ليس هناك ما هو أسوأ من الإحساس بالخسارة الحقيقية، إنها ألم أشد من كثير من الآلام، هناك أشياء يمكن تعويضها أو على الأقل لا تشعرك بمرارة فقدانها ولا أنت تحس بذلك. وأحسب أن الخسائر المادية كلها تندرج ضمن هذا النوع من الخسائر مهما تكن فداحتها؛ إلا القليل القليل منها، لكن ثمة خسائر أشد إيلاماً ولا تعوّض بأي حال من الأحوال وإن بدت في ظاهرها للبعض أنها بسيطة وهينة. خسارتنا للإعلامي الكبير يحيى علاو هي واحدة من الخسائر التي يصعب التعبير عن فداحتها ،وتصعب أشياء كثيرة على إثر ذلك.. يصعب عليك أن تتخيل الزمان والأماكن التي ترك الراحل بصماته وتقاسيمه عليها بوضوح لا يخالطه غموض، فصار طقساً من طقوسها ولونها ونكهتها وبريقها. خسارة أكبر وأعظم من مجرد خسارة فرد رحل، والراحلون كثيرون من حولنا، في كل يوم ثمة أناسٍ لا يمكن أن تعد الواحد منهم بواحد فقط و(علاو) منهم بكل تأكيد، وثمة أناسٍ الكثيرون منهم لا يساوون واحداً، وشتّان بين النوعين من الناس وشتّان بين خسارتيهما. شتان بين واحد خسره الجميع فبكوا عليه وانتحبوا وأحسّوا بمرارة الفراق والخسارة، وهم على حق بما فعلوا، وبين الكثيرين الذين لا أحد يحس بأنهم رحلوا.. هي قيم الإنسان وأخلاقه ومبادئه التي تحدد حجم المصاب برحيله، وقلّ أن تجد راحلاً يُجمع الناس بأحزانهم عليه مثلما أجمعوا على (يحيى علاو) خسارة لا تحتكم لقوانين الخسائر المعروفة والمألوفة، خسارة تدرك حجمها في دموع الباكين وفي صمت الحزانى المُطرقين وفي وجوم الواجمين الذين لم يصدقوا ما حدث ويتساءلون مع أنفسهم ومع من حولهم: كيف سيأتي الزمان، وكيف ستكون الأماكن التي ارتبطت ب(يحيى علاو) وبصوته وارتبط بها، وارتبط الناس بهم أشد ارتباطاً؟!. إن خسارة الناس للناس بالموت مهما تكن فداحتها فإنها قدر، ولا مفر من قدر ولا اعتراض عليه، لكن ماذا نقول عن الخسائر التي يتسبب فيها الإنسان ويصنعها بقصد أو بغير قصد فيتكبدها هو أو غيره أو يتكبدها الجميع من غير ذنب؟!. ذات يوم ليس ببعيد سألت أحد الصوماليين عن الصومال، وحال الصومال يعلمه الجميع، وكان ذلك الرجل ليس عادياً كما بدا وكما اتضح لاحقاً.. سألته فكان جوابه الصمت إلى أن يئست من إمكانية سماع الإجابة، لكنه لم يكن صامتاً؛ بل كان يسترجع أنفاسه التي تقطعت على ذكر الحال، ثم أجاب: كان لدينا مدن وشوارع وعمارات ومزارع ومطارات، كانت لدينا مدارس وجامعات وكان، وكان، وعدّد أشياءً كانت حاضرة ثم إنها صارت أطلالاً وآثاراً وأكوام خراب ودمار، وفي النهاية قال: لقد خسرنا كل ذلك، لقد خسرنا وطناً اسمه "الصومال" بعد كل خسارة تتعالى كلمات الندم والحسرة ولكن لا الندم يعيد شيئاً، ولا الحسرة تعوّض خسارة ولا كل خسارة يمكن أن تعوّض. كثيرة هي الخسائر التي تحدث، وكلها يعقبها ندم، وكلها صناعة إنسانية بامتياز، وكلما قطع الناس على أنفسهم عهداً بتفادي الخسائر؛ مرة ثانية ينسون ذلك، وثمة من يتناسى منهم ويعود إلى مزاولة صناعته من جديد، وعلى ذلك الحال تمضي الأيام من ندم إلى ندم. حري بنا ألا ندخل أسواق الخسائر التي هي من صنع أنفسنا، ويكفي ما يلحق بنا منها دون اختيار ودون علم بها.. لنتفاد الخسائر؛ فذلك أفضل وأهون من أن نعضّ أصابع الندم وقد أثخنّا أصابعنا جراحاً وآلاماً بما يكفي وزيادة.