المصور الفوتوغرافي لا يرى بعدسات عينيه فقط، بل أيضاً بعدسات الكاميرا التي تمنحه مزيداً من القدرة على المناورة، فهذا الوسيط التقني لم يعد ناقلاً ميانيكياً لصورة مُحددة، بل أصبحت الكاميرا تلتمس من علوم البصريات وفنون صناعة العدسات إمكانيات تتجاوز العين الآدمية بمراحل، فإذا كنا نشاهد القريب والبعيد بحسب مفهوماتنا الذهنية للمسافة والحجم، فإن الكاميرا تُحيل القريب والبعيد، كما الكبير الصغير، إلى حاضر شاهد على الحال . المصور اللمّاح هو القادر على ترويض هذا الوسيط التقني بوصفه عيناً ثانية، بل جملة من العيون التي تتخاطر مع فضاءات متعددة للقابليات، فعين الكاميرا ترى القريب والبعيد، وتُحاصر الصغير والكبير، وتناور على المساحات والمسافات، وتتناغم مع الأضواء ومصادرها، وتشتغل على العتمة والضياء بروحية تفاعلية دقيقية، ولهذا السبب لامفر للفنان المصور من استيعاب الكاميرا وتمثّل قوانينها بدلاً عن الاعتقاد بأنها ليست إلا جسداً مسخراً لإرادته ورغباته. أي نعم.. إنه يصور برغباته ومرئياته وتقديراته، لكنه لايستطيع فعل ذلك إن لم يكن حاضراً في أساس القوانين الضابطة للكاميرا التي يستخدمها . في المعارض الفوتوغرافية يمكننا مشاهدة مايلي : وجوه تُماهي مع عوامل الدهر وتقلباته فيما تُعيد إنتاج الروية التي اتّسم بها الأسلاف الكبار ممن أقاموا في الصفاء والنقاء، وانعكست تلك السجايا على وجوههم الراوية، والمسيّجة أيضاً بحكمة الأيام وانسيابها الطبيعي . البُعد الثالث مدىً للزرقة وأقواس قزح، لهالة من البياض الموشى باخضرار البحر وأنغام المساء الزرقاء الداكنة. هدوء يُجلل المشهد ويشي بصباحات العمل والدأب عطفاً على الساحات المائية للقوارب . النسقية الفنية تنعكس في بعض الأعمال لكي تقول لنا إنها ذلك النسق والانتظام الذي يستقي مفردات الضياء والألوان من الاحتياط الهائل للطبيعة. اشتغال آخر على بديع صنع الخالق من خلال تتبع الحشرات واستخدام العدسات المناسبة في التقاط مشاهد خلابة لا نستطيع إدراكها بأعيننا المحدودة، وكأن الكاميرا عين أُخرى لعيوننا.