قد تكون الديمقراطية سيئة.. لكن الأسوأ- كما يقال- هو عدم وجود الديمقراطية.. وبلادنا - والحمدلله- قيادة وحكومة وشعباً- اختارت النهج الديمقراطي الصحيح في تقرير حكم الشعب نفسه بنفسه، وهذه القناعة في حد ذاتها شكلت منعطفاً إيجابياً عظيماً على مسار الحياة السياسية فأصبحت الديمقراطية بموجبها – فكراً وسلوكاً- وممارسة- ثابتاً وطنياً لايقل شأناً عن جملة الثوابت الوطنية التي نفخر بها عظيم الفخر ويزهو بها الوطن عظيم الاعتزاز,.. ودفاعاً عنها ضد كل من تسول له نفسه المساس بها تجد الوطن أرضاً وقيادة وشعباً يسطر أروع الملاحم والبطولات والتضحيات ليبق اليمن كما عرفه التاريخ على امتداد عصوره: موطن الكرامة والحرية والشهامة والأمجاد والفداء والولاء والإيمان والحكمة. من أجل ذلك فلا غرابة أن يصبح الخيار الديمقراطي منجزاً كبيراً تحقق لنا فنمى وتنامى في عقولنا ووجداننا فكراً لايقبل المزايدة وإرادة تأبى الانكسار،.. لأسباب عديدة أهمها أن الديمقراطية- كمنجز سياسي وتنموي- هي توأم الوحدة اليمنية.. لهذا فإن محاولة البعض الانقلاب على فكرنا ونهجنا الديمقراطي بالاستقواء وبالجهل والتجهيل المتعمد مع سبق الإصرار والترصد بغية خلق حالة من فوضوية الوعي بالديمقراطية والعمل على تشويه مسارها وعرقلته خدمة لمصالح فردية ضيقة إنما هو نكسة خطيرة تسيئ بالدرجة الأولى إلى الوطن وإلى الوحدة اليمنية وحياة شعبنا عامة في كل ربوع السعيدة، وعلى شرفاء هذا اليمن الغالي الوقوف بعزيمة لاتلين أمام هذا التيار المتعفن بفيروسات الوعي القاصر والمغلوط. فليس من الديمقراطية في شيء أن يظل المنطق القائل(أنا شريك في الوحدة).. إذن يجب أن أظل أبدياً شريكاً في السلطة وليذهب الصندوق الديمقراطي إلى الجحيم وليذهب حق الشعب في اختيار من يحكمه إلى الجحيم أيضاً.. وكأن الشعب وفق أحاديث بعض قادة أحزاب المعارضة التي نسمعها قد دخل من جديد معتقلات الصمت القسري(لاصوت يعلو فوق صوت الحزب) التي هُدمت منذ 22 مايو 90م, وكأن الوطن قد أصبح كعكة للتقاسم كما كان لدى أرباب الحكم الشمولي قبل الوحدة اليمنية.. إننا حقاً نعيش مهزلة من الوعي الخاطئ الذي يحاول تطويع مفاهيم ثوابتنا الوطنية وتجييرها لمصالح فردية ضيقة لاتهمها المصلحة العامة في شيء. فالوحدة اليمنية صارت لدى البعض (الظالم) حسب تعبيراتهم الموبوءة ومجاميع الفوضى والتخريب المسمى بالحراك السلمي(مظلومون) ولهذا فإن رفع أعلام التشطير والمناداة بالانفصال هو الحل الوحيد لإنهاء ظلم الوحدة وحرمانها لهم من المشاريع الخدمية والتنموية وكأن كل ماتحقق في ظل الوحدة من مشاريع عملاقة في المحافظات الجنوبية هي مشاريع أنجزها الحكم الشمولي قبل الوحدة.. فأي وعي هذا الذي يزحف بلا خجل؟ إننا في حاجة ماسة إلى مزيد من الوعي وتنمية القدرات على الفهم الصائب لثوابتنا الوطنية وهذا يتطلب اهتمام الدولة بذلك وبشكل كبير حتى لاتصاب أجيالنا بمثل هذه الترهات وحتى ينضج الوعي السليم بالديمقراطية في عقولنا قبل فوات الأوان.