هل من بديل للوطن؟! لا يمكن أن يبُاع الوطن كما تباع أعضاءُ البشر.. ولا يمكن أن يُشترى كما تشترى ذمم الناس.. ولا يمكن تجميدهُ ليبقى صالحاً مدةً أطول.. ومن المستحيل تسخينه إذا اشتهينا تذوق الوطنية داخل قلوبنا.. هذه هي المشكلة أننا نتعامل مع هذا الوطن وكأنهُ كعكة لذيذة.. شيء يمكن أن يُستعار.. مادة يمكن تشكيلها.. نهرٌ يمكن أن نغترف منه غرفة. هو ليس ثمرة تحكمها المواسم ..ليس سحاباً يلد المطر ويبيض البَردَ.. إنهُ كيانٌ يعُشُ فينا.. يعطينا وزناً.. ومعنى.. صفةً وحالاً.. إنهُ الشيء الذي لا يمكن أن تغيره مهما غيرت من أشيائك ..إنهُ بقعة الروح المضيئة..مساحة الفكر النظيفة لأن حب الوطن لا تشوبه مصلحة..ليس كحب الرجال للنساء..أو النساء للرجال ليس كحب الله ورسوله.. لن حبهما يقتضي الولاء والإيمان والإحسان دون أن تراهما ..غير أن الوطن حياة تعيشها كل يوم ..تصحو لتحتسيه مع قهوة الصباح فتأخذك الحمية.. وتسمع من يتحدى بتدميره فتتحرك فيك نزعة الميري.. ما أجمل أن تكون جندياً تحب الوطن.. هذا الذي يسكن أرواحنا وتبذرهُ بنانُ أصابعنا على الورق.. وتحفهُ أهدابُ أعيننا حتى ننام ونصحو وهو معلقٌ على الأحداق يأبى أن ينام.. هذا الذي أعطانا طعم الطفولة.. وألبسنا غرور الشباب.. ومسح على رؤوسنا كهولاً.. كيف لا نهواه وهو قريب.. كيف لا نهواه وهو يوقظ الليل على شمعة الإيثار ليبدأ الصبحُ قبل الأوان.. كيف لا نعشقهُ كفاتنة مرت على ملأ!! ماذا أصفُ في حسنه اليوم.. شموع صنعاء بين التضاريس العتيقة.. عنفوان تعز دون أبواب مواسى والكبير.. دلال الحديدة على ساحل الذكريات!! مشموم خور مكسر والمعلا وتواهي عدن.. صمت السواحل النائمة في حضن المكلا.. لا..لا..لا استطيع وصف هذا الجميل ببعض ما قل.. ودل.. من يستطيع أن ينسى الوطن.. حتى أولئك الذين يحاولون انتزاعهُ غدراً أحبوا امتلاكهُ لكن بقوة القهر والبطش لا بقوة الحب والعطاء.. نعم أنا أحبهُ كما هو بلون الرمل وسمار الليل.. بطعم العتاقة وجمال حبوب الأرض الأبية أحبهُ بنكهة أسواقه القديمة الرائعة... بشوارعه الممزقة البعيدة عن النظام بعشوائية التي أشفقُ أن تدوم.. ولكن لأني أحبهُ سأحلم طويلاً أن يكون أجمل.. وأرقى.. أقوى.. وأكثر قرباً إليَّ.. نعم الوطن هويةُ الذين يرحلون بعيداً يبحثون عن هوية.. ما قيمةُ الرحيل إذاً إن عدت بلا وطن..؟! ما الجدوى من الهرب إن لم يكن هذا الوطن مطيةّ وكان الولاء ُ سرجاً ..؟! أيها السادة لم اقرأ في حياتي كلمة أجمل من كلمة أم ولم استشعر الوقار في كلمة أقوى من كلمة أب.. ولم أتذوق طعم الكلام حتى سال لعاب أفكاري إلا في كلمة وطن.. هل لها (طنينٌ) يوقظ طبلة الأذان؟! أم أن حُب الوطن يعدلُ أطناناً ؟!! لا أدري ..هل تدرون أنتم ؟! إذاً فما الذي يحدث اليوم؟! ما الذي أصاب أسنان الرماح فأصبحت تغتال أصحابها لتسكن صدورهم؟! ما هذا الغدر الذي لم تعرفهُ اليمنُ من قبل؟ وهل أصبح الرحيلُ وشيكاً عن أرض أعطت لأسمائنا معنىً ومنحت صفاتها هوية..ما الذي يمكن أن يجنيه العنف وتقديم الأبرياء قرابين لمصالح وضعية لا تتعدى شراكِ النعالِ إن عَلَتْ أو سفُلت؟ الدماء لا تروي الرمال..لا تُزيل غبار الحقيقة عن وجه المجتمع الحزين، غير أنها يمكن أن تحرق الأرض وتحطم أسوار الأمن والآمان وتدك حصون الخير والجمال. العنف ليس نهاية الحال بل هو أول المحال ومن اليوم فصاعداً ستكون رسائل السياسة العمياء لهؤلاء مخضبةٌ بالدماء والذُعر والخوف لأنهم جعلوها منهجاً يقدمهم للناس على أنهم دعاة عدالة بينما لم يرشحهم أحدٌ من الناس ليكونوا وكلاء ذرية آدم على وجه الأرض!..هذه (القاعدة) التي لم تظهر لها قمة حتى الآن ولم يتضح لها أساس من الصحة والخطأ في اعتقادي أن انشغال العالم بها وتضخيم إنجازاتها الدموية وإفراد ميزانية خاصة وأساطيل نوعية للبحث عن أفرادها كمن يبحثُ عن نملةٍ في صحراء هذا كلهُ شجع ظهورها في مخابئ مختلفة على سطح الأرض وجعل منها إخطبوطاً عملاقاً ينفث السم عبر الضعفاء ويجمع حاشيتهُ منهم فتراهم في اجتماعاتهم المفتوحة عادةً كالضباع حول بقايا فرائس الأسود لا تلبثُ أن تتلاشى.لا أدري كيف يرخُص الناسُ والأوطان عند البعض وحتى إن جار الناس وعزّ الصحب وافترق الخلان لا يبقى للإنسان إلا الوطن فكيف يراهُ هؤلاء ؟! لا شك أن لهم أعينٌ لا يبصرون بها ماداموا يبيعون النور ليشتروا الظلام! إنها سلسلة طويلة من المجازفات المحرمة التي يبدأ أصحابها ببيع مبادئهم ومعتقداتهم ثم تتوالى تجارتهم الخاسرة لتأتي على أرواح الناس ومن ثم إسقاط حق الوطن في قلوبهم وتحويل قضايانا إلى مشاريع عالمية للتدخل الخارجي ومتى أصبح الاستثمار من وطنية البشر فعلى الدنيا السلام...