المصور الفوتوغرافي لا يرى بعدسات عينيه فقط، بل أيضاً بعدسات الكاميرا التي تمنحه مزيداً من القدرة على المناورة، فهذا الوسيط التقني لم يعد ناقلاً ميكانيكياً لصورة مُحددة، بل أصبحت الكاميرا تلتمس من علوم البصريات وفنون صناعة العدسات امكانيات تتجاوز العين الآدمية بمراحل، فإذا كنا نشاهد القريب والبعيد بحسب مفهوماتنا الذهنية للمسافة والحجم، فإن الكاميرا تحُيل القريب والبعيد، كما الكبير والصغير، إلى حاضر شاهد على الحال . المصور اللمّاح هو القادر على ترويض هذا الوسيط التقني بوصفه عيناً ثانية، بل جملة من العيون التي تتخاطر مع فضاءات متعددة للقابليات، فعين الكاميرا ترى القريب والبعيد، وتُحاصر الصغير والكبير، وتناور على المساحات والمسافات، وتتناغم مع الأضواء ومصادرها، وتشتغل على العتمة والضياء بروحية تفاعلية دقيقة، ولهذا السبب لامفر للفنان المصور من استيعاب الكاميرا وتمثّل قوانينها بدلاً عن الاعتقاد بأنها ليست إلا جسداً مسخراً لإرادته ورغباته . أي نعم.. إنه يصور برغباته ومرئياته وتقديراته، لكنه لايستطيع فعل ذلك إن لم يكن حاضراً في أساس القوانين الضابطة للكاميرا التي يستخدمها .