خيمت حالة واسعة من الحزن على الأوساط الدعوية والاجتماعية داخل اليمن وخارجه برحيل الداعية اليمني الشيخ محمد المقرمي، الذي توفي فجر الأربعاء بمكة المكرمة أثناء استعداده لصلاة الفجر، بعد مسيرة متميزة جمع فيها بين العلم والإلهام والروحانية القرآنية.
شكّل المقرمي خلال سنواته الأخيرة حضورًا لافتًا على المنابر والمنصات الرقمية، بفضل منهجه المتفرّد في التدبر القرآني، الذي أعاد عبره إحياء مفاهيم فطرية مهملة، وربط الناس بالمعاني العميقة للنصوص بعيدًا عن الوعظ التقليدي، مستندًا إلى تجربة شخصية روحية مكثفة.
ورغم خلفيته العلمية في هندسة الكهرباء، قدّم المقرمي نموذجًا مغايرًا للانتقال من العلوم التطبيقية إلى المعرفة الدعوية، مستندًا إلى مراجعات فكرية طويلة جعلته يطور أسلوبًا تحليليًا دقيقًا في تقديم الرؤية الإيمانية، قائمًا على المنهجية والترتيب والربط بين الآيات المتشابهة والمتقاربة.
وبرحيله يفقد اليمن أحد الأصوات الهادئة المؤثرة التي أسهمت في بناء وعي قرآني متزن لدى الجمهور، وسط إشادات واسعة تؤكد أثره الإنساني العميق، وحنكته في الجمع بين الزهد والبساطة والقدرة على مخاطبة العقل والوجدان بلغة أقرب إلى المتلقي وأبعد عن التعقيد.
النشأة وبدايات التكوين
وُلد الشيخ محمد عبد الله المقرمي في عزلة المقارمة بمديرية الشمايتين جنوبتعز، في بيئة ريفية بسيطة تركت أثرًا واضحًا في شخصيته المتواضعة، ونشأ داخل أسرة عُرفت بالعلم الشرعي، وشكّلت بداياته الأولى مرجعًا للقيم التي لازمته طوال مسيرته الدعوية.
حصل المقرمي على بكالوريوس في هندسة الكهرباء، وتلقى سلسلة من الدبلومات والدورات المتخصصة، مكتسبًا خبرة علمية انعكست لاحقًا على منهجه الفكري، حيث اتسمت محاضراته بالترتيب المنهجي وضبط المصطلحات والوضوح الموضوعي، مستفيدًا من خلفيته العلمية الدقيقة والمنظمة.
ومع تقدمه في حياته المهنية، عمل المقرمي في مجالات هندسية تتطلب الدقة والتركيز، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى موقع إداري أتاح له مساحة للتأمل ومراجعة الذات، وهي الفترة التي وصفها بأنها نقطة التحول الكبرى التي قادته إلى بوابة التدبر القرآني العميق.
ورغم نجاحه في مسار الهندسة، ظل يبحث عن إجابة روحية أوسع، دفعته إلى تركيز اهتمامه على المعاني الإيمانية الكبرى، ما جعله يعيد قراءة حياته من منظور جديد، ويمهد الطريق نحو الانتقال التدريجي من عالم التقنية إلى فضاء المعرفة الشرعية والدعوة الهادئة المؤثرة.
التحول إلى الدعوة
لم يكن انتقال المقرمي إلى المجال الدعوي قرارًا لحظيًا، بل جاء نتيجة سنوات طويلة من الخلوة والتأمل، كان يقضي خلالها جزءًا كبيرًا من الليل متأملًا السماء، ومتوقفًا عند مشاهد الكون بنظرة روحانية صافية أسهمت في ولادة منهجه التدبري الخاص والمتمايز.
ويرى المقربون منه أن تدريبه العلمي أكسبه قدرة على تحليل النصوص وربطها موضوعيًا، ما جعله يقدّم التدبر بوصفه عملية منهجية متدرجة تبدأ بالنظر، ثم التأمل، فالاعتبار، والاستبصار، قبل الوصول إلى التدبر الذي اعتبره "النظر في عواقب الأمور" واستيعاب مقاصدها.
وركز المقرمي في أطروحاته على معالجة "علّة الشتات" التي تصيب الإنسان المعاصر نتيجة كثرة الملهيات، معتبرًا أن علاجها يكمن في "الموضوعية القرآنية" عبر جمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد وترتيبها دون تشويش، بما يعيد للذهن صفاءه وللقلب توازنه وإدراكه.
وأكّد أن التحول الدعوي ليس خطابًا إنشائيًا بل منهج ممارسة، يبدأ بتصحيح نية الطالب للقرآن، ثم ترسيخ الانضباط الواعي، فتهذيب المشاعر وترويضها، وصولًا إلى بناء شخصية تتعامل مع الابتلاء بثبات، وترى في التكليف بابًا للترقي لا عبئًا خانقًا يعيد تشكيل وعي الإنسان داخليًا وخارجيًا.
الحضور الدعوي والإنساني
امتد تأثير المقرمي من المساجد والبرامج المحلية إلى الفضاء الرقمي، حيث قدّم برامج ومواعظ قصيرة لاقت متابعة واسعة، وتميز بأسلوب يجمع بين الرفق والعمق، ما جعله قريبًا من مختلف الفئات العمرية، ومصدرًا للطمأنينة والإلهام في أوقات الأزمات النفسية والاجتماعية.
وكان ظهوره ضمن برنامج "يمانيون حول الرسول" مثالًا على حضوره المؤثر في الساحة الدعوية، حيث قدم محتوى يجمع بين السيرة والتزكية، مع قدرته على تبسيط المعاني، ما أكسبه تقديرًا من طلاب العلم والمهتمين، ورسخ مكانته كأحد الأصوات الدعوية الهادئة الموثوقة.
وعُرف الشيخ بتعامله الإنساني الرفيع واحترامه للمرأة، وحرصه على التربية السلوكية المتوازنة بين العلم والعمل، حيث كان يؤكد أن الداعية يجب أن يطبّق ما يعلّمه، معتبرًا القدوة العملية أكثر تأثيرًا من الخطاب النظري المجرد، وهو ما انعكس على محبته الواسعة.
ولم يقتصر نشاطه على الجانب الوعظي، بل شارك في مبادرات اجتماعية وخيرية، وأسهم في دعم مشاريع ذات طابع تنموي وتوعوي، ما أكسبه صورة الداعية الشامل الذي يجمع بين الرسالة الروحية والمسؤولية المجتمعية، ويجعل حضوره مؤثرًا في المجالين الدعوي والاجتماعي.
الرحيل وإرث الراحل
توفي الشيخ محمد المقرمي فجر الأربعاء السادس والعشرين من نوفمبر أثناء استعداده لصلاة الفجر بالمسجد الحرام، في وفاة وصفها الناس ب "الخاتمة الطيبة"، واعتبرها متابعون نهاية لرجل قضى حياته بين القرآن والعمل الدعوي المتصل والروحانية الهادئة.
قبيل وفاته كان يشرف على مشروع بناء جامع كبير في مأرب يحمل اسم "فردوس مأرب الكبير"، في خطوة عكست اهتمامه ببناء المؤسسات التعليمية والدعوية، وحرصه على إنشاء بيوت تُعمر بالقرآن، وتظل شاهدة على رسالته الدعوية التي استمرت حتى آخر أيامه.
وبرحيله ترك المقرمي إرثًا من المحاضرات والدروس والمسارات الروحية التي تتبع منهجه التدبري، وأسهمت في إعادة تعريف العلاقة مع القرآن لدى فئات واسعة، حيث وجد فيه الناس نموذجًا للداعية الذي يربط العقل بالنص، والقلب بالمعنى، والمسؤولية بالفعل الصادق.
ويرى دعاة وأكاديميون وناشطون أن التجربة التي قدّمها الشيخ ستظل مصدر إلهام، لأنها بنيت على مراجعة ذاتية صادقة وصقل روحي طويل، وجمعت بين العلم والعمل، مؤكدين أن صوته سيبقى حاضرًا في ذاكرة المهتمين بالتدبر، وأن مساره يمثل مدرسة ممتدة تتجاوز حدود الزمن والظروف.