلغت 3.5 مليار دولار جراء العدوان    قيادي منشق عن الانتقالي يطالب قيادته بالإعتراف بجميع المكونات الجنوبية    عدن : وزارة الصناعة تبحث مع الأغذية العالمي إمكانية دعم الأفران بمادة الدقيق    [ ماشي فائدة وأهل البان في الجمرك ]    عاجل..بطلب من "بريطانيا" مجلس الامن الدولي يغقد جلسة مغلقة لمناقشة التطورات العسكرية في اليمن    جزيرة سقطرى اليمنية..من جزيرة السعادة إلى قواعد عسكرية محتلة    قبل تنفيذ القرار الصادم.. هكذا تتجنب "حظر واتساب" على جهازك    "الغذاء العالمي" يتهم الحوثيين بسرقة 127 طن من المساعدات    أنت وطني …    مهندس كمب ديفيد "جيمي كارتر".. يظهر في حضرموت مع المواطنين    الحكومة "الشرعية" تعلن: نناقش مع التحالف خياراتنا ازاء اتفاق استوكهولم وتصعيد الحوثيين    مركز الارصاد الجوية يحذر من استمرار موجة صقيع على عدد من المحافظات    الريال ينهار أمام العملات الأجنبية    تشغيل المحول الكهربائي في حقل بئر أحمد المائي بعدن    *الخارطة الربانية*    نصف امرأة الثانية    رسميا.. بن عرفة إلى صفوف بلد الوليد    محافظ لحج " تُركي " يَجتَث المباني العشوائية بالحقل المائي و الموقع الأثري في تُبَن . . و يتفقَّد مواطني الحَوطَة    استقبال رسمي لبعثة فريق شعب حضرموت الفائز ببطولة الدوري التنشيطي لكرة القدم    روسيا : صفقة القرن تتجاهل قاعدة التسوية المعترف بها دولياً    الاتحاد الايطالي يعفو عن كونتي بعد التوتر في لقاء الانتر امام كالياري    التحالف يعلن اعادة فتح مطار صنعاء    مليشيات الحوثي تختطف رئيس جامعة العلوم والتكنولوجيا وتعيين أحد عناصرها بديلا عنه    مؤشر على اقتراب مورينو من برشلونة    ليفربول أمام فرصة الاقتراب أكثر من حلم التتويج    عبر «إعمار اليمن»..سقطرى تتنفس التنمية بمشاريع سعودية في قطاعات حيوية    ما مدى صحة تصريحات البخيتي بشأن الهدنة غير المعلنة بين الحوثيين والاخوان!!    اختلاف صوتك قد ينذرك بمرض فتاك    ناتشو وزيدان .. سر "الحضن العنيف" ونصيحة "القائم الأول"    حقيقة وجود خلافات داخل الجهاز الفني لمنتخب مصر.. سيد معوض يوضح    الصين..فيروس كورونا يودي بحياة 106أشخاص وترامب يعرض المساعدة    إبتعدوا عن هذه الأشياء للحفاظ على صحة عيونكم    ليس لي شأن في الثورة(خاطرة)    مواجهة الأوضاع المعيشية في اليمن.. عن طريق "العملة الإلكترونية".    علماء يفسرون ظاهرة الأشباح والأرواح الشريرة    طالبات أكدت مصرع طاقمها.. والجيش الأميركي يقر بسقوط طائرته    تزايد أعداد النازحين في اليمن.. وسكان فرضة نهم لن يكونوا آخر الضحايا    جدران "صنعاء" تناهض الحرب مجددًا من خلال "صنع في اليمن"    تدشين المسابقة السنوية في رحاب القرآن الكريم في تعز    الخارجية: رحلات جوية من صنعاء لنقل مرضى الحالات المستعصية    متخصص " أصول دين".. تعيين "إخواني مستشاراً دبلوماسياً لسفارة اليمن بالقاهرة    نقل العدوى اليها .. طفل بصنعاء يعض أمه بعد أن نهشة "كلب مسعور" ويفارق الحياة (تفاصيل)    د. عبد الإله الصلبه | إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى    رابطة علماء اليمن تدين وتستنكر التطبيع الوهابي مع اليهود    خداع الشعوب (2)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الرئيس علي ناصر هل يرد الجميل لمن أنقذ حياته من جمل هائج كاد إن يقضي على حياته ؟
نشر في عدن الغد يوم 10 - 12 - 2019

(عدن الغد) تنفرد بنشر مذكرات ( الطريق إلى عدن ) الرئيس علي ناصر : الحلقة ( الخامس عشر )
متابعة وترتيب / الخضر عبدالله :
أول شعاع في الفجر:
مع البدايات الأولى للفجر صلينا، وانطلقت قافلتنا من جديد في طريقنا إلى حبيل امسجد وقرن ابن امحوزة (امحميشة) ولبو وضبة فأرض النخعين وجحين ورهوة المقانع وجربة الوبري وأهل امزمل إلى امسلول وهم مراقشة الساحل ويسكنون في العرقوب إلى الساحل (1)، نركب الجمال أحياناً، ونسير خلفها أحياناً أخرى. نعطش ونشرب, ولا نتوقف عن السير, كانت الإبل، يتقدمها ذلك الجمل العجوز (2)، تسير بنا في طريق جبلية، متعرجة، ومتشعبة، ووعرة. كنا نتهامس: "هل نحن في الطريق الصحيح؟" فيجيب أحمد مسعود: إن "الجمل" وقد تمزقت أخفافه "المفلطحة" في هذه الدروب الوعرة التي يقطعها في رحلاته الدائمة بين دثينة وعدن لن يضل طريقه أبداً.
جمل برطم لا يكل ولا يمل
وتستمر القافلة في سيرها يتقدمها الجمل العجوز الذي لا يكل ولا يمل ولا يتبرم وهو يندفع إلى الأمام، وتذكرت فيما بعد قول الشاعر:
ياقافلة عاد المراحل طوال
وعاد وجه الليل عابس
ياقافلة بين امسهول وامجبال
الله معش حامي وحارس
كان هذا الجمل العجيب يسبح بنا في دجى الليالي رغم أنه لا أثر لطريق يمكن مشاهدته.. وكنا نخاف أن يضلّ بنا في الدروب الموحشة، لكن كان علينا أن نثق به مثلما يثق به صاحبه الذي قال وهو يفتخر بجمله العجوز، المجرب، الذي يشم رائحة الجبال والرمال والطرق ومنعطفاتها:
"لا تخافوا، إنه لا يتوه، ولن يتوه"!
قالها واثقاً من جمله ورفيق دربه العجوز الذي شاركه رحلة العمر هذه لزمن طويل .
كنا نسير خلفه وكأننا نسير خلف "المحمل المصري" في الطريق إلى قبلتنا عدن..
وتساءلت: كيف يعرف الجمل كل هذه الدروب التي يمكن لأي امرئ أن يضلّ فيها؟
كانت الجمال تندفع إلى الأمام لا يشغلها ماء ولا غذاء. فهي تجتر الطعام عند الحاجة كما أن الجمل يختزن الماء في جسمه، لهذا يمشي ساعات طويلة دون أن يحتاج إلى الماء.. لعدة أيام، كما هي الحال بالنسبة لجمال صحراء نجود والربع الخالي.
يقول الشاعر كعب بن زهير:
أمست سعاد بأرضٍ لا يبلغها
إلا العتاق النجيبات المراسيل
ويقصد الجمال التي تتحمل مشقات السفر للوصول إلى حبيبته
والجمل صفته الصبر.. (والصبر عند الجمل يعني ترحيل الحسابات مع من أساء إليه)، ويقال أيضاً "الحقد". وقد خبرت ذلك بنفسي. وقد ذكر القرآن الكريم الجمل بوصفه من مخلوقات الله العجيبة من بين قلة من الحيوانات بقوله تعالى: "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت" ويقال إن ولادته تكون عسيرة جداً، وأصعب من سائر المخلوقات الأخرى.
قصتي مع جمل حقود
وقد تذكرت وأنا أسير خلف هذه الجمال أن لي ثأراً معها. أو بالأصح مع أحدها. فقد أصبت بطريق الخطأ أحد الجمال في قريتنا في عينه ونسيت الأمر تماماً.. لكن الجمل على ما يبدو لم ينس لي ذلك.. ولم أكن أعرف حينها أن من صفات الجمل الحقد.
فبينما كنت أسير في إحدى الأيام في الطريق بالقرب من قريتنا غير عابئ بشيء إذا بالجمل يهاجمني على غير توقع مني.
لم يكن أمامي سوى الجري.. فقد فاجأني الموقف تماماً، والجمل يربع ويجري في إثري ويحث خطاه، وفي لحظة ما أمام رعب الموقف صرخت.. والتقطت حجراً من الأرض محاولاً ضربه وإبعاده عني، لكنه كان مصمماً على الوصول إلي والانتقام مني. كان موقفي حرجاً وفجأة وجدت أمامي شجرة كثيفة الأغصان (سمرة) فهرعت إليها لكنه جد في إثري وكان الخوف قد استولى عليّ.. لا أدري ماذا أفعل ولا كيف أنجو. وأخيراً دخلت تحت الشجرة لكن الجمل الحقود برك على ركبتيه ومد رأسه ورقبته الطويلة إلى داخل الشجرة فهربت، فأخذ يلاحقني, وفي هذه اللحظة تدخلت عناية الله حين أقبل مصادفة من مكان لا أدريه رجل من قريتنا اسمه "صالح الحاج". وعندما رأى الصراع الدائر بيني وبين الجمل الهائج الحاقد تدخل وأبعده عني. وأنا مدين لهذا الرجل بحياتي. فلو لم تتدخل عناية الله في تلك اللحظة لكنت في عداد الأموات. لكني تعلمت الدرس جيداً فكنت كلما أرى ذلك الجمل من بعيد أبتعد عن طريقه وأهرب منه.
الرحالة الألماني ووصفه للجمل
ومن جملة من وصفوا الجمل بطريقة حسية وعلمية الرحالة الألماني المغامر هانز هولفريتز الذي زار اليمن عام 1934م فقد ورد في كتابه "اليمن من الباب الخلفي" وصف قافلة الجمال التي رافقها أثناء دخول صحراء الربع الخالي حيث تفرقت في جبهة واسعة وقد انشطرت إلى مجموعات فردية. وكانت كل مجموعة تضم سبعة أو ثمانية من الإبل مقطورة، وقد رفعت رؤوسها المتكبرة، المشدودة بحبل إلى أذنابها، وقد ازدانت هذه الأذناب بعقد صغيرة مزخرفة.
والغريب في هذه الحيوانات، أن المرء لا يفلح في إقامة علاقات صداقة شخصية معها، كما هي الحال مع الجياد مثلاً. وهي تؤدي عملها بصبر وهدوء، ولكنها تحيط نفسها دوماً، بموجة من عدم الرضى والسخط، وفي وسع الإنسان أن يحكم فوراً، بأنها تكره استغلالها، ولكنها في الوقت نفسه، تحتقر كل أشكال الحياة الأخرى، حتى حياة الجنس البشري، وكل ما يصدر عنها من عواطف، يعبر عن الكراهية والسخط، وإذا ما أثقل ظهرها بالأحمال، أو نخزت للوقوف، صدرت عنها أصوات غاضبة حانقة، وكشرت عن أسنانها الصفراء الطويلة، وكأنها تحاول أن تعض من يقف أمامها، حتى ولو كان صاحبها الذي يعني بأمرها، ويوليها اهتمامه. وعندما تصل مرحلة الجهد والإنهاك، تصدر عنها أصوات ناحبة تقطع نياط القلوب، ولكن على الرغم مما في هذه الحيوانات من بشاعة منظر يتمثل في تشقق شفاهها العليا، وفي سنامها القبيح، وفي طيّات ركبها الكثيرة التجاعيد. وفي رائحتها النتنة التي تفرزها، فإن عيونها الباكية، التي تحيط بها أهداب طويلة، تضفي عليها جمالاً لا يضاهى. وفي هذه العيون نظرات تائهة، تتطلع إلى الخواء، دون اكتراث بما حولها أو ما يحيط بها. وكثيراً ما تلتفت برؤوسها إلى الوراء، وتتطلع إلى راكبيها في وجوههم بنظرات قاسية متفحصة. وفي هذه النظرات كل معاني الألم الممزوج بالاتهام والازدراء. وليس في وسعي أن أتصور شيئاً يمكن له أن يفسد عليها حالتها النفسية.
مع ذلك ورغم الوصف القاسي للرحالة الألماني للجمل (ربما لأنه جاء من بيئة لا تعرف الجمال ولا تعرف قيمتها) إلا أنه يبقى الحيوان الأهم والأكثر منفعة في جزيرة العرب وصحاريها الواسعة وأيضاً في الصحاري الإفريقية فالجمل بحق سفينة الصحراء وهو وسيلة المواصلات والنقل التي يعتمد عليها دائماً دون أن تكلف صاحبها إلا النزر اليسير من الغذاء والماء وهو مصدر مهم للغذاء وحليب النوق مشهور بفوائده الصحية ولا يحتاج إلى شهادة، ولحومها من ألذ اللحوم وتحتوي على نسبة بسيطة من الدهون, إضافة إلى ذلك للجمل منافع أخرى كثيرة.
لحم الجمال في معسكر العبر
وفي منطقتنا لا يميلون الى اكل لحم الابقار ولا الجمال واتذكر انني لاول مرة اكلت لحم الجمال في احد المعسكرات بالعبر محافظة حضرموت وبعد ذلك في عدد من المآدب في دولة الامارات العربية المتحدة فهم يتنافسون في شراء الجمال الصغيرة (القعود) ويطبخونه في الافران ويقدمونه على الموائد, والذ واطيب اكل هو اللحم الذي يقع تحت السنام. وسكان الصحراء في الجنوب ودول الخليج يحبون أكل لحوم صغار الإبل "قعدان" ومفرده قعود.
أما الفرنسي جيل – جرَفيه كورتلمُون في كتابه "رحلتي إلى مكة" فقال عن الجمل: "لم يكن أمامنا سوى وسيلتين للنقل، ويجب ان نختار إحداهما لقطع مسافة ال 87 كلم التي تفصل مكة عن مدينة جدة : الجمال او الحمير كنت ارغب في امتطاء الجمل الذي أحب خطواته التي تشبه المهند ومشيته الاسترخائية: الجمل هو المطية الحقيقية في هذه الأماكن المقفرة والقاحلة، إنه الجمل المثير للسخرية والمعاند على الرغم من أن مواقفه غريبة إلا أن قلبه طيب، إنه الجمل الذي لا يتوقف عن الشكوى سواء عند تحميل الإغراض عليه أو عند إنزالها في الوقوف او البروك لكنه يسير دائماً دون اكل او شرب، انه حيوان مناسب ارسلته العناية الإلهية خُلِقَ للصحراء لمواجهة كأبة هذه البلدان العتيقة الميته ولعزلتها التي لا نهاية لها."
وللجمل صفات محمودة كثيرة أهمها الصبر وقوة التحمل وهو حيوان وفي وذاكرته قوية لا تبليها السنين. وقد كان لوالدي أحد الجمال عرفناه ونحن صغار السن كان ينام داخل الحصن الذي نسكنه دون سائر الحيوانات المملوكة لنا وكان هذا الحيوان إذا حل المساء يقوم بالزحف على صدره بعد أن يقوم بطي ساقيه ليتمكن من الدخول من باب الحصن الذي لا يتناسب مع حجمه الضخم ثم يواصل الزحف بعد دخوله حتى يحتل إحدى زوايا غرفة المدخل التي كنا نسميها "امسوق".
وفاء الجمل لوالدي
وكان هذا الحيوان رفيقاً لوالدي في أسفاره إلى عدن لفترة من الزمن ولكنه باعه بعد ذلك، وبعد عام أو أكثر كان والدي في سوق "الشيخ عثمان" وشاهد الناس يهربون من السوق وجمل هائج يجري وراءهم وكانت حالة من الرعب والفوضى تعم السوق، وما أن رأى والدي الجمل وعرفه حتى اتجه إليه لتهدئته فحاول البعض منعه خوفاً على حياته من الجمل الهائج لكنه لم يبال بتحذيراتهم واتجه إلى الجمل الذي ما إن عرفه حتى هدأ وبدا في تشمم والدي من رأسه حتى أخمص قدميه فيما يشبه العناق.. قال والدي بعد ذلك وهو يصف لنا الموقف كان الجمل يبكي وهو يشمني والدموع تسيل من عينيه ولم أتمالك نفسي فنزلت الدموع من عيوني تأثراً والناس في حالة اندهاش من الموقف، وهذا على نقيض الصورة التي رسمها الرحالة الألماني "هانز وهولفريتز" للجمل بأنه لا يمكن إقامة علاقة صداقة معه.

جمل عند قبر صاحبه
ومن القصص التي تشهد على وفاء الجمل وعاشتها قريتنا إن ابن العم سليمان عوض قائد رحلتنا إلى عدن وكان اسمه عبد الله كان لديه جمل ارتبط معه بصداقة حميمة قوية وكان لا يفارقه أينما ذهب, ودائماً ما كان يشاهد على ظهر جمله، فحدث أن مرض الصبي ومات فسار الجمل مع المشيعين وراء الجثة حتى ووريت الثرى وظل لأيام يدور حول القبر وهو "يحنَ" مما دفع العم سليمان إلى بيعه حتى لا يذكره بوفاة ابنه . وبعد ذلك بسنين قرأت خبرا عن وفاة الحاج علي النعنع وجمله وهي كما يلي:
عُرف المرحوم الحاج علي النعنع وسط أهل قريته بحبه للحيوانات ورعايته لها. وعندما توفي مؤخرا سار جمله في جنازته ورفض مبارحة القبر. وحاول ابن المرحوم النعنع إجبار الجمل على مغادرة مكانه بجوار القبر، لكن الجمل كان يعود في كل مرة إلى القبر فور تخلي الابن عنه. وقالت أرملة النعنع إنها أشارت على ابنها بترك الجمل، موضحة أنها تخشى عليه من معاناة فراق صاحبه.
اهتمام كبير برجال اعمال ومسؤولين بالجمل
وبعد هذه الذكريات عن الجمال ووفاءها وفوائدها ومعاناتها في الماضي في غياب السيارات والطائرات فإنها اليوم تحظى باهتمام كبار المسؤولين ورجال الاعمال والمال والمواطنين في الدول النفطية ويجري تنظيم سباق سنوي للهجن في عدد من الدول وتجري المراهنات على افصل النوق في السباق واصبحت لها اسماء مشهورة في الخليج ويجري التنافس حول من يقتني افضلها وقد تجاوزت قيمة البعض منها ملايين الريالات بل ان بعضها ازدان بملايين الدولارات من الذهب .
استمرار الرحلة والجمل العجوز
وبالعودة الى رحلتنا فقد كان الجمل العجوز "السديرة" يقودنا ونحن مستسلمون وقد مررنا ببعض القرى والقبائل من أهل امزنو، آل امارم ولم نلاحظ أننا قد أوشكنا على الوصول إلى محطتنا التالية وادي أهل جبير وقد اخترناها لمنامنا هذه الليلة بوصفها منطقة مأمونة ومألوفة.
كانت المنطقة جرداء إلا من بعض أشجار السمر وبعض الأشجار الصغيرة والأعشاب التي أحرقتها أشعة الشمس والطبيعة القاسية والجفاف الذي لا يرحم. وغير ذلك لا أثر لشيء: لا ماء, لا سكن، ولا حياة..
بدأ الظلام يخيم علينا فأخذنا نستعد لمواجهته بكل ما نملك من إمكانيات لم تكن كثيرة.. لكنها ضرورية: الكبريت والحطب والماء والشاي والخبز الذي كان علينا تحضيره، وأخيراً "المداعة" رفيقتنا في الليل والسمر.
بعد أداء الصلاة بدأنا بإشعال النار، أخذ وهجها الأحمر يبدد ظلام الليل.. تحلقنا حولها كما هي عادتنا كل ليلة. ولكن أهم شيء أن هذه النار تجتذب إليها أرتال البدو الذين ما إن يروا النار المشتعلة حتى يبدأوا بالتوافد. كان البعض قد سبقوا بالوصول وجاء بعدهم شخص آخر. وبدأوا بالتحية: - سلام – قلوب- علم.
بمعنى السلام عليك "بالقلوب" يعني لا داعي لأن نسلم على بعضنا بالأيدي أو نتبادل القبل كعادتنا اليوم و"علم" تعني ما أخباركم ؟! كلمات سريعة قصيرة مختزلة وكأنهم لا يجدون وقتاً للكلام والسلام لكثرة مشاغلهم!
العم سليمان وبرطم يشعران بالحرج
سمعت همساً بين العم سليمان وبرطم عندما بدأ الضيوف بالتوافد علينا يجذبهم ضوء النار، بدا وكأن العم سليمان وبرطم وأفراد الرحلة الآخرين يشعرون بالحرج من هؤلاء الضيوف الوافدين من مناطقهم وقبائلهم على غير توقع، فالماء قليل والطعام لا يكفي إلا لبعض الوقت ونحن على أبواب رحلة طويلة بين أهل جبير وشقرة. والرجلان خبيران بهذه المناطق التي لا تسمع عند مرورك بها إلا كلمة "شخطة" أي كبريت، وظل هذا هو مطلب هؤلاء البدو حتى بعد دخول السيارات.
قلت لهما: هل يوجد خطر من هؤلاء على حياتنا؟
قالا: لا, لكننا نشعر بالخطر على غذائنا ومائنا.
قلت: لا تكونا مثل البخيل المشهور أبي الأسود الدؤلي الذي تحدثت عنه العرب عندما جاءه ضيف عابر سبيل.
قال العم سليمان: ماذا عمل؟
قلت: وقف أعرابي على أبي الأسود وهو يتغذى، فسلم فلم يرد عليه أبو الأسود ولم ينظر إلى جوعه وكلما سأل الأعرابي سؤالا رد عليه أبو الأسود بجفاء وإيجاز حتى أتى على طعامه كله.
وأضفت: أو كذلك الذي قال لأمه بولي على النار حتى لا يشاهد المارة مكانهم وإذا بالت فعليها أن لا تبول إلا قليلاً حتى إذا جاء ضيف آخر بالت، وأطفأت النار. كما جاء في البيت:
قوم إذا أستنبح الأضياف كَلْبَهُمُ
قالوا لأمهم: بولي على النار
فتمسك البول شحاً أن تجود به
وما تبول لهم إلا بمقدار (3).
البدو لا يشغلهم سوى الرعي
قال العم سليمان: أما هذه فكبيرة يا علي بر ناصر ولو سمعتها من غيرك والله ما أسكت عليه، ونحن كرماء وأبناء كرم طول الزمان، وأنت تعرف أننا خارج بلادنا وبيوتنا، ومقطوعين في هذه الجبال والأودية فهم على رؤوسنا وأهلاً بهم.
وقال: والله لولا هذا السفر وهذا الليل لنحرت لهم بعيري، كما ذبح حاتم الطائي حصانه وأخرج خنجره وهَمَّ بذبح الجمل كرد للإعتبار.
قال برطم: ليش أنت أكرم من حاتم الطائي.
أجابه العم سليمان: أنا أحسن من حاتم الطائي ومنك يا برطم.
شعرت أنني جرحته فاعتذرت له وبدأنا السهرة.
وكما هي العادة بدأت الأسئلة توجه إلينا من قبل هؤلاء البدو: من نحن؟ ومن أية قبيلة؟ وإلى أي المناطق ننتمي؟.. وبعد أن يعرفوا من نحن يبدأ الحديث عن القبائل: أهل حسنة، المياسر، السعيدي، الجعادنة، أهل حنش، المحاثيث، الخ..
وعن بقية القبائل والعشائر، من قُتل، ومن مرض، ومن ما زال على قيد الحياة. ويتطرق الحديث أيضاً إلى المطر والسقي والماء والغنم والمراعي والجفاف، وهذا هو الهم الأول الذي يشغل هؤلاء البدو. ففي نظرهم هذه هي أهم أخبار الدنيا.. وبعد أن يعرفوها ينامون قريري الأعين، غير عابئين بهموم الدنيا في انتظار يوم جديد، وكأن حدود الدنيا تنتهي عند المناطق التي ذكروها والأمور التي استعلموا عنها.. وعلى أية حال فقد كانت تلك حدودهم بالفعل. فماذا يمكن أن يشغل هؤلاء البدو سوى الرعي والمطر والغنم؟ ولماذا يشغلون فكرهم بأمور لا يعرفون عنها شيئاً، أو حتى يتخيلونها مجرد التخيل؟!
"الكتلي" (الإبريق) فوق النار يفور ويثور وبدا الزبد يظهر ويتكسر على اطراف الفوهة، والمداعة في يد العم سليمان عوض، يسحب منها أنفاساً، وأحمد مسعود والآخرون يحضرون الخبز الذي يوضع على أحجار ملساء فوق النار، ويضعون داخل كل قرص حجراً مكوراً أملس لإنضاجه من الداخل ويسمى (قرم). وترسل النار دخانها في الهواء المنعش، في هذه البقعة الجرداء التي سنبات فيها ليلتنا. وقد عاودني الحنين إلى سماع بقية الموضوع الذي بدأه العم سليمان في الليلة السابقة.. وانتظرت أن يبدأ الحديث من تلقاء نفسه، وفكرت أنه يحسن بي أن أدفعه للحديث قبل أن يتذرع بالتعب ويذهب إلى النوم، فتضيع مني بقية التفاصيل حول إجراءات الزواج في دثينة..
مواصلة العم سليمان لعادات الزواج ما بعد الخطوبة
لحظتها قال العم سليمان وكأنه يقرأ أفكاري:
- يا بوك عادك تبا (تريد) تسمع قصة أمحراوة (4).. ولا با تعرينا ننام!!
قلت محرجاً بعض الشيء..
-لا بك طافة شعنا نباك (نبغاك) تكمل قصة امزواج.
قال دون أن تفارق عيناه وجهي:
-أبشر يا بر ناصر..
فأفرحني أنه سيواصل بقية الموضوع.
تفحص وجوهنا بعناية قبل أن يقول:
- حكيت لكم البارح (5) عن إجراءات الخطبة، أما اليوم فستعرفون مني إجراءات الزواج.. وأنتم الشبان تهمكم هذه الأمور..
أخذ عدة انفاس من دخان "الرشبة" واستوى في مجلسه بارتياح وقد هيأ نفسه للاسترسال في السرد ثم قال:
- تتحمل أم العروس العبء الأكبر في الإعداد والتجهيز لزواج ابنتها. وعليها تقع مسؤولية الإشراف على تجهيز وشراء كل صغيرة وكبيرة من جهاز إبنتها الذي يضم تشكيلة كبيرة من اللوازم الكافية لتأسيس بيت جديد.
- سألناه ما هذه اللوازم؟
الأم تتحمل الاشراف على تجهيزات أواني وأوعية العروس .. فما دور الأب ؟
- فقال:
- تضم الأواني والأوعية والمعدات المنزلية، وتقوم الأم بالإشراف على تجهيز وشراء الأواني المصنوعة من سعف النخيل وعددها كبير وتضم "التوار" و"الجعاب" والأطباق بأحجامها وأشكالها المختلفة ولكثرة عددها فإن تزيينها "بالودع" (6) وتقويتها بالجلد بعد شكها ب "المراير" بالكاد تكفي عشرة أيام لإنجازها.
فعدد "التوار" (7) يبلغ عشرين، عشر منها كبيرة وعشر صغيرة والصغار تسمى، "رباع" وعدد "الجعاب" ( عشرون. عشر كبار وعشر صغار. أما الأطباق فعددها يبلغ الأربعين موزعة على أربع فئات كل فئة منها تتكون من عشرة أطباق وأسماؤها "مناشير" ومفردها "منشور" وهي ذات طرف أحمر.
"والزنوان" ومفردها "زنو" وهي الأطباق الحمراء بلونها القاني. أما الأطباق التي في وسطها دائرة فتسمى "مجفى" وجمعها "مجافي". إضافة إلى "المقارب" وهي أطباق بيضاء اللون.
قلت للعم سليمان:
- أليس ذلك كثيراً؟
- أجاب:
- ليس هذا كل شيء فقد بقي الكثير مما تجهز به العروس. فبالإضافة إلى ما ذكرت تجهز العروس بعدد آخر من الأطباق من أحجام مختلفة منها عشر "مقاشر"، وأربعة أطباق كبيرة، واحد منها لصناعة الخبز حيث يتم رص أقراص الخبز الحامض (المخلم) فيه بعد صناعتها تهيئة لإدخالها في "الميفى" (8) وطبق آخر يسمى "منزل" وجمعه "منازل". ويتم وضع أقراص "المخلم" الناضجة بعد إخراجها من "الميفى" فيه قبل دهنها بالسمن أو السليط وإدخالها ساخنة إلى التورة التي تحفظ حرارتها لمدة طويلة. بالإضافة إلى طبقين آخرين كبيري الحجم للرهي. ويتم وضع "المرهاتين" (9)عليهما. وأحدهما يخصص لقشر الخبز الخشن. والآخر ل"سدفه" (10) (طحنه ناعما) وبطبقين آخرين ل "امتنصوب" (11) وواحد لنخل الطحين الذي يطحن بالرحى " .
هوامش
1- وبعد الوضيع مررنا بال امارم وال طميس والمحاثيث والنخعين وقرية كورة حليمة وكورة العسعوس وآل امزنو وقرية اللصيمة وجحين الدولة وال امزمل ومراقشة الساحل ينتشرون من حدود احور إلى العصلة ووداي حسان .
2- - يسمى الجمل الذي يتصدر القافلة "السديرة" لمعرفته بالمسالك والدروب الوعرة في الطريق.
3- الأخطل .
4-الحراوة: الزواج أو العرس .
5-- وهي الكلمة التي تنطق البارح أما بقية الكلمات في دثينة وبعض المناطق تبدأ ب "أم" وفي بلاد الشام ومصر تنطق "امبارح" كما يغنيها السيد مكاوي "ليلة امبارح ماجانيش نوم"
6-أصداف بحرية.
7-- جمع تورة: وهو وعاء مصنوع من سعف النخل كالحقيبة يستخدم لحفظ الخبز.
8- مفردها جعبة وهي أيضا من سعف النخيل وتستخدم لحفظ الأطعمة المطبوخة (الناشفة).
9-الميفى: التنور.
10- حجران لطحن الخبز.
11-ا ي طحنه بشكل ناعم.
12- لجمعه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.