تموضعت موريتانيا في مكانها الملائم تحت ضياء النور والبهاء، وأنجز رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية ورفاقه ما وعدوا به، وسارت الانتخابات الرئاسية الموريتانية بقدر كبير من الشفافية التي شهد بها القاصي والداني، ومهّدت موريتانيا الطريق المؤكد إلى مجد مفقود في سماوات العرب المُلبّدة بغيوم المركزيات والاستبدادات والتيوقراطيات والإلغاء المنهجي لكرامة الإنسان. كان المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية برئاسة اعلي ولد محمد فال قد باشر منذ اليوم الأول للانقلاب الأبيض في تسوية الطريق للمسيرة، فكانت الخطوات الرشيدة الأولى مُتمثلة في العفو العام الشامل، وعدم ملاحقة أحد، واحترام الاتفاقيات التي وقعتها موريتانيا مع البلدان الأخرى. وفي ذات السياق باشر المجلس تفعيل هيئات المجتمع المدني والأحزاب السياسية بحثاً عن بلورة الشراكة الاستراتيجية في صناعة مقدرات الوطن، واعتبر المجلس أن أثقل الملفات وأكثرها أهمية ستترحّل إلى الرئيس والبرلمان المُنْتخبين، وسارت لعبة الخلاف والاختلاف على أسس معيارية أدهشت العالم والمراقبين معاً، فيما أثبتت موريتانيا أن العرب ليسوا عاجزين ومُعاقين سياسياً كما ترسخ في الأذهان، وأنهم قادرون على تجاوز الذات وتسجيل المآثر باتجاه التخلُّص من ربقة الماضي وسيئاته. الإشارة القادمة من موريتانيا تُمثل رسالة ناجزة لكل المقيمين في مربعات البؤس والتنافي العدمي. إنها رسالة للعالم أيضاً، وبشارة خير تخلصنا من محنة الحاكميات المشوهة التي أهلكت البلاد والعباد. النتائج قالت ان الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبدالله فاز بتقدم بسيط حيث نال 53 في المائة مقابل منافسه “أحمد ولد داداه” الذي نال 47 في المائة، وأن هذا المؤشر يدل دلالة قاطعة على أن المتنافسين يخرجان من تحالفات متينة ومتوازية في قوتها إلى حد كبير، فإذا كان ولد الشيخ يتمتع بتأييد واسع من حوالي عشرين حزباً وتشكيلاً سياسياً، وبعض العسكريين، وفئات اجتماعية كبيرة، فإن ولد داداه يتمتع أيضاً بتأييد منظومة متحالفة من أحزاب المعارضة ومن ضمنهم الإسلاميون واليساريون، بالإضافة إلى قوى اجتماعية اخرى. واللافت أن المرشحين يتمتعان بنفس المزايا العلمية والعملية كونهما اقتصاديين محترفين وعليمين بتضاريس التركيبة الموريتانية، كما أن اللافت أيضاً أن النتائج التي أوصلت ولد الشيخ إلى سدة الرئاسة لم تُقابل بالرفض والاحتجاج، بل بالتهنئة من طرف الخصم، في سلوك حضاري يُكرّس المفهوم والمعنى، ويجعل البؤس العربي سعيداً بأول إشارة مغايرة لمألوف العادة والتعوّد.