يبدو أن الأوان قد آن ليفكّر الآباء في نوعية التعليم الذي يتلقاه أبناؤهم، فمعظم مناهج اليوم التعليمية قد عفى عليها الزمن، وموقعها في متاحف التاريخ لا في قاعات الدرس، ولكن هذا لا يعفي الهيئة التعليمية والعقول التي تفكر بالنيابة عن المجتمع أكانت مؤهلة لهذه النيابة أم لا، لأنها في كثير من الأحيان شاهد زور «ما شافش حاجة».. لا يعفيها من الاجتهاد للجمع بين إتقان الأساسيات وبين مجاراة المعرفة البشرية التي تتفجر كالبراكين في مختلف انحاء العالم. فمن العار التعليمي أن تخرّج المرحلة الأساسية طلبة يعجزون عن كتابة رسالة أو صياغة تعهد أو التوقيع السليم على إيصال، أو إحسان الإملاء والنطق السليم حيث بين الاثنين : النطق والكتابة الصحيحة علاقة وثيقة، فمن لا يحسن النطق كيف يحسن الإملاء؟ ومن لا يجيد اللغة كيف يجيد التفكير؟ ذلك أن الفكر والتفكير منظومة لغوية. هذه الأساسيات من النهج التعليمي القديم لا غنى عنها، ولكن ينبغي تحديث وسائل تعليمها بما توفره التكنولوجيا والكمبيوتر من إمكانات تتزايد كل يوم، ولكنها بعيدة عن المدارس التقليدية الواسعة الانتشار. ومن البديهي ان التعليم هو حجر الزاوية في أية نهضة، ومن الخطل التفكير في أي تحولات اقتصادية أو اجتماعية بعيداً عن المنظومة التعليمية. لذلك أضيف انه من العار المعرفي تخريج طلبة من جامعات ومعاهد عليا وحتى من الثانوية العامة دون أن يكونوا على إلمام بأساسيات الكمبيوتر والقدرة على الدخول إلى الشبكة العنكبوتية «الانترنت» لتطوير قدراتهم المعرفية والاطلاع على ما يجري في عالمنا الذي نحن جزء منه شئنا أم أبينا، وسيحاصرنا في نهاية الأمر لنجاريه فنكون شيئاً مذكوراً أو نتلاشى وننقرض كما انقرضت أمم وشعوب كثيرة عجزت عن التكيف مع عالمها المتطور، ذلك أن التخلف يقاس بحركة المتقدمين إلى الأمام، فكما ان أفق المنطلقين لا حدود له فإن هاوية المتخلفين لا قرار لها إلا أن يتداركوا أنفسهم أو يتداركهم الله برحمة من عنده فيتوقفون عن السير إلى الخلف شأنهم شأن نبّاشي القبور في الخيال الشعبي الذي لايزال يسكن الكثيرين لينقل إليهم أو ينقلهم إلى عوالم الجن والسحرة المردة الذين يحيلون التراب ذهباً، والأمن خوفاً، ويصدّون الأعداء بجيوشهم غير المرئية. وتتجه العملية التعليمية إلى «الخصخصة» من أجل ضبط معايير الجودة وإذكاء روح التنافس والتطابق بين مخرجات التعليم وحاجات السوق، ويبقى دور الدولة التوجيه والإشراف دون تعسف أو بيروقراطية تعطّل حركة التقدم. وإذا علمنا أن المعرفة الإنسانية تتضاعف كل عام ونصف في تزايد هندسي ندرك جسامة المسؤولة لانتشال العملية التعليمية من سباتها التاريخي في بلادنا، وهي عملية يستحيل على الدولة النهوض بها لوحدها وإنما هي مهمة المجتمع بنخبه المتعلمة ورؤوس الأموال المطلوب منها التوجه إلى التعليم النوعي الذي يحيل الأجيال الشابة إلى قوى منتجة مبدعة تعيد ما صرف عليها عشرات الأضعاف كما نرى ذلك في بلدان بلا مورد سوى موارد العقول التي توزن بالألماس.