السعودية تنهب موارد اليمن لتغطية عجزها في صرف رواتب المرتزقة    رداًّ على هجوم أفغاني.. باكستان تعلن "حربا مفتوحة" على طالبان وتقصف كابل    تفكيك الجنوب بوابة عودة الإرهاب    أسرة جنوبية تتكفل بأكثر من 3 آلاف وجبة إفطار للقادمين إلى مليونية «الثبات والقرار» بعدن    "صوت الحق لا يُسكَت.. إغلاق المقرات لن يوقف الجنوب"    صنعاء: نائب وزير الخارجية يتهم السعودية بالسعي للسيطرة على ثروات اليمن ويعتبر أي اتفاقيات "باطلة"    الشيخ ملهم الجبراني يدعو للاحتشاد الجماهيري اليوم الجمعة في مليونية الثبات والقرار في العاصمة عدن    مليونية الثبات الجنوبي للانتقالي.. التفاف شعبي حول المجلس وقيادته    بعد الإفراج عنه.. الدكتور رامي محمود يشكر المتضامنين ويؤكد أن التضامن كان حاسمًا في مسار قضيته    تقرير دولي: سكان مأرب يعتمدون على الزراعة وسط فجوة تمويلية حادة وغياب شبه كامل للدعم    مثقفون يمنيون يدعون النائب العام ووزير الداخلية بصنعاء إلى ضبط الجناة في قضية تعذيب طفل بالحديدة    القوات المسلحة الإيرانية: أي مغامرة أميركية ستشعل نزاعاً واسعاً    قائد الثورة: "إسرائيل" عدو صريح للإسلام والمقدسات.. والزوال حتمي    بن حبتور يعزّي محمد عامر وإخوانه في وفاة والدتهم الفاضلة    الهجرة الدولية تسجل نزوح 264 شخصا بعدد من المحافظات    تحرير زمام المبادرة !    الأحزاب والمكونات السياسية تثمن الدعم السعودي لليمن وتؤكد دوره في تعزيز الاستقرار    فقر الدم والصيام: ضوابط طبية وإرشادات غذائية لحماية المرضى    خمسة أدوية شائعة تحت المجهر: تحذيرات من مخاطر صامتة    جريمة تهز الحديدة.. تعذيب طفل وتعليقه على شجرة بتهمة سرقة مانجو    رئيس الوزراء يوجه بسرعة تسليم مرتبات موظفي الدولة المدنيين والعسكريين    انطلاق البطولة التنشيطية للكاراتية بصنعاء    موعد قرعة ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا    ‫كيف ندير مرض السكري في رمضان؟    إب.. حراك تعاوني دؤوب في مديرية الشعر: طريق بيت الصايدي الرضائي بصمة تعاونية بارزة    الاحتلال السعودي يخطط لنهب الثروات المعدنية اليمنية    مانويل نوير يحسم مستقبله مع بايرن ميونيخ    مأرب.. منع خروج ودخول مقطورات الغاز من وإلى منشأة صافر وسط ازمة غاز خانقة    ريال مدريد يحسم قمة البرنابيو امام بنفيكا ويتأهل للدور المقبل من دوري ابطال اوروبا    (نص + فيديو) المحاضرة الرمضانية الثامنة لقائد الثورة 1447ه    عمران.. افتتاح معارض كسوة العيد لأبناء الشهداء والمفقودين    تدشين توزيع 8 آلاف سلة غذائية للفقراء بعمران    النعيمي يشارك في أمسية رمضانية لنادي أهلي صنعاء    مناقشة آليات تعزيز إنتاج الألبان في اللحية بالحديدة    رويترز: السعودية تقدم 1.3 مليار ريال لدعم رواتب موظفي الدولة في اليمن    بمشاركة 12 فريقا.. اتحاد كرة القدم يسحب قرعة بطولة المريسي بنسختها الثلاثين    مكانة الصيام فى الاسلام:    النبهاني يوجه شكوى إلى القائم بأعمال رئيس الوزراء في صنعاء بشأن احتجاز سيارة بدعوى المقاطعة    إصلاح المهرة يدعو إلى تعزيز قيم التكافل والتراحم وتكثيف الرقابة على الأسواق    بنكسني يا جدع:    الرئيس يوجه بمساعدات مالية عاجلة لأسر ضحايا الحادث المروع في أبين    عشر الرحمة.. ملاذ الخطائين وباب الرجاء المفتوح)    شكوك أمريكية متصاعدة بشأن دور حزب الإصلاح في أمن اليمن والمنطقة (تقرير أمريكي)    السامعي يعزي الدكتور التميمي في وفاة شقيقه    جنازة الطين    الطب حين يغدو احتواء    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "فساد ومقاطعة ورقص"    الصحة العالمية: الملاريا والأوبئة الفيروسية ما تزال تهديداً حقيقياً في اليمن    رجل من أقصى المدينة    دوري ابطال اوروبا: ثلاثية سورلوث تقود اتلتيكو مدريد الى تخطي عقبة كلوب بروج    عجل.. الأمن الوطني يضبط خلية مرتبطة بالحوثيين ضمن حراسة وزير الدفاع في عدن    بدء مشروع زراعة 50 مفصلا صناعيا في مستشفى مارب العام    وترجّل الفاروق صديق الطفولة والشباب دون وداع    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد «كوابيس وخيبات»    علوم المسلمين أسست للنهضة الأوروبية    وزير الشباب والرياضة يوجّه بالبدء في ترتيبات انطلاق بطولة "المريسي" الرمضانية بعدن    افتتاح توسعة تاريخية للرواقين الجنوبي والغربي بالجامع الكبير بصنعاء    فنانون عالميون يطالبون مهرجان برلين بموقف ضد جرائم "إسرائيل" في غزة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



((موقف الإسلام من الظلم والظالمين))
نشر في حياة عدن يوم 30 - 11 - 2016

أخرج مسلم من حديث أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
“يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلاَ تَظَالَمُوا“.
وأخرج الشيخان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”،
وأخرج مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
“اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“.
وفضلاً عن ذلك فإن الظلمَ يجعل الظالم في حبس دائم.. لا يسير إلا وحوله حرس مدجج بالسلاح.. لا ينام ولا يصحو إلا وهو متخوف من المظلوم الذي يريد أن ينتقم منه.. الظلم حين يشيع في أمة لا يمكنها أن تستقر أو تستريح..
﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)﴾ (إبراهيم)، فالله سبحانه وتعالى يُعلن في كتابه العزيز ألاَّ يتصور الظالِمُ أن الله غافل عن هذا الظلم، فإذا كان الله يمد للظالم في الإمهال فهذا من الاستدراج، لا غفلة من الله العزيز جلَّ وعلا: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾، ثم يصف حالَ الظالم المنتفخ المتكبر المتجبر المستبد، الذي يملأ الحياة ظلمًا، يصف حاله يوم القيامة، بأنها على عكس هذا الانتفاخ الذي كان في الدنيا، بعد أن كان يشمخ بأنفه إلى السماء، يأتي مُهْطِعاً مُقْنِع الرأس ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ يضع رأسه عند قدمه ذلاً وحياءً وخوفًا ورهبةً ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾؛ أي لا يستطيعون أن ينظروا بأبصارهم.. انظر وتعجب من شدة الهلع والخوف الذي ملأ قلب الظالم! بسبب ما ملأ قلوب الناس من خوفٍ ورعب، يكون جزاؤه يوم القيامة أن يملأ قلبَه الرعبُ، حتى لا يكاد أن تستقر عينُه على شيء ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾، إذا نظر من شدة الخوف لا يستطيع أن يُغمض عيناه﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾؛ وقلوبهم فارغة من كل شيء.
من جزاءات الظالمين
1- الظلم يُعرِّض صاحبه لعذابٍ أليم في هذه الدنيا
مهما يطل الزمان بالظالم، فإنَّ الله تبارك وتعالى لا بد أن يأخذه على أُمِّ رأسه، وأن يشدِّد في أخذه، أخرج عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ“، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)﴾ (هود).
هذا للفرد الظالم، وكذلك للجماعة الظالمة، فقد قال الله عز وجل: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (45)﴾ (الحج)، بعد أن كانت هذه القرية الظالمة تعيش في بحبوحةٍ وفي راحة، يجعل الله تبارك وتعالى عاليها سافلها.
2- الظالم يُسلِّط الله تبارك وتعالى عليه جنده، وينتقم منه في الدنيا، ثم في الآخرة
قد يؤخر الله عقاب الظالم، ولكن إياك أن تظن أن تأخيرَ الله غفلة منه جل جلاله.
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبهٌ يدعو عليك وعين الله لم تنم
أنت تنام بعد أن ظلمتَ منفوخَ البطن مغترًا بقوتك، والمظلومُ قائمٌ بالليل يُنادي ربه، ويقول: رب إني مظلوم فانتصر.. تخرج الدعوة من فم المظلوم، فلا يمنعها من الله شيء، وتُفتح لها أبواب السماء؛ أخرج الشيخان عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: “اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ“.
إن دعوة المظلوم تُفتح لها أبواب السماء، ولا يقف لها شيء، فقد أخرج الترمذي وحسَّنه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ».
وعدٌ من الله أن ينصر المظلوم ولو بعد حين.. حين يفرح الظالم بظلمه ويستعلى بجبروته، يقول الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (45)﴾ (الأعراف).
العدل هو الذي يجعل الحياة في راحة، والظلم هو الذي يجعل الحياة قلقةً مضطربةً، وهو جرثومة متى فشت في أمة، أهلكها الله عز وجل.
وإنَّ أشدَّ الناس حمقًا مَنْ يُجامل الظالم في ظلمه؛ لأنه لم يستفدْ شيئًا بهذه المجاملة، وإنما باع آخرته ليكسب غيره دنياه؛ وذلك حينما لا يقول كلمة الحق.
من صور الظلم
1- أعظم صوره وأشدها وبالاً ظلم الحاكم لرعيته، وظلم الوالي أهل ولايته
لأن الناس إنما يَنْصِبون الأئمةَ والرؤساء ليحققوا العدل فيما بينهم، ولكي يأخذوا للضعيف حقه من القوي، وللمظلوم حقه من الظالم، فإذا صار الحاكمُ هو الظالِمَ فقل على الدنيا السلام.. إذا صار الذي من واجبه أن يرسيَ دعائمَ العدل هو الذي يُقَوِّض العدلَ ويقيم الظلمَ، فقل على الدنيا السلام.. ولهذا كان أعظمُ الناس عند الله درجةً وأول الواقفين في ظل عرش الله يوم القيامة “الإمام العادل”.
فأما إذا جار وظلم؛ فإنه يُشجِّع الناسَ على الظلم.. وإذا آذى الناس وعذَّبَهم؛ فقد أفسدهم، أخرج أبو داود عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ“، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا.
وفي رواية عند البخاري في الأدب المفرد والطبراني في الكبير أن معاوية رضي الله عنه قال: إِنِّي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَلامًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِهِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: “أَعْرِضُوا عَنِ النَّاسِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ تُفْسِدُهُمْ؟“.
وفي هذا السياق أيضًا أخرج أبو داود عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ وَعَمْرِو بْنِ الأَسْوَدِ وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ وَأَبِي أُمَامَةَ عَنِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “إِنَّ الأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ“.
حين يكون الحاكمُ ظالمًا يتتبع السقطات والعورات.. يتتبع الناسَ ليوقعهم في الشر.. يتصنت عليهم ليوقعَهم في البلاء.. يلتمس معايبَهم ليملأ بهم السجون، فإنه يفسد الدنيا.. إنما من واجب الحاكم أن يرسيَ العدلَ وأن يؤمِّن الناس، وأن يعيشَ الناسُ في ظله آمنين.
سيدنا معاوية.. هذا الخليفة المبارك.. كان قائمًا على المنبر يخطب، فقام أحد المسلمين من التابعين، وكان اسمه أبو مسلم الخَوْلاني، فقال: يا معاوية، قال: نعم. قال: يا معاوية، إنما أنت قبرٌ من القبور (أي غايتك في النهاية أنك ستصير في قبرٍ ولن تخلد في هذه الدنيا)، إن جئتَ بشيءٍ كان لك شيءٌ، وإن لم تجئ بشيءٍ لم يكن لك شيءٌ (يعني لم يكن لك في هذا القبر إلا ما قدمت)، يا معاوية: لا تحسبنَّ الخلافة جمعَ المال وتفريقَه، إنما الخلافةُ: القولُ بالحق والعملُ بالْمَعْدَلة، يا معاوية: إنا لا نبالي بكدَر الأنهار ما صَفَتْ لنا رأسُ عيننا، وأنت رأسُ عيننا.
أي: يا معاوية العدل ينبع منك، فإذا كنتَ أنت عادلاً، فلا يهمنا أن يكون هنا مسئولٌ يظلم أو هناك مسئولٌ يظلم؛ لأننا نعلم أن عدل الإمام العادل سوف يمحو هذه المظالم، أما لو كان المسئولون من حولك عدولاً وأنت الظالم، فسوف يتحولون جميعًا إلى ظلمة.
إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
ثم يقول له هذا الرجل الصالح: يا معاوية إياكَ أن تحيف على قبيلة من القبائل فيذهب حَيْفُك بعدلك (أي يذهب الظلم بالعدل) والسلام.
فقال معاوية: يرحمك الله (قَبِل النصيحة مع أنها قُدِّمت له في محضرٍ من الملأ.. قَبِل النصيحة لأنه يعلم أن الاستقرار في أمةِ محمدٍ بالعمل بهذه النصيحة).
وهكذا كان الصالحون وكان الناصحون، كانوا يعلمون أن الظلم إذا كان من الإمام الحاكم، كان أشد فتكًا وأعظم ضررًا، وهذا من أعظم صور الظلم.
2- شيوع المحسوبية والوساطة والرشاوى
حينما يوضع الإنسان في غير مكانه لأنه قريب من فلان، وحين تُبْعَد الكفاءات من أماكنها ويُوَسَّد الأمرُ لغير أهله؛ لأن هذه الكفاءات ليست على هوى فلان، وليست على رغبةِ فلان، حين تنعدم الشورى ويضيع الحق، ولا يكون الرجل المُناسب في المكان المناسب؛ فهذا من أعظم الظلم، أخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: “مَنِ اسْتَعْمَلَ عَامِلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ وَأَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ“.
فحين يكون بإمكانِك أو من سلطاتِك توظيفُ شخصٍ ما أو أشخاصٍ ما، فتوظف مَنْ تهواه نفسُك أو يميل إليه قلبُك أو مَنْ يدفع لك الرشوةَ على حساب الحق فقد خُنْتَ اللهَ ورسولَه والمؤمنين، والأمةُ إذا شاع فيها هذا الجو، فإنها تعيش في حالة من الحقد والحسد، والمظالم التي تدمر الأمم، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)﴾ (البقرة)، ويقصد القرآن بالحكام كلَّ من كان قادرًا ويأخذ رشوة ليبعد إنسانًا عن موضعه، أو يعطيَ إنسانًا غير حقه.
3- أخذ الناس بالشبهة، ومعاملة الناس على سوء الظن
كان المنافقون يسيئون إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار، وكان يعرفهم صلى الله عليه وسلم بأسمائهم، وربما عرَّف بعضَ أصحابه بعضَ الأسماء، ومع ذلك لم نسمع بأن النبي صلى الله عليه وسلم عاقب واحدًا منهم على شيءٍ، فالأصل عنده أن الإنسان بريء ما لم ينطق ويتلفظ ويسمعه الناس، بل إن عبد الله بن أبيّ زعيمَ النفاق، خاض في عرضِ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقال قولة الإثم، ونزل القرآن الكريم يتوعده بالعذاب العظيم، يقول الحق جل وعلا: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، (النور: من 11)، ومع ذلك لم يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ليحبسه أو يسجنه أو يضربه؛ لأنه لم يشهد أحدٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك.
فأخذ الناس بالشبهة ظلم مبين وإثم كبير، وإفك يرى صاحبُه عاقبةَ أمره عند الله خُسرانًا مبينًا، ولهذا كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يدرأ الحدود بأدنى شبهة، أخرج الطبراني والبيهقي وغيرهما عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “ادْرَؤُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِ مَخْرَجًا، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ“، هذا هو العدل.. ألاَّ يؤخذ إنسان بشبهة ما دام لم يرتكبْ ما يوجب العقوبة، ولا يجوز سَوْقُ الناس إلى التعذيب تحت وطأة الشبهات، بزعم أن هذا هو السبيل لكشف الحق.. فهذا باطل.
4- التنصت على الناس لتسمُّع ما يقولون
الذي يتنصت على عباد الله ليسمع ما يقولون في مجالسهم وفي سرهم، يوم القيامة يوضع في أذنيه الرصاص المغلي المذاب في النار، أخرج البخارى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ، صُبَّ فِى أُذُنِهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” والآنك: هو الرصاص المذاب من شدة الحرارة، يوضع في أذنيْ من يتصنت على الناس.
سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان قاضيًا على الكوفة، وكان يرفض أن يتم التجسس على الناس أو أن يأخذهم بالظن، أخرج أبو داود عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقِيلَ: هَذَا فُلاَنٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ وَلَكِنْ إِنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ نَأْخُذْ بِهِ.
بل اسمع إلى ما أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ حَرَسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَيْلَةً بِالْمَدِينَةِ، فَبَيْنَا هُمْ يَمْشُونَ شَبَّ لَهُمْ سِرَاجٌ فِي بَيْتٍ، فَانْطَلَقُوا يَؤُمُّونَهُ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهُ إِذَا بَابٌ مُجَافٍ (مغلق) عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ فِيهِ أَصْوَاتٌ مُرْتَفِعَةٌ وَلَغَطٌ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُ وَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: أَتَدْرِى بَيْتُ مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: لاَ.
قَالَ: هَذَا بَيْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَهُمُ الآنَ شُرَّبٌ فَما تَرَى. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَرَى قَدْ أَتَيْنَا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ فَقَدْ تَجَسَّسْنَا. فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَتَرَكَهُمْ.
ألوان الظلم كثيرة وفاشية في المجتمعات، ولا سبيل إلى نجاة الأمم إلا بمحاربة هذا الظلم ومنع هذا الظلم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.