كود العثماني .. حي في منطقة الشيخ عثمان ككل الأحياء وككل الأماكن التي تأخذ شكلها الآخر وعبقًا من ذاكرة لا تنسى لمجرد النطق باسم الحي يخيل للقارئ الذي عاش سنواته الأخرى في زمن كان للاولياء الصوفيين أطراف من عبق الذاكرة .. أسموه هكذا باسم الولي الصالح العثماني ولأن الشيح عثمان منطقة لها تاريخها الطويل ومنطقة تأخذ حجمها ومكانتها كان لابد أن نزورها لعلها منسية بين هوامش الصمت وعدم ذكرها إلا في بعض النسيان الذي يحيطها من كل جانب. صورة من الأمورة : سماح رياض صعدنا تلك الحافلة المتجهة نحو ذلك المكان الذي كانت الرياح المغبرة تنفش غبارها عليها وبين وجوه تحاول ان تنفض عنها ذلك الغبار العالق فيها كنا نحدق فيها وإلى ذلك المسكون الذي خيم على من في الحافلة .. السائق في كرسيه والركاب يتبادلون العبارات الهادئة وبخطوات عجيبة ولثوان معدودة وصلنا إلى منطقة كود العثماني ليستقبلنا حلمها وطموحات ساكنيها. في مجمعها اقتربنا منها لعلها تفيدنا في مشوار كان للشمس حضورها وللجو حرارته المعتادة وللغبار ورياحه حكاية أخرى لنستقبل الأخت مها .. بل لنقل الطفلة مها رغم ارتدائها العباءة والنقاب إلا أنها كانت أصغر من ذلك السواد المحيط بها.. كانت تجلس في كشك صغير فيه بعض البضائع القليلة سألناها عن عمرها أجابت : عمري 12 عاماً تدرس في المرحلة الابتدائية (سادس) تساعد والدها في ذلك الكشك المنصوب أمام المجمع الصغير الذي يقدم خدماته الصحية على أكمل وجه وعلى الوجه الذي أراده أهالي المنطقة .. تركنا مها في عملها وتركنا مجمعًا يحتاج إلى الكثير من الاهتمام فما ينقصه هو دكاترة اختصاصيون يستطيعون تقديم الخدمات الصحية بشكل جيد رغم تلك الحجرات البسيطة في ذلك المجمع إلا أن هناك جهود قليلة تبذل ربما دكتور أو دكتورة تحاول عمل اليسير لأجل أهالي الحي .. فعدد المرضى لا يقل عن عدد الأصابع والسبب يعود إلى أن عدم وجود أطباء أكفاء أو أن مكتب الصحة متجاهل هذا المركز وكأنه ملحق ليس إلا. مصادفة بينما كنا نطرق على عجل باب منزل عاقل الحارة صادفنا تلك المرأة الكبيرة السن اسمها (سامية) تبحث هي الأخرى عن عاقل الحارة كان لابد أن سألها عن سبب حضورها إليه فكانت تريد أن تضع النقاط على الحروف حيث إن ولدها سجن بعد ما كان شاهدًا على ماحدث في مقبرة العثماني التي ماتزال تستغيث ولا مغيث غير الذين يبحثون على رفات ذويهم فالمقبرة على حالها في عارها الدائم وسكونها الذي يجعل أهالي المنطقة يعيشون حالة من الترقب للوضع كما قالت الاخت سامية . هي كانت تقدم الحقيقة كما حدث لمقبرة العثماني من بسط من قبل أحد مالكي المنازل والذي يجاول الاعتداء على حرمة ومقدسات الأموات فلم تهدأ أرواح الأموات أمام هذا البسط الذي يجرح كرامة الموتى . لقد طال الحديث مقبرة العثماني وكبرت المخاوف أكثر وأكثر ولكن سامية تترقب خروج ابنها من السجن لأنه مجرد شاهد على ماحدث هناك. جانب آخر في الجانب الآخر من تلك الضفة الأمامية للحي كان أحمد علي غالب / ويعمل في القطاع الخاص يروي ما يشعره وما يراه في هذه المنطقة التي تفتقر إلى أشياء أخرى فالمياه ضعيفة في الحي والإنارة معدومة والمجاري يحاولون في عملها ولكن كل هذا في عالم من الأوراق والأقوال .. أحمد يقول : نحن مانزال ننتظر ولنا الأمل في عمل أشياء كثيرة في هذا الحي الصغير ويواصل أحمد علي قائلاً :- الجمعيات الخيرية حضورها بسيط جداً في معرفة الأوضاع التي يعاني منها المواطنون هناك ولكن هناك جمعية قد سجلت أناسًا محددين مثل الأرامل والمعاقين وقد كان التسجيل قبل الانتخابات واليوم لا نعرف مامصير هؤلاء الذين سجلوا في الجمعية. قبل العصر ربع ساعة كان وقوفنا أمام منزل عاقل الحارة ننتظر أن يفتح لنا الباب ولكننا لم نسمع إلا صوت طفل صغير يقول لنا : إن عاقل الحارة غير موجود طلبنا من الصغير أن يأتي أحد أكبر منه ليتحدث إلينا ولكنه غاب لبعض الوقت ليقول لنا تعالوا العصر ... العصر كنا قد حاولنا الحضور ولكننا تفاجأنا بنفس الكلام فيقال «غير موجود» هذه العبارة تكررت لمدة أربعة أيام ونحن نبحث عن كبير لتلك الحارة. مقبرة في زحام الصمت الصمت الذي احتوانا ونحن نسرع الخطى نحو تلك المقبرة التي لفها غموض غريب فتلك العلامات التي ارتسمت على بعض القبور توحي أن هناك شيئًا غريبًا يحيطها .. منازل تبعثرت على جوانب المقبرة لتقابلنا ابتسامة إحدى نساء الحي قائلة : ماذا تفعلون هنا ؟! كان لابد أن نجيب على تساؤلها ولكن عليها هي أن تقول لنا قصة تلك العلامات التي ارتسمت على بعض القبور .. أم صالح قالت لنا : لي أربع سنوات ساكنة هنا ولم أشعر بأي خوف كوني أعيش قريبة من المقبرة ولكن ما حصل في الآونة الأخيرة عندما جاء أناس وقاموا برسم جماجم على بعض القبور وكذلك نبش التراب واخراج الرفات جعلنا نعيش في حيرة من يفعل هذا بالأموات ؟ إننا نعيش حالة من الرهبة بسبب هذه المشكلة التي لم نجد لها أي حل .. نعم .. الجميع يبحث عن حل لهذه المقبرة التي تغاضى عنها الجميع بل وخيم الصمت القاتل عليها دون أن تدرك الاسباب فكان هنالك سؤال يطرحه البعض هل سيأتي يوم ندفن موتانا في منازلنا أو ماذا؟! ربيع يتحدث ربيع سالم لم يتجاوز عمره الحادية عشرة يدرس في المرحلة الابتدائية في مدرسة 30 نوفمبر هو أكبر إخوانه لديه اربعة اخوان صغار يرعاهم الجيران بسبب تغيب والديه عن المنزل فوالده يعمل في محل للاتصالات ووالدته تعمل في منزل تحاول ان تكسب لقمتها لتعيش أطفالها الصغار بجانب عمل زوجها الذي لايستطيع أن يوفر كل شيء لهم فالرفاهية بعيدة عنهم فحياتهم أشبه ببؤس يشاهده الأطفال كل لحظة ولكن دون أن يتذمرون حالتهم وتشردهم كل يوم. حنان شرف طفلة : لم تتجاوزهي الأخرى الحادية عشرة ولكنها كانت تحلم بأحلامها الصغيرة التي أحست أنها تبحث عنها وهناك في الجانب الآخر.. أطفال يحلمون مثل حنان برؤية الزهور ولكن للأسف لا يستطيعون لأسباب عدة معظم ساكني الحي يعيشون حالة يرثى لها وظروف مادية ربما لانستطيع أن تسطرها الصوره التي رأيناها هناك فالبعض منهم ظنوا أننا جئنا من إحدى الجمعيات لنعمل لهم أعانات ودعمًا ماديًا ولكنهم صمتوا حين لم يجدوا منا غير تقليب لمعاناتهم اليومية، قطط تتعارك وكلاب ضالة تمسح الحي ذهاباً وإيابا والجميع يحاولون الانشغال رغماً عنهم .. الضياع يخيم على معظم شباب ذلك الحي العمل شبه معدوم وفرصة مختفية والحيلة لاحول لها ولا قوة غير البحث المستمر والانهاك المتعب البعض قد احتواه اليأس والبعض الآخر مايزال يبحث إلا أن هناك مجموعة تجول في الحي يبحثون عن فرصة لتخطي أنفسهم. رمال صفراء قبل أن تلفنا الرياح بتلك الرمال التقينا سلامة عبده امرأة مسنة جاءت إلى أقربائها في كود العثماني لأجل أن تتعالج ولكنها وقفت أمامنا حائرة تبحث عن طريق المستوصف تحدثنا عن حالتها وتحسبنا جئنا لهذا الغرض أشرنا إليها بأن هناك طريقًا للمستوصف إذا كانت تبحث عنه كما قالت لنا .. (دلوني أين يعالجون) العلاج الذي كانت تبحث عنه هو أكبر من ذلك المستوصف الذي لا يفي بعلاج القلب أو الكلى أو ... أو.... إلا أنه يغطي ذلك الفراغ الشاغر في ذلك الحي. مدرسة في فلة رغم ما تقوم به مديرة المدرسة / هيام/ في مدرستها التي تحاول أن تعبر حواجز طلابها الذين ينتظرون ما ستقدمه لهم مدرستهم رغم التواضع الذي رأيناه في تلك المدرسة التي هي عبارة عن مبنى مؤجر من قبل جمعية الحد من الفقر لأجل أن تقلل من مشوار طويل لأطفال كانوا يذهبون إلى مدارس بعيدة والطريق خطرة عليهم من كل ناحية بعض أولياء الأمور يطالبون ببناء تلك المساحة التي حجزت واشتريت لبناء مدرسة كود العثماني إلا أنها أكثر من مرة تتعرض إلى البسط من قبل المقاولين الذين يريدون أخذها إلا أن مديرة المدرسة الأخت/ هيام / تقوم بحمايتها لكي يستطيع الطلاب الدراسة رغم أن المدرسة بتواضعها وامكاناتها البسيطة فإن الفصول الموجودة لاتستوعب إلا اعدادًا قليلة من الطلاب فالدراسة إلى مرحلة سادس ابتدائي ومن ثم يتم الانتقال إلى المدارس البعيدة برغم أن هذه المدرسة لم تكن إلا فلة. نهاية .. في بقاع أخرى ستكون هناك بارقة أمل في التغير والازدهار.