الاعلان عن تأسيس "بنك معلومات" تابع لهيئة استكشاف وانتاج النفط بعدن    القوات الأوكرانية تنسحب من منطقة استراتيجية.. وموسكو تبشر بسقوطها قريباً    قراران مهمّان "يهزان" أمريكا لم يحدث مثلهما منذ عقود    ديمبيلي يتجه للبقاء مع برشلونة الاسباني    الأهلي يستعيد خدمات الرباعي المصاب قبل مواجهة بيراميدز    زياش قد يرحل عن صفوف فريق تشيلسي الموسم الجاري    الباحث اليمني عبدالله بخاش يحصد الدكتورة ب امتياز من جامعة منوبة التونسية    عزل رئيس دولة عربية في منزله بعد إصابته بكورونا    بدءاً من الغد.لمدة يومين إقامة عرس جماعي في بني بكر يافع    لا تزايدوا علينا    بدءاً من الغد.لمدة يومين إقامة عرس جماعي في بني بكر يافع    صنعاء .. "يمنات" ينفرد بنشر نص مشروع قانون لمنع المعاملات الربوية قدمته الحكومة لمجلس النواب    تونس تحبط مخطط يستهدف رئيس البلاد    لحج..الفرق الفنية تواصل أعمال ازاحة الرمال من جسر الحسيني    تكرّيم 600 طالب من طلاب المراكز الصيفية بتعز    شاهد ..وفاة أحد أبرز الشخصيات الإعلامية في اليمن (الاسم والصورة)    الكويت تؤكد التزامها بمواصلة تقديم الدعم الانساني في ضل تدهور الأوضاع في بلادنا    أمير قطر يصل الى مطار القاهرة    ست قطع أثرية يمنية في مزاد عالمي بلندن    إعلان رسمي عن تشغيل مطار عتق الدولي ابتدأ من هذا الموعد    عضو المجلس الرئاسي: اليمن تواجه تنظيمات ارهابية وتفتقر لوجود شريك حقيقي للسلام مميز    قوى العدوان ومرتزقتها يرتكبون 175 خرقاً للهدنة الإنسانية والعسكرية    السفارة اليمنية في موسكو تعلن عن بدء صرف مستحقات المبتعثين للدراسة في روسيا    تحذيرات حكومية من الآثار الاقتصادية الكارثية لإنشاء بورصة في صنعاء مميز    الحكومة اليمنية تبحث مع الأمم المتحدة أوضاع النازحين في اليمن مميز    دعم سعودي ب 2.5 مليون دولار لتقديم خدمات الصحة الإنجابية لنحو 350 ألفاً من النساء والفتيات    نيمار معروض على برشلونة بهذا المبلغ!    كلوب يوجه رسالة وداع مؤثرة إلى ماني    الخروج الحزين.. !    طريق أحمد يا جنّاه !    قوات الجيش تستعد لأول عملية عسكرية ضد الحوثيين في محافظتين    تعرف على أسباب بقاء "العليمي" وأعضاء "الرئاسي" في الرياض وتأجيل العودة إلى عدن    بعد أن كانت ب 10 ريال .. سعر خيالي للبيض في عدن    الإعلامية اليمنية أروى تنشر أول صورة لأبوها وزوجها إحتفالًا بعيد الأب... شاهد كم تشبه والدها!    مكافحة الفساد.. لملس يشتبك مع العدو الصامت    شرطة يريم تكشف التفاصيل الكاملة لجريمة اختطاف فتاة آثرت الموت على الاختطاف    الجنبية في البيضاء وابين وشبوة    قوات تابعة للمجلس الانتقالي تختطف ضابطاً في الجيش الوطني    اندلاع احتجاجات غاضبة في ثاني محافظة يمنية    55 لاعبا في قوائم منتخبات كأس العالم 2022    تحطم طائرة نقل عسكرية روسية    وداعاً لفقر الدم والتعب والإرهاق .. 6 أطعمة غنية بفيتامين (B12) تنهي معاناتك ! .. تعرف عليها    الجمهوريه اليمنيه تعقد لقائين هامين مع تركيا وروسيا بشأن التطورات (تفاصيل)    جريمة تهز إب.. انفجار يخلف 14 قتيلا وجريحا    تحذير هام وخطير .. ظهور هذه العلامات في هاتفك دليل على أنه يتم التجسس عليك من الكاميرا والميكروفون وانت لا تعلم.. إليك الطريقة الوحيدة لإيقافها ( تعرف عليها الان ماهي )    الأمم المتحدة: نظام التعليم في اليمن على وشك الانهيار والحرب دمرت 3 آلاف مدرسة    شركة New event Developments تقدم مشروعها الجديد كخيار للباحثين عن أفضل استثمار مضمون بأهم مناطق العاصمة الإدارية الجديدة بمصر    شقيقة "الحيدري" تتعرض لمضايقات بعد أيام من اغتيال أخيها    أوراق هذه الشجرة معجزة ربانية .. تساعد في علاج مشاكل الهضم وتخفض مستويات السكر في الدم وتستخدم لعلاج نقص الحديد والكالسيوم (تعرف عليها)    وزارة الإرشاد وهيئة النقل البري تدينان تعنت المرتزقة في فتح الطرق للمسافرين والحجاج    في تطورات مفاجىة ونوعية ..علماء يكشفون عن وجه هرقل المفقود لأول مرة منذ 2000 عام    الوادعي والنعمي يتفقدان العمل بشركات ومكاتب النقل بالعاصمة صنعاء    مصادر تكشف عن نهب مليشيا الحوثي قطعاً أثرية من متاحف صنعاء وتحذيرات من تهريبها للخارج    بعد 60 عاماً من الفرنسية.. لغة جديدة تنضم إلى مدارس الجزائر    رئيس هيئة النقل البري يتفقد تسيير اولى رحلات الحج برًا    شبيبة يستقبل أول فوج من حجاج بلادنا للأراضي المقدسة    كفى من تخريب شبام!!    أنشطة نسوية في عدد من المراكز الصيفية بمحافظة صنعاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بين الصوت.. وكاتم الصوت.. إما «حواراً» يخلق وطناً.. أو «بندقية» تصنع مقبرة ..
نشر في الجمهورية يوم 31 - 12 - 2012

بين الصوت وكاتم الصوت، بين الكلمة والبندقية، بين الحوار والحرب.. تتشكل الأوضاع السياسية، وتتبلور الخيارات والتوجهات المستقبلية، الصوت: حرية وحوار ، سلام ومدنية، رؤية وتفكير وتحضر .. وعلى النقيض تماماً من كل هذه الصفات النبيلة يأتي “كاتم الصوت” المشئوم، هذا المجرّد أعورٍ دجالٍ .. ينظر بعين واحدة، في اتجاه واحد، ولا يرى في هذا الاتجاه غير مصالحه النزقة، ولأن هذه البندقية “صمّاء”، لا تسمع.. تربكها الشفاه التي تبدو مريبة أو زوائد دودية لا جدوى منها، وبطبيعتها فالبندقية لا تفكر ولا تحاور، البندقية تقرر فقط، تتربص بالأحلام، وتملي شروطها ونزواتها على جميع الأطراف، بالقهر والغلبة..!!
«لماذا يسيل لعاب البنادق حين تطير الحمام..!!».
تبهرني هذه الومضة الشعرية المدهشة للشاعر الكبير “عبد الحكيم الفقيه”، فهي بجانب قيمتها الفنية العالية، تختزن بكثافة عالية مضمونها الفكري العميق، كما تختزل ببراعة تجارب مفصلية في تاريخ وطنٍ كان أحياناً يحلم أو يتأهب لنقلات حضارية جبارة، فيما كانت البندقية دائماً على أهبة الاستعداد، لاغتيال حلمه الجميل، في كل مرة كان فيها هذا الحلم على وشك التحقق..! حلم خصب يتخلق ذات نكسة فادحة ، وعلى إثر الوحدة اليمنية، كان حلم جنين يتخلق بملامح الحرية والمدنية، في طريقه إلى التحقق عبر مخاض يمكن تجاوز آلامه، يومها كان الصوت أعلى من البندقية، ليتسلل “كاتم الصوت” هذا من نافذة “سيارة هيلوكس” ويغتال، خلسة وبضربات سريعة غادرة، الظروف الملائمة لترعرع ذلك الحلم الذي وئد في المهد، ويعيد الأمور إلى نصابها، في هذا البلد المصاب بلعنة العنف الأزلي، حيث لا صوت فيه يعلو على صوت “كاتم الصوت”، فكانت تلك الاغتيالات الشهيرة من أبرز العوامل التي قوّضت الوحدة الوطنية، وأدت إلى الحرب الخاسرة، بما ترتب عنها من تداعيات كارثية ما زالت تمثل أخطر الأزمات التي تشهدها الحالة السياسية الراهنة..
واليوم، وعلى إثر الثورة، كان يتخلق وطن أجمل، على وهج صوت شبابي مدني سلمي.. بدا لوهلة أنه أعلى وأقوى من كل بنادق النظام وجنابي القبيلة، وأسلحة الميليشيات وأحزمة المجاهدين.. كانت معركة أسطورية بين حداثة التطبع، وعراقة الطبع، بين صوت الحلم وعنف الواقع.. وأياً كان الأمر ، فقد وصلنا بفعل عوامل كثيرة إلى خيار التطبيع والحوار، كمشروع لوطن مقترح تحكمه الأصوات، لا رائحة البارود.. فعاد “كاتم الصوت” على دراجة نارية هذه المرة، ليفرض منطقه على منطق الحوار، وينسف الضمانات الضرورية لحوار حقيقي متكافئ بين جميع الأطراف المتناحرة، للوصول إلى وطن يتسع للجميع .
لم تكن الأوضاع قبل حرب صيف 94م، أكثر تعقيداً أو خطورة من الأوضاع الراهنة، على مختلف الجوانب والمستويات، يومها كانت اللعبة معادلة ثنائية بسيطة بين نظامين شموليين.. ألجأتهما الضرورة إلى التعايش، فقررا فجأة تنحية البنادق وترك صوت الحرية يعلو ، على الأقل لفترة من الوقت، ففي ظل الحرية لا يمكن لطرف ازدراد الآخر، وما حدث أن الطبع غلب التطبع، فبدأ كاتم الصوت يوجه مسار الأحداث التي انتهت بازدراد أحد الطرفين للآخر على أنقاض صوت الحرية والمدنية.. حينها، أنتج صوت الحوار “وثيقة العهد والاتفاق” في مقابل أن “كاتم الصوت” فرض حرب صيف (94م)، بكل انعكاساتها وتبعاتها الباهظة.
وما يحدث الآن، أن المعادلة صارت أكثر تعقيداً ، وتعددت الأطراف المعلومة والمجهولة المتناحرة التي لم تستطع ازدراد بعضها، فألجأتها الضرورة إلى الحوار، لرسم ملامح مستقبل لا يمكن قبوله دون إتاحة المجال للجميع بالمشاركة في رسم هذه الملامح، فعاد كاتم الصوت ليوجه مسار اللعبة، وينسف حسن النوايا وتكافؤ التنازلات والمكاسب.. وبقية الشروط الضرورية لنجاح أي حوار حقيقي، ويبرهن للجميع، أن الجميع ذوو نوايا سيئة وشريرون ويتربصون بالجميع..
أما ما سيحدث، فلا مفر من خيارين، إما الصوت، وإما كاتم الصوت، إما حرية تخلق وطناً، أو بندقية تصنع مقبرة .. الخياران بنفس القوة والاحتمالية، وقد يقول متشائم: إن خيار البندقية أقرب، فكل الأنامل قادرة على ضغط الزناد .. لكنها ليست كلها قادرة على الكتابة.. وفي سياق العنف بإمكان أي بليد تافه أن يصفي عبقرية جبارة، ويقتل مستقبل وطن، كما فعل قاتل “جار الله عمر” الذي لم يكن الأول ولا الأخير من الأصوات الخلاقة التي أزاحتها كاتمات الصوت بدم بارد.. عن مسرح الحياة.. !
هكذا يبدو العنف أسهل وسائل تغيير مسار التاريخ.. بيد أن خيار الصوت والحوار قد يكون أقرب، وإن كان أصعب، تتوقف القضية بجانب عوامل خارجية وداخلية، على قدرة القوى المدنية التقدمية على تنظيم مكوناتها وقدراتها، وأجنداتها.. والوقوف عند مسئولياتها الحقيقية بشكل موحد وفاعل، وإقناع الشعب والقوى التقليدية بخيارها المدني، وصولاً إلى مشروع حياة يليق بالإنسان على مشارف الألفية الثالثة..
بيد أن انتصار الحوار ، لا يعني انتصار الحرية والديمقراطية والمدنية.. هذه القيم النبيلة لا يمكن لها أن تنتصر بقرارات وقوانين وتوافقات .. آنية معرضة دائماً للسقوط، هذه القيم لن تنتصر سوى بتحولها إلى حداثة فكرية وسلوكية راسخة بعمق في الوعي والسلوك الفردي والجمعي، للشعب، وباستراتيجيات ثقافية وتعليمية وإعلامية .. فاعلة وطويلة الأمد.. حينها سيختفي كاتم الصوت ، لا كأداة قتل، بل كظاهرة عنف وإرهاب باتت مرفوضة من قبل الجميع، الرجل الذي بات يتأول معنى القوامة، والمرأة التي أصبحت شريكة فعلية في الإدارة واتخاذ القرار، والطفل الذي تعلم في لثغاته الأولى ألفاظ الحب والسلام والحرية والتسامح .. والتلميذ الذي بات يقدر الجمال، ويتذوق الفن، ويردد بوعي كامل:
« لماذا يسيل لعاب البنادق حين تطير الحمام.. !! »
مثل هذه الومضة الشعرية الفذة، ليست حالياً شهيرة ولا مقررة على طلاب المدارس الذين يكادون جميعا، الفتوات بشكل خاص، يحفظون ويرددون بإعجاب بيتي أبي تمام في قصيدته الشهيرة:
السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لاسود الصحائف في
متونهن جلاء الشك والريب
رغم فكرتها الهدامة، ضد صوت العلم ، والتمدن، لصالح العنف وكاتمات الصوت، في حين يعذر بعض المثقفين أبا تمام، الذي كان صوتاً حداثياً، دفعته لسعات الجوع إلى أن يداهن كاتم الصوت، بهذه القصيدة، كان أبو تمام عقلاً عملاقاً على جسد هزيل، ألجأته الحاجة إلى مدح الخليفة المعتصم، الذي كان على العكس: عقلاً هزيلاً على جسد عملاق، كان كتلة من العضلات ، ورغم كل المحاولات التي بذلها أبوه الرشيد من أجل تعليمه كان المعتصم أمياً جاهلاً، لا يعرف القراءة ولا الكتابة(خلواً من العلم)، وكان أبو تمام يعرف كيف يطرب الخليفة بمدح العاهات وذم الفضائل واستدرار الدراهم.. فأعطاه المعتصم عن كل بيت في القصيدة ألف درهم، وقيل إنه أقطعه مدينة الموصل..!
رابط المقال على الفيس بوك


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.