11 فبراير... يوم سقطت الهيمنة وفرّت أمريكا    الزُبيدي يربك الخصوم بهذا الظهور    مقتل واصابة 36 شخصا باطلاق رصاص غرب كندا    عاجل: اقتحام منصة احتفال في عتق وتكسير محتوياتها قبيل إحياء ذكرى يوم الشهيد الجنوبي    انفجارات وقتلى وإصابات وانتشار مدرعات في تعز    دعوات للاهتمام بمصادر الطاقة البديلة في اليمن    "روبلوكس" والضريبة الباهظة للغزو الرقمي الناعم الذي يستهدف بيوتنا    كأس إيطاليا .. سقوط نابولي    دوري أبطال آسيا للنخبة: اتحاد جدة يكتسح الغرافة بسباعيّة    ماغواير يقترب من التجديد لليونايتد    من عدن إلى المكلا.. فعاليات الجنوب ترسم مسار الإرادة الشعبية الواحدة    وزير المالية: دعم المنتج المحلي يمثل بداية الطريق نحو تحقيق التنمية المستدامة    البدوي الشبواني.. لا تحد فلان على الباب الضيق... حين يُدفع الشعب إلى الحافة    46 منظمة محلية ودولية تدين اختطاف متظاهرين سلميين في سيئون    ترتيبات لاتفاق جيولوحي بين اليمن والسعودية    كرة قدم للمبتورين.. مسيرة نجاح للجزائري أوشين في الملاعب التركية    مديرالمواصفات يشارك فيادات حكومية زيارة لمصانع قيد الإنشاء ومراكز تجميع الحليب    عذابات "حاشد" تشعرني بالخجل من كل شيء    هل تتدخل جهات دولية لإيقاف جرائم تهريب النفط اليمني الخام؟!    حجة.. جمعية الحكمة اليمانية الخيرية تدشّن مخيم عيون لإزالة المياه البيضاء بمديرية عبس    الاستمرارية في تأمين دفع رواتب موظفي الدولة.. بين الدعم الخارجي والحلول المستدامة    الخارجية تبحث مع "أطباء بلا حدود" تعزيز التعاون الإنساني في اليمن    الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا تحذر من نفاد الأدوية الأساسية للمرضى    عدن.. سلطات البريقة تمنع التخييم والانشطة البشرية في جزيرة العزيزية    وزير التعليم العالي أمين القدسي: لن أؤدي اليمين خارج اليمن.. واحترام السيادة فوق كل اعتبار    تراجع طفيف في أسعار النفط مع تقييم مخاطر الإمدادات    نقابة الصحفيين والاعلاميين الجنوبيين تحيي حفل تأبين الفقيدة أشجان المقطري    حين يضيقُ المدى بفرسانه: أحمد سيف حاشد.. وجعٌ يمنيٌّ عابر للحدود    إب.. إصابة شيخ قبلي وشقيقه في مديرية يريم    ميسي يحسم موقفه من انتخابات رئاسة برشلونة    دراسة: التناول المعتدل للشاي والقهوة يقلل خطر الإصابة بالخرف    ليفربول يتخذ قرارا بشأن مستقبل سلوت    مخاطر استخدام شبكة ستارلينك على الأمن القومي والسيادة الوطنية    الأرز اليمني يُباع في "سوق الخميس" بصنعاء    السامعي يعزّي وكيل أمانة العاصمة في وفاة والدته    السعودية والصومال توقعان اتفاقية تعاون عسكري ودفاعي    العلامة مفتاح يحث على تفعيل الرقابة والاشراف على المنشآت الطبية    عاجل : سيئون تحت وطأة الإرهاب العسكري.. قائمة ب 24 مختطفاً في حملة مسعورة لقوات الاحتلال اليمني بوادي حضرموت (تفاصيل + أسماء)    السيد عبدالرحمن الجفري يبعث برقية تعزية في رحيل المناضل الوطني الشيخ علوي علي بن سنبله باراس    الهيئة العليا للأدوية تتلف 80 طناً من الأدوية المهربة    عدن.. أربعة بنوك تحدد سقفاً يومياً لشراء العملة الأجنبية من المواطنين    صنعاء.. البنك المركزي يوقف التعامل مع منشأة صرافة    منظمات حقوقية تدين القمع في سيئون وتدعو الأمم المتحدة بارسال لجان تحقيق دولية    مثقفون يمنيون يتضامنون مع النائب حاشد ويدينون سلبية سلطات صنعاء وعدن تجاهه ويحذرون من تدهور وضعه الصحي    صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم بإعادة التعامل مع منشأة صرافة    من يزعم "مليونيات الذكاء الاصطناعي" يكشف سقوطه الأخلاقي قبل الإعلامي.. ك "تفسير الشمس ضوءا صناعيا"    عاجل: محاولة اعتقال قيادي شاب تشعل سيئون.. مدرعات قوات الطوارئ اليمنية تحاصر حي السحيل بسيئون    الارصاد: طقس بارد إلى بارد نسبيا على المرتفعات    ماوراء جزيرة إبستين؟!    ارسنال يهزم سندرلاند3-0 وتشيلسي يفوز علي ولفرهامبتون 3-1 في الدوري الانجليزي    حادث سير مروع على الطريق الساحلي بين عدن والحديدة    إب.. فريق "صقور بعدان" يتوج ببطولة كأس "بعدان" ال 18 بحضور جماهيري واسع    رئيس هيئة المحافظة على المدن التاريخية يزور مدينة شهارة    في ذكرى رحيل القائد عشال    وزارة المطاوعة وفضيحة سوق تأشيرات العمرة.. فساد مالي ينهش جيوب اليمنيين    تعقيدات سعودية جديدة أمام المعتمرين اليمنيين    قيود سعودية جديدة للحد من المعتمرين اليمنيين    "عمرة رمضان" وسطوة الرواية على الآية؛    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة أصولية لحد الردة
نشر في الجمهورية يوم 14 - 04 - 2010

(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة:256).
تعد هذه الآية أهم وأقدم نص ديني في مجال حقوق الإنسان، يقرر بكامل الوضوح والبلاغة حرية الإنسان في مجال العقيدة. كما تعد المستند الأساس للقائلين ببطلان ما يسمى بحد الردة، إلى جانب أدلة أخرى إيجابية وسلبية من نحو: 1 - إغفال القرآن الكريم لذكر أي عقوبة دنيوية للمرتد عن الإسلام بالرغم من تعدد ذكر حالة الارتداد نفسها في عدد من الآيات نحو قوله تعالى في خطاب الصحابة: “ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ “ (البقرة:217). فقد قررت الآية إمكانية وقوع الارتداد من المؤمنين، ولكنها أغفلت ذكر عقوبة الارتداد في الدنيا، وحين يغفل القرآن ذكر شيء في المحل الذي كان ينبغي فيه أن يذكر، فإن لذلك دلالة من نوع ما، وهذا ما ينبغي أن نعتقده في حق كتاب معجز بليغ جاء بياناً للناس، يتحدث متكلماً وصامتاً. ومما يدل على أن إغفال ذكر عقوبة دنيوية للمرتد كان مقصوداً، ذكر القرآن لعقوبات دنيوية على ذنوب هي أدنى بكثير من ذنب الارتداد، كعقوبة السرقة وعقوبة الزنا، وعقوبة الحرابة. وليس في منطق العقل ما يقبل ذكر العقوبة الأدنى دون الأكبر، إلا أن يكون ذلك لحكمة ما. 2 - وهذا يقودنا إلى دليل آخر على بطلان ما يسمى بحد الردة وهو دليل الاستقراء في النص القرآني. فقد دل الاستقراء في القرآن الكريم على فلسفة إسلامية خاصة في قانون العقوبات، هي أن الجرائم نوعان، جرائم في حق الناس والمجتمع، وهذه لا بد من ردعها بعقوبات عاجلة في الدنيا، ليأمن الناس على حقوقهم وأنفسهم، وجرائم في حق الله، وهذه تؤجل عقوبتها ليوم الحساب. فالسرقة والزنا والحرابة جرائم اجتماعية تهدد حياة الناس ومصالحهم في الدنيا، ولهذا وجب تحديد عقوبات دنيوية عاجلة ورادعة لمقترفيها، أما مسألة الارتداد عن الدين الحق فهي جريمة في حق الله، وقد شاءت حكمة الله أن يترك للمرتد فرصة في الدنيا كافية لمراجعة نفسه وتصحيح خطئه، فربما عاد إلى الإيمان بعد أن يتبين له أنه الحق، وكم رأينا من مرتدين عادوا إلى رشدهم فحسن إيمانهم، منهم على سبيل المثال الدكتور مصطفى محمود الذي نشر كتاباً في الخمسينيات بعنوان “ الله والإنسان “ سجل فيه كل قناعاته الإلحادية في تلك الفترة، ثم عاد الرجل إلى حظيرة الإيمان فقال في الدين وفي تفنيد الإلحاد ما لم يقله أحد، ولو أن المجتمع طبق على هذا الرجل عقوبة الردة بعد كتابه المذكور لقطعوا الطريق أمام عودته إلى الحق، وحرموا الإسلام والمسلمين من جهوده العظيمة في مجال العلم والإيمان. 3 - يضاف إلى ما مضى عدم وجود دليل شرعي قطعي الثبوت والدلالة في المسألة. فإذا سلمنا مع القوم بأن الحديث المنسوب للنبي حجة دينية ومصدر من مصادر التشريع فإننا لن نجد في هذا النص حديثاً متواتراً قطعي الورود في إثبات حد الردة المزعوم. ذلك أن دعوى التواتر نفسها لم تثبت لأي حديث منسوب للنبي (ص)، وهذا قول طائفة من المحققين من الأصوليين وعلماء الحديث منهم على سبيل التمثيل لا الحصر أبو إسحاق الشاطبي صاحب الموافقات، وابن الصلاح صاحب مقدمة علم الحديث. ولا عبرة بادعاء القائلين بوجود تواتر في بعض روايات الحديث النبوي، لأن مفهوم هؤلاء للتواتر مخالف لمفهومه عند كبار المحققين والأصوليين من الفقهاء وأولي الألباب، فالشافعي مثلاً يفهم التواتر على أنه “نقل الكافة عن الكافة” تماماً كنقل الكافة - في كل جيل- للقرآن الكريم والصلوات الخمس، وهذا ما لم يقع لأي حديث منسوب للنبي (ص) باتفاق. أما التواتر الذي يعنيه هؤلاء فهو مجرد تكثير سواد طرق الروايات في المسألة الواحدة، بما تتضمنه محاولة التكثير هذه من تحطيب ليل وتلفيق نهار. وإن أشهر الأحاديث تواتراً عندهم حديث بلغت طرق روايته عن الصحابة حوالي المائة، ولا يخلو الرقم من مبالغة، فأين هذا من تواتر القرآن الذي نقله عدد لا يمكن حصرهم، فلم تذكر أسانيدهم؟!.
وعلى الرغم من أهمية هذه الآية في التسويق للقرآن الكريم بين الأمم والشعوب، بإطلاق شعار الإسلام مع حرية العقيدة، إلا أن أيادي المؤسسة الدينية قد طالت هذه الآية أيضاً فأفسدت علينا وعلى القرآن مهمة عظيمة، وحقاً إنسانياً أصيلاً. فماذا فعلت؟!. لقد زعمت أن هذه الآية قد تعرضت للتخصيص _ وهو نوع من النسخ للحكم يتم به تعطيل حكم جزئي أو كلي من الأحكام التشريعية_ فلم تبق كل أحكامها سارية المفعول، فأخرجوا منها حكم المرتد عن الإسلام، وأجروها فقط على حرية العقيدة قبل دخول الإسلام، فمن شاء أن يدخل الإسلام فأهلا، ومن شاء أن يبقى على كفره فسهلاً، أما من أسلم ثم أراد الارتداد عن إسلامه بعد ذلك فكلا وبلا، ولا بد من قتله! _وبزيادة من عندي_ حتى يكون عبرة لغيره من الكفار فلا يفكر في دخول الإسلام، وعبرة للمرتدين فلا يفكروا في العودة إلى الدين!. والسؤال: ما قيمة هذا الرأي من الناحية العلمية يا ترى؟. هذا ما نحاول الكشف عنه في هذه السطور، من خلال تتبع الطريقة البهلوانية التي اتبعها مشرعو حد الردة في تشريعه، وتفنيدها خطوة خطوة.
دعنا ننطلق من المتفق عليه بين المختلفين، وهو أن هذه الآية تدخل تحت ما يسمى في علم الأصول ب”ألفاظ العموم”، ويقصد بها تلك العبارات اللغوية التي تشمل دلالتها أكثر من حالة مفردة، وقد ذكر الأصوليون ستة أنواع أسلوبية من ألفاظ العموم، منها - وهو ما يخصنا هنا- أسلوب النكرة في سياق النفي. وقد ضرب الأصوليون له أمثالاً كثيرة مثل: لا ضرر ولا ضرار، لا هجرة بعد الفتح، لا جناح عليكم. فألفاظ “ضرر، هجرة، جناح” هي من النكرات التي جاءت في سياق النفي بغرض النهي. وهذا يجعلها من ألفاظ العموم التي تشمل كل مفرداتها، أي تشمل كل أنواع الضرر وكل أنواع الهجرة وكل أنواع الجناح، ما لم يأت دليل مخصص لنوع من هذه الأنواع يخرجه من حكم الآية، وسنعرف لاحقاً صفة هذا المخصص. والآن ما حكم هذا اللفظ من الناحية اللغوية؟. جواب الأصوليين هو: “لم يختلف الأصوليون في أن كل لفظ من ألفاظ العموم موضوع لغة لاستغراق جميع ما يصدق عليه من الأفراد”. وكما ترى فإن قوله تعالى (لا إكراه في الدين) هو من نوع هذه الألفاظ العامة التي تستغرق كل أفرادها، أي أن حكمها يشمل كل أنواع الإكراه في الدين، وهي ثلاثة لا رابع لها: الإكراه على دخول الدين، والإكراه على البقاء فيه، والإكراه على مغادرته. فلماذا أقرت المؤسسة الدينية حالتين من هذه الحالات وأسقطت الثالثة؟. لماذا أقرت بعدم جواز الإكراه على دخول الإسلام، وعدم جواز الإكراه على الخروج منه، ولم تقر عدم جواز الإكراه على البقاء فيه؟. الذي حدث ببساطة أن القوم قد وجدوا هذه الآية ومثيلاتها في القرآن تتعارض مع بعض الروايات المنسوبة إلى النبي (ص) في كتابي البخاري ومسلم وغيرهما من المسانيد الحديثية. وكانوا أمام أحد خيارين: إما أن يردوا الآيات، وهذا مستحيل، وإما أن يردوا الروايات الحديثية، وهذا غير ممكن (لأن الحديث عندهم حجة دينية)، فما كان منهم إلا أن بحثوا عن طريق ثالث يوفق (والصواب يلفق) بين النصوص المتناقضة، وهو طريقهم المفضل في كل القضايا الشبيهة. وجاء توفيقهم (تلفيقهم) على النحو الآتي:
قالوا إن الأحاديث النبوية التي تصرح بقتل المرتد نحو: “من بدل دينه فاقتلوه”، قد خصصت آيات القرآن الكريم الدالة على حرية العقيدة. فأخرجت منها حرية الارتداد عن الإسلام. والتخصيص كما أسلفت هو نوع من النسخ والتعطيل للحكم القرآني، الذي لن يمر دون صعوبات وعوائق. وكانت أول الصعوبات التي تعترض القائلين بالتخصيص هي إجماع الأصوليين على أنه “لا يخصص عام إلا بدليل يساويه أو يرجحه في القطعية أو الظنية”. والمتفق عليه بين المحققين منهم والشائع بين جمهورهم أن الحديث النبوي لا يساوي القرآن الكريم –على الأقل– في قطعية الورود، فما بالك إذا عرفت أنه غير قطعي الدلالة أيضاً باعتبار أنه روي عن النبي بالمعنى لا باللفظ، وأن معظم رواته كانوا من غير العرب. وأعظم من ذلك أن حجيته نفسها غير قطعية كما يثبت المثبتون. وهذا يعني أن الريب والشك يحيط بالحديث من كل اتجاه بينما يبقى القرآن بعيداً عن كل الشبهات. فماذا فعل القائلون بحد الردة أمام هذا الإشكال يا ترى؟.
تعالوا معي في نزهة نتعرف فيها على واحدة من حيل الفقهاء الذكية وتدابيرهم الخفية في التلفيق الفقهي. لقد تفتقت عقولهم عن حيلة ذكية، فاستخرجوا نتيجة باطلة من مقدمتين إحداهما فاسدة: المقدمة الأولى تقول: إن الظني يخصص الظني، كما يخصص القطعي القطعي. والمقدمة الأخرى تقول: “إن استقراء النصوص الشرعية التي وردت فيها ألفاظ العموم دل على أنه ما من عام إلا وخصص، وعلى أن العام الذي بقي على عمومه نادر جداً، وما استفيد بقاؤه على عمومه إلا من قرينة صاحبته “. وهو قول الشافعية وبعض المتكلمين كما يحكي الأصوليون. والنتيجة الباطلة التي ترتبت على هاتين المقدمتين هي: بما أن الآية السابقة ظنية الدلالة على أفرادها، والأحاديث المذكورة قطعية الدلالة على حكم الردة، فقد جاز أن يخصص الحديث الآية، أي فقد جاز أن يعطل الحديث بعض أحكام الآية. وهذا الجهد ينطوي على خدعتين اثنتين: الأولى: إسقاطهم لشرط القطعية في جانب الثبوت، والاكتفاء بهذا الشرط في جانب الدلالة وحدها. وذلك تحاشياً لورطة سيقعون فيها يقيناً وهي إجماع المسلمين والكافرين على أن الحديث المنسوب للنبي لا يساوي القرآن الكريم من حيث قطعية الثبوت. ومن ثم فقد سقط شرط التخصيص الأول، ولا جدوى من إعمال شرط الدلالة بعد ذلك، لأن سندها الأساس قد انهار ابتداءً. والأخرى: قولهم إن استقراء النصوص الشرعية التي وردت فيها ألفاظ العموم دل على أنه ما من عام إلا وخصص..إلخ؟. ومكمن الخدعة هنا أن الأصل في الاستدلال على القضايا اللغوية أن يكون من مجال اللغة نفسها لا من مجال النصوص الشرعية، أي إنه كان ينبغي أن يقال إن استقراء النصوص اللغوية (لا النصوص الشرعية) التي وردت فيها ألفاظ العموم دل على أنه ما من عام إلا وخصص. لكنهم لم يقولوا ذلك، أتعلم لماذا؟ لأن الاستقراء في النصوص اللغوية لن يسعفهم في الوصول إلى النتيجة التي يريدونها، وهو ما فطن إليه الأحناف وبعض المتكلمين، حين ردوا على هذا الرأي بقولهم: إن “ اللفظ العام موضوع حقيقة لاستغراق جميع ما يصدق عليه معناه من الأفراد...وأن الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين قد استدلوا بعموم الألفاظ العامة التي وردت في النصوص مطلقة عن التخصيص “. لكن الحنفية لم يكملوا جميلهم بكشف حيلة مخالفيهم في طريقة الاستدلال.
والآن من حقك أن تتساءل: أليست النصوص الشرعية جزءاً من النصوص اللغوية؟ ولماذا تسمي ما حدث خدعة بدلاً من أن تسميه خطأً، إذا صح أنه خطأ أصلاً؟!. والجواب: نعم، النصوص الشرعية جزء من النصوص اللغوية، لكنها وحدها لا تصلح لأن تكون مجالاً للاستقراء اللغوي الذي يقعد القواعد، لثلاثة أسباب: الأول: أنها باعترافك جزء من النصوص لا كل النصوص اللغوية، والاستقراء القواعدي لا يصح إلا في كل أو معظم نصوص اللغة بإجماع أهل اللغة، وإلا فإنه يسمى استقراءً ناقصاً، والاستقراء الناقص ليس بحجة عند أحد. والثاني: أن جزءاً كبيراً مما يسمى بالنص الشرعي، وهو الحديث المنسوب للنبي (ص) لا يصح دخوله ابتداء في هذا الاستقراء، لأن علماء اللغة في القرون الستة الأولى قد أجمعوا على استبعاد الحديث من دائرة الاستشهاد اللغوي، لأنه كما يعرف الجميع لم ينقل عن النبي وصحابته بألفاظه كما نطقوا بها، وإنما بمعانيها التي فهمها الرواة، ومعظم هؤلاء الرواة من أصول أعجمية، ولا يؤمن أن يكونوا قد سهوا أو أسقطوا أو غيروا بعض العبارات والألفاظ بحسب فهمهم القاصر للسان العرب. والثالث: أن استقراوهم للقرآن الكريم لم يكن استقراءً لغوياً بل إجراءً تلفيقياً حاولوا فيه التوفيق بين النص القرآني بعموماته غير المخصصة، وبين روايات حديثية كثيرة تتعارض معه. وهذا يعني أنهم لم يطبقوا الاستقراء اللغوي على أي نص ديني أو دنيوي، وهذا احتيال ما بعده احتيال. فهل نسمي ذلك مجرد خطأ؟!. والنتيجة المترتبة على ما مضى هي أن دلالة قوله تعالى “لا إكراه في الدين” ما زالت على حالها تستغرق كل أنواع الإكراه التي ذكرناها سلفاً، ومنها الإكراه على البقاء في الإسلام، ولا مجال للقول بتخصيصها مطلقاً.
وأضيف إلى ما مضى من البراهين على بطلان دعوى حد الردة قرينة جديدة هي من لطائف البلاغة القرآنية التي لا يفطن إليها – غالباً- أبطال الحشو المعرفي من أنصار الاستبداد الديني وأعداء حرية الإنسان، وهي أن الآية قد جاءت بصيغة الإخبار مع أنها من جنس الإنشاء، فهي نهي في صيغة خبر، ولم يكن هذا صدفة قرآنية، فليس في القرآن محل للصدف وإنما كل شيء عنده بمقدار، فما دلالة ذلك؟. من المعلوم لدى علماء العربية أن اختلاف المبنى اللغوي يقتضى اختلاف المعنى بالتبعية، وهذا يعني أن مجيء النهي بصيغة غير صيغة النهي الأصلية (لا تكرهوا)، له دلالة إضافية، نعرفها بالنظر في دلالة الصيغة البديلة ( وهي هنا الصيغة الإخبارية) فما دلالة الصيغة البديلة؟. يقول علماء العربية إن الجملة الاسمية تدل بصيغتها على الثبوت، وأن الجملة الفعلية تدل بصيغتها على الحدوث والتغير، وجملة “لا إكراه في الدين” جملة اسمية، استخدمت المصدر “إكراه” وليس أي بديل آخر، مما يعني أنها أرادت منح الحكم دلالة الثبات والدوام على مر الأحوال والدهور، فالإكراه بأنواعه المختلفة ثابت باق لا ينسخه ناسخ، ولا يعطله معطل. وقد أسلفت أن التخصيص نوع من أنواع النسخ، كما يعرف أهل الاختصاص.
والحقيقة التي لا طاقة لهم بردها هي أن القول بالتخصيص مجرد اجتهاد فقهي صدر عن المؤسسة الدينية، ولم يسمع من أي مصدر آخر كالوحي أو اجتهاد النبي باعترافهم جميعاً. وهذه العملية الاجتهادية التي يقومون فيها بتخصيص النصوص ونسخها لا تختلف عن العمليات الانتحارية إلا في أن هذه تزهق النفوس وتلك تزهق النصوص. وأبسط دليل يكشف عورتها هو أن القائلين بالتخصيص لا يعرفون يقيناً الترتيب الزمني لورود النصوص المخصصة (بالفتح) والنصوص المخصصة (بالكسر). مع أن أهم شروط النسخ المتفق عليها بين فقهاء النسخ جميعاً أن يكون النص الناسخ متأخراً في النزول عن النص المنسوخ. حتى يصح القول بأن المتأخر نسخ المتقدم. بل قد ثبت عند بعض المحققين الكبار من علماء المدرسة التقليدية أن آية لا إكراه في الدين “ ناسخة لا منسوخة لأنها نزلت بعد الفتح، وإليك هذه الفقرة من كلام ابن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنوير من تعليقه على الآية:
“ ونفي الإكراه خبر في معنى النهي ، والمراد نفي أسباب الإكراه في حُكم الإسلام ، أي لا تكرهوا أحداً على اتباع الإسلام قسراً ، وجيء بنفي الجنس لقصد العموم نصاً . وهي دليل واضح على إبطال الإكراه على الدِّين بسائر أنواعه ، لأنّ أمر الإيمان يجري على الاستدلال ، والتمكين من النظر وبالاختيار ... ولا جائز أن تكون هذه الآية قد نزلت قبل ابتداء القتال كله، فالظاهر أنّ هذه الآية نزلت بعد فتح مكة واستخلاص بلاد العرب... وعلى هذا تكون الآية ناسخة لما تقدّم من آيات القتال...” أه. ثم ذهب ابن عاشور يناقش قول القائلين بنسخها على طريقتهم في التفنيد.
تلك حجتنا على أنصار الاستبداد الفكري والعقدي، وعلى من يتسقطون مقولاتهم من الكارهين للإسلام، في أن دين الإسلام أعظم وأكرم من أن يرغم الناس بالسيف على البقاء فيه، وماذا يكسب من وراء ذلك سوى تكثير سواد المنافقين وتعزيز شوكتهم في المجتمع حتى تكون لهم الغلبة والنفوذ!. فهل يستطيعون رد هذه الحجج بهذه الطريقة العلمية؟. أم إنهم سيلجأون إلى ألعاب الحواة كعادتهم؟!. هل تعرف عزيزي القارئ ما ألعاب الحواة؟. إذن دعني أطلعك على لعبة من ألعابهم، فإن من تعلم لغة قوم أمن مكرهم..يقوم الحاوي بتحويل شبه الدليل الوحيد الذي يملكه إلى خمسمائة دليل بطريقة بهلوانية بسيطة لا تكلفه أي جهد عقلي، فهو يقول لك دليلي كذا، ثم يسرد عليك خمسمائة اسم لخمس مائة شخصية تاريخية قالت بهذا الدليل، وبهذا يكون لديك خمسمائة دليل، قبل أن يرتد إليك عقلك!.. لعلك لم تفهم قصدي بعد..إذن خذ هذا المثل: ربة بيت ذكية لم تجد في بيتها من الطعام إلا البيض، وقد طلب منها زوجها أن تعد وليمة كافية للضيوف، فما كان منها إلا أن جهزت من البيض أشكالاً عديدة، فهي عند النظرة الأولى أطباق متنوعة، ولكنها عند النظرة الأخيرة مجرد بيض طبخ بأشكال مختلفة، فمرة شكشوكة، ومرة قلابة، ومرة سادة، ومرة بالحليب، وهكذا.. لعلك لم تفهم ما أعنيه بعد؟..إذن فانظر إلى ما يكتبه الأخ علي القاضي على صفحات أفكار منذ أسابيع!..
[email protected]
هوامش:
العبارات المقتبسة بين الأقواس الصغيرة جميعها من كتاب “ علم أصول الفقه “ لعبد الوهاب خلاف، عدا عبارة ابن عاشور.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.