في الخبر الذي نشرته جريدة الاقتصادية يوم 19 أغسطس أن أكثر المبيعات في الانترنت كانت رواية “وليمة أعشاب البحر “ موعظة أن عصر مراقبة الأفكار انتهى وليس هناك من قوة تضبط تسرب الأفكار وانتشار الكتب، وهذا الكلام لا يعني أنني موافق على ما جاء في الكتاب فهذا له حديث آخر ولكني أريد لفت النظر أن كل عصر له خصوصيته وعصرنا هذا يمتاز أنه عصر انفتاح الثقافات وانتشار الأفكار صالحة أم طالحة وأن الأفكار تحارب بالأفكار، فالمحطات تنشر أفلاماً فاضحة، والمناقشات لا تعفو عن أي شخصية فتتناولها بالتشريح، ومع هذا فمازال في العالم بعض المناطق مازالت تنتسب إلى العصر القديم، فقد روت لي سيدة من بلد عربي أن بريدها تمت مراقبته والمكاتيب فتحت وتمت مساءلة زوجها عن هذا النشاط الذي لا يضم أكثر من مقالات منشورة في جرائد ومجلات موجودة في الأسواق. ضحكتُ وقلت لها ماذا سيفعلون مع أشباح الكلامات التي تطير بومض الكتروني على ظهر ثبج البحر الالكتروني عبر أو قاينوس الانترنت تكاد لا تضبط آثارها. إن علم تاريخ الأرض يروي لنا أن الديناصورات عاشت لفترة ملايين السنين تحكم الأرض بأطنانها الثقيلة وأدمغتها القاصرة ثم اختفت بالكامل قبل 65 مليون سنة ومازال سر اختفائها يتجادل فيه العلماء ولكن الأكيد أنها أخلت مكانها لكائنات أصغر حجماً وأكثر مرونة وهي الثدييات ونحن من هذه الفصيلة، وعلى ما يبدو فإن الإنسان لم يعمر الأرض إلا منذ فترة قريبة جداً لا تزيد عن خمسة ملايين من السنين حسبما أظهرت آخر الأبحاث الانثروبولوجية، ومنه نفهم أن عمر الإنسان على الأرض هو حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا. ومنه نعلم أيضاً أن الديناصورات لم تعاصر الإنسان كما تظهر خطأ بعض الأفلام، وما أريد قوله أن عصر الديناصورات انتهى وحفظته الأرض بين طبقاتها فهي تحدث أخبارها للعلماء بما حوت، وكذلك العصور التاريخية فقد عمدت الكنيسة إلى مصادرة الآراء والأفكار وتجريم أصحابها وإحراق بعضهم تخويفاً وترويعاً ولكن ما حصل أن عصر الأنوار أشرقت على أوروبا تحت مشاعل لهب حريق الفكر وأهله. إن القرآن يعلمنا قاعدة ذهبية أن الزبد يذهب جفاء وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال , وفي زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مسيلمة الكذاب وابن الصياد اليهودي يعيشان ويعاصرانه ولكنه لم يقتلهما ولم يأمر بذلك لقناعته العميقة صلى الله عليه وسلم بهذه القاعدة القرآنية وعندما كان عمر رضي الله عنه يقول : مرني أضرب عنقه كان يقول صلى الله عليه وسلم : يا عمر إن كان كما يقول فلن تسلط عليه وإن يكن غير ذلك فلا حاجة لك بقتله. ولم تعلن الدولة الإسلامية الحرب على مسيلمة إلا عندما قام بالعصيان المسلح كما جاء في قولة أبي بكر الصديق : لو منعوني عقال بعير كان يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه. ما أريد أن أقوله : إننا يجب أن لا نخاف على الفكر الحق فهو مثل معدن الذهب الذي يصرف في أسواق العالم أجمعين. وأما الآخر المغشوش فلتعلمن نبأه بعد حين.