مقتل مواطن برصاص مسلح حوثي في محافظة إب    ليفربول يسجّل رقما سلبيا جديدا في خسارة دراماتيكية امام بورنموث    الحكم بالسجن 3 سنوات على ضابط امن سابق لميامي هيت    دورتموند يستفيد من سقوط بايرن ويقلص الفارق الى 8 نقاط    البرلمان العربي: القضية الفلسطينية ستظل في صدارة الأولويات    قيادة لواء مجمع الدفاع تزور أضرحة الشهداء الصماد والغماري والرهوي ورفاقهم    بدعم سعودي.. إعادة تشغيل محطات كهرباء في عدن متوقفة منذ أشهر    الاحصائي الخليجي: 83.6 مليون نسمة عدد سكان دول الخليج بحلول 2050    مان سيتي يستعيد نغمة الانتصارات بثنائية أمام ولفرهامبتون في الدوري الإنجليزي    عدن.. جريمة أسرية في خور مكسر تنتهي بوفاة امرأة وانتحار زوجها    صحيفة إسبانية: الإمارات سرقت كنوز سقطرى    مفتاح يتفقد مشروع قناة تصريف مذبح ويزور مدرسة الشهيد الحمدي    مانشستر سيتي يهزم وولفرهامبتون بثنائية ويضيق الخناق على آرسنال    اصابة 5 مواطنين اليوم السبت بقصف سعودي على صعدة    صنعاء: تكريم كوكبة من المجازين في القران الكريم    وقفات قبلية في حجة تأكيدًا للمضيّ على نهج شهيد القرآن والشهيد الصماد    وزارة الاقتصاد: إعادة تشغيل المصانع المعطلة أولوية في خطة توطين الصناعات    مأرب: ورشة عمل لتعزيز تمكين المرأة في الأحزاب والتنظيمات السياسية    مليونية عدن... إسقاط التخويف وتأكيد المسار نحو استعادة الدولة    الوالي: التعايش مع اليمن في ظل الوحدة مستحيل وتجربتها أثبتت فشلها    تعز.. مقتل طبيبة برصاص مسلحين في شرعب    الأرصاد: طقس بارد إلى بارد نسبياً على المرتفعات والصحارى    قفزة تاريخية.. الذهب والفضة يسجلان مستويات قياسية غير مسبوقة عالمياً    وفاة مختطف تحت التعذيب في سجون مليشيات الحوثي الارهابية بصنعاء    تعرض منزل إعلامية في مدينة إب لإطلاق نار    تسجيل هزة أرضية في محافظة ذمار    إنتر ميلان يعاقب بيزا ويعزز موقعه في صدارة "الكالتشيو"    لماذا تدهورت العلاقات بين السعودية والإمارات ؟!    إيران تحذر: أي عدوان سيشعل حربا شاملة    محافظ البيضاء يتفقد سير الأداء ومستوى الخدمات في مركز عفار الجمركي    مقتل واصابة 89 شخصا بانهيار أرضي في إندونيسيا    الاطلاع على نماذج الجمعيات التعاونية الناجحة في الحديدة    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "نسيان على معدة خاوية"    وفاة ممثل يمني بعد معاناة طويلة مع المرض    شرطة تعز تكشف عن رقم صادم للفارين من وجه العدالة والقضايا غير المضبوطة    قيادي حوثي يشرع في الاستيلاء على حرم جامعة ذمار وسط احتجاجات أكاديمية    الأرصاد تحذّر من برودة واضطراب البحر    ماذا عن استكمال التعافي الاقتصادي؟    نقل الفنان محمد صبحي للمستشفى    تغاريد حرة.. وجع لا يُسمع صوته    رئيس هيئة النقل البري يوجّه بنزول ميداني للاطلاع على أسباب احتراق حافلة ركاب في نقيل العرقوب بأبين    بالوثائق .. تمرير صفقة فساد لصالح شركة نفطية تابعة لنجل رشاد العليمي    مدرب السنغال يفسر قراره بطلب الانسحاب من مواجهة المغرب    تحركات عسكرية أميركية في الشرق الأوسط وسط تصاعد الاحتجاجات في إيران    وحدة الصف روحها المبدأ والتضحية    اتحاد كرة القدم يحدد موعد المباراتين الفاصلتين لتحديد الهابطين للدرجة الثالثة    مناجاة الأمة الإسلامية    الحديدة.. مناقشة خطة دعم وتفعيل دور الفنانين والمبدعين    5 عادات يومية تضع الغدة الدرقية في خطر    علماء اليمن من صعدة: الدفاع عن القرآن ونصرة فلسطين واجب ديني وأخلاقي جامع    ارتفاع مخيف للاصابات بمرض الحصبة خلال عام.. وابين تتصدر المحافظات اليمنية    باحثون يحذّرون: ساعات اللعب الطويلة تقود إلى أنماط حياة غير صحية    مكتب الهيئة العامة للزكاة بأمانة العاصمة ينفذ زيارة تفقدية إلى أحد المستشفيات النموذجية    فقه الكهف: استراتيجية الثبات وصناعة اليقين في زمن المتغيرات    مرض الفشل الكلوي (37)    شكوى الأستاذ عبدالفتاح جمال قبل أربعين عامًا    كيف يتفنّن الطغاة في صناعة المبررات لجرائمهم؟    احصائية مخيفة للسرطان في محافظة تعز    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فصل "الجين" عن السياسة
نشر في عدن بوست يوم 24 - 06 - 2017

وقف الصحافي الإسرائيلي أفيشاي بن حاييم أمام العضو العربي في الكنيست الإسرائيلي عيساوي فريج، متفاخراً ب«جيناته اليهودية المقدسة» التي لسوء حظ فريج أنه لم يتحصل عليها، وقف مؤكداً أن هذه الجينات مهمة لأنها تميز «من هم أحفاد إبراهيم الذين من حقهم ملكية هذه البلاد (فلسطين)».



الكاتب اليساري الإسرائيلي ب. ميخائيل، أشار- في مقال له في «هآرتس» يرد فيه على بن حاييم- إلى بحث لعالم الجينات البريطاني المختص بدراسة «الجين الأمومي» البروفيسور مارتن ريتشاردز نُشر في 2013 عن «الجينات الأمومية لليهود»، وهي التي تنتقل للسلالات من الأمهات، وهي الدليل الوحيد على «يهودية اليهود»، حيث يعتبر «اليهودي من يتحدر من أم- وليس من أب- يهودي».



المفاجأة الصاعقة لليهود «الأشكناز» كانت أن أكثر من 80% من «الجينات الأمومية» عند اليهود «الأشكيناز»، جاءت من أمهات أوروبيات بيضاوات غير يهوديات، وهو ما يعني أن «الأشكناز» غير يهود.



يعلق ميخائيل ساخراً: يا للمفاجأة، لسنا يهوداً، وعلينا أن نتهود من جديد!



«الجينات المقدسة» خرافة كبيرة، ورغم ذلك فإن الاعتداد بها موجود في كل الثقافات، ولدى معظم الأجناس. وقد قادت إلى حروب مدمرة على طول فترات التاريخ البشري. وكان هتلر يعتقد ب»قداسة ونقاء الجينات الآرية»، في تجسداتها الألمانية، وهو متأثر ب«نيتشة»، ونظريات «السوبرمان» القائمة على أساس مفهوم «النقاء العرقي» الذي ساد في القرن الثامن عشر الميلادي، قبل أن تحل محله المفاهيم الحديثة القائمة على أفضلية «الجنس المختلط»، التي يعبر عنها الأوروبي البسيط اليوم عندما يقف متفاخراً، ويحدثك عن «شجرة العائلة» التي تختلط فيها الدماء الأوروبية بالإفريقية والآسيوية وغيرها. وهذه النظرية الحديثة نسبياً هي السبب وراء ترك أوروبا التفاخر العصبوي ب»الجينات الجنسية/الوراثية»، إلى الاعتداد الذهني ب«الجينات الثقافية/الحضارية»، أو ما يسميه الفيلسوف وعالم الأحياء البريطاني ريتشارد دوكنز بال«ميمات MEMES»، وهي عوامل «انتقال الخصائص الثقافية عبر الأجيال بوسائط غير جينية»، على عكس «الجينات» التي تعد «حوامل انتقال الخصائص العرقية عبر الأجيال». ومن هنا جاءت القفزة الحضارية الكبرى للأوروبيين، بانتقالهم من طور «الاعتداد الجيني» في بعده العرقي إلى طور «الاعتداد الميمي» في أبعاده الثقافية، رغم بروز تيارات من اليمين الأوروبي الشعبوي تحاول اليوم إحياء «أوروبا الجينية» القديمة على حساب «أوروبا الميمية» الحديثة.



أما العرب فإنهم لا يزالون عند طور «الاعتداد الجيني»، ويلزمهم الكثير للوصول إلى مرحلة «الاعتداد الميمي». وما حروبهم البينية الكثيرة إلا انعكاس مرضي لأعراض التفكير الجيني المتأصل لديهم، الذي لا يزال يتحكم في سلوكياتهم الثقافية والسياسية والاجتماعية.



الباعث على الأسى والسخرية- كما ذكرنا- أن «الجين المقدس» الذي قامات بسببه الحروب ما هو إلا أكذوبة كبرى، وخرافة غير موجودة إلا في مخيلة جماعات أصولية دينية وقومية، حسب علم الجينات الحديث نسبياً. ومؤخراً، نشرت مجلة «ناشيونال جيوغرافك» دراسة ضمن مشروع كبير عرف ب»جينوغرافيك بروجيكت» أثبتت- مثلاً- أن أكثر من نصف الإيرانيين الذين يعتدون بعروقهم «الهندو- آرية» الفارسية، يرجعون لأصول عربية. فيما لم يثبت وجود «سلالة واحدة لليهود»، بل ثبت أنهم توزعوا على سلالات مختلفة، ما يدل على تعدد أجناسهم وأعراقهم، وهو خلاف ما قامت عليه الديانة اليهودية والفلسفة الصهيونية المعاصرة.



وعلى الصعيد العربي أثبتت دراسات أخرى مفاجآت أخرى، ونسفت وجود «سلالة هاشمية نقية» تعود إلى أصل واحد. وبناء على فحوصات للأحماض النووية لبعض السلالات العربية الهاشمية، ثبت جينياً عدم رجوعها جميعاً إلى أصل سلالي واحد، بفعل عوامل كثيرة منها تغيير بعض الهاشميين أسماءهم على مدى تاريخهم، نظراً لما مروا به من اضطهاد، وبفعل ادعاء بعض الأسر والقبائل ل»النسب النبوي» لغرض أو لآخر، وبفعل الهجرات ودخول بعض القبائل في بعضها والانتماء إلى غير أصولها مع مرور الزمن، وكذا بفعل علاقات التحالف القبلي العربي التي كانت سائدة لدى القبائل العربية، وغير ذلك مما يمكن فهمه لدى علماء الأجناس البشرية.



كل تلك الشواهد والأمثلة عن السلالات البشرية المختلفة تثبت أن «العنصر النقي/السلالة النقية» خرافة، وأن الأجناس البشرية اختلطت أصولها بفعل عوامل كثيرة تفصلها الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة.



وبقي السؤال المهم الذي يطرح نفسه، وهو: لماذا إصرار المجموعات والسلالات البشرية المختلفة على وهم «الجين المقدس»، على الرغم من أنه خرافة؟ يمكن اختصار الإجابة على هذا السؤال بإجابة بسيطة تتمثل في سعي المجموعات البشرية المختلفة للاستيلاء على السلطة والثروة. وأقرب وسائل الوصول إليهما تقوم على الخرافة، إذ لا شيء أكثر فاعلية من «الوهم والخرافة» للتحكم بالناس والاستيلاء على أراضيهم وثوراتهم. ولذا يلحظ أنه كلما قطعت المجتمعات البشرية شوطاً على طريق الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة، تلاشى التعلق بأوهام «التميز الجيني» السائد لدى مجتمعات ما زالت تحكمها أنظمة ديكتاتورية شمولية.



وعلى مدار الزمن كان المغامرون من الحكام الذين حكموا في أوروبا والبلاد العربية يقهرون الناس باختراع خرافات معينة حول قدراتهم الخارقة، وانتمائهم إلى أصول مقدسة، وكان بعض الحكام يتوصل إلى السيطرة على أراضي الناس وثرواتهم بادعاء الانتماء إلى أصول نبوية، حسب خريطة جينية، سقطت تماما أمام الدراسات العلمية الحديثة، بل إن بعض الحكام لدى الثقافات القديمة كان ينتسب إلى الآلهة لتسهل عليه عملية السيطرة على الناس والتصرف بثرواتهم، كما هو الشأن لدى الإغريق وقدماء المصريين والهنود.



ما هو المطلوب إذن؟



المطلوب «فصل الجين عن السياسة». وتحت هذا التنميط يمكن القول إن تقدم المجتمعات على طريق الديمقراطية، والتنافس السياسي على أساس برامج مدنية معيشية للناس، يمكن أن يتم إذا ما فصل «الجين» عن السياسة، وهذا سيقضي على طموحات المغامرين السياسيين في استغفال العامة والوصول إلى السلطة باسم «الجين المقدس»، أو «العرق النقي»، أو «الدماء النبوية»، أو «دماء الآلهة». وهنا لن يكون أمام الجماعات الثيوقراطية الدينية إلا الرضوخ للمنطق الديمقراطي في ضرورة اقناع الجمهور بجدوى «البرنامج السياسي» للمرشح، لا بنقاء «جيناته المقدسة» التي ثبت علمياً أنها خرافة لا تقل سطحية عن خرافة الحقوق المترتبة على هذه الجينات، مثل السيطرة على «أرض وعد الله إبراهيم أن يكتبها عقاراً لذريته من اليهود إلى أبد الآبدين»، أو الوصية ب«ملك وعد الله محمداً أن يجعله في ذريته من الهاشميين إلى يوم الدين».



ولو تأملنا التاريخ البشري لوجدنا أن معظم الحروب التي حصلت- كما ذُكر- وإن كانت بدواعي السيطرة على السلطة والثروة، إلا أن من يثيرونها لا يجرؤون على القول إنهم فجروها بسبب طمعهم في أموال الناس وأراضيهم، ولكنهم على مر التاريخ لجأوا إلى حكايات «الجين المقدس»، و»العنصر النقي»، لإيهام الناس بأحقيتهم في ذلك، ومن هنا جاءت التقسيمات العنصرية للأمم والشعوب على أساس «عرقي جيني» لا «حضاري ميمي» على حد تعبير دوكنز. ذلك أنه في النقطة التي يلتقي فيها «الجين المقدس» بالطموح السياسي للفرد، تتجسد فكرة «القومية الشوفينية»، و»العنصرية العرقية» التي كانت من أهم أسباب الحروب الكبرى في التاريخ البشري.



إن الحكام الذين فشلوا في تقديم منجز حضاري: اقتصادي أو ثقافي لشعوبهم هم أولئك الذين بثوا لهذه الشعوب دعايات دينية تمجد الجينات التي يتوهمون أو يوهمون شعوبهم أنهم ينتمون إليها، والحكام الذين تملكهم إحساس بالفشل في أن يكونوا هم «أصولاً طيبة» لفروعهم القادمة المنتمية إليهم عادوا للتاريخ للبحث عن «أصول مقدسة» يزعمون لشعوبهم أنهم ينتمون إليها، وقد رأينا كثيراً من الحكام جاءوا من مناطق بعيدة وادعوا لأهل الأرض الجديدة التي نزلوا بها انتساباً لأسماء تاريخية كبيرة، من أجل أن تسهل عمليات السيطرة على أبناء تلك المناطق، إذ لم يستطع هؤلاء الحكام السيطرة بقوة العدل والخير، فلجأوا إلى الخرافة لسرقة ثروات الشعوب بدلا من حكمها بالعدل والبناء والتنمية.



أخيراً: يمكن أن نصل إلى الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة لدى كل شعوب المنطقة بعملية فصل كاملة ل»الجيني» عن «السياسي»، وهنا سيصل إلى السلطة من يخدم الناس ببرامج عمل سياسية واقتصادية، لا من يكذب عليهم أن الله جعل السلطة في جيناته الوراثية، حسب مقولات دينية قروسطية لا تزال للأسف تعمل عملها في أنماط تفكير الكثير من جماهير بلاد الشرق العجيب.



وعند هذه اللحظة ستبطل مقولة الصحافي الإسرائيلي افيشاي بن حاييم الذي قال إن «للجينات معاني سياسية كثيرة»، ومقولة بدرالدين الحوثي الذي قال «إن اهل البيت أولى بالإمامة لأنهم أقدر من غيرهم على هذا الأمر».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.