لماذا افتقدت مجالس العيد بهجتها وطقوسها المتبعة، بوصفها وعاءً يلتقي فيه الاهل والاقارب والاصدقاء ليجسدوا قيم الحب و التآخي والتراحم والتسامح والابتهاج مشهرين ابتساماتهم العريضة في وجوه بعضهم ؟! .. حول الأسباب التي أدت إلى تراجع خصوصية المجالس العيدية كان هذا التحقيق .. سلوكيات سيئة عبدالله السراجي (طالب جامعي) يقول :«إن مميزات المجالس والتجمعات اليمنية في العيد لها طابع وخصوصية فريدة عن بقية البلدان العربية ، حيث يتجمع الأهل والأقارب والأصدقاء بعد ظهر أيام العيد للمقيل المفعم بالطرافة والمحبة وتبادل اجمل مافي مرتاديه من جمال .. كان هذا ديدن مجالس العيد في المدينة وفي الريف وربما في الريف تكون هذه المجالس أنشط وأكثر تفاعلاً . وكان لهذه المجالس تقاليد متعارف عليها لكن هذه التقاليد والطقوس ربما اختفت في الوقت الحاضر لأسباب كثيرة منها انعكاس تراجع الحالة المادية للفرد على مزاجه وعلاقاته ومناسباته بالإضافة إلى أسباب اخرى منها ثقافية واجتماعية وغيرها». تعاليم المجالس فيما يوضح احمد الخاشة (موظف) :«عندما كان يأتي العيد في ايام زمان كانت مجالس العيد يؤمها الكبير والصغير في مكان واحد منذ بعد وقت الظهر وحتى المغرب يحيون فيها الاحاديث الودية والاجتماعية والتسلي بتادل النكات والفكاهات الرفيعة وتجد في هذه المجالس أن الصغير يحترم الكبير والغني يعطف على الفقير وقيم التراحم والتآخي والاحترام والمحبة هي السائدة. واستدرك :« لكن كثير من هذه المميزات لمجالسنا العيدية اختفت وصارت هذه المجالس مثل مجالس بقية الايام التي سادتها النميمة وطغى عليها التفاخر وغابت عنها الابتسامة وسادت الوجوه العابسة حتى في الاعياد قلما تجد في هذه المجالس من يبتسم ويشعرك بأننا نحن في عيد حتى ملابسه فهو يأتي الى المجلس رث الثياب لم يحلق ذقنه ... ولعل الجهل بآداب وتقاليد ومبادئ المجالس العامة والعيدية خاصة هي وراء تراجع قيم مجالس العيد فلهذه المجالس تقاليد مرعية مثلها مثل تقاليد وتعاليم الجامع والجامعة وغيرها». أمراض تكنولوجية فضل حزام (طبيب عام ) في مستشفى خاص يقول: مجالس العيد في الماضي كان لها دور ايجابي في لم الشمل ووحدة الجوار والعقيدة ، و كانت فرحة العيد في أي منطقة يمنية تستمر لعدة أيام ، يلتقي فيها الاهالي والجيران والاصدقاء فلم يكن هناك أي مشاكل اجتماعية تجعل البعض يفضل البقاء في منزله او الحضور متكدراً وعابساً ، وأرجع تراجع الخصوصية الجمالية لمجالس العيد عما كانت عليه في السابق إلى انغماس بعضهم بهمومه المالية واهتمامه بجمع المال دون أي اهتمامات اخرى فيما البعض الآخر انشغل بحياة الترف و رغد العيش التي تستدعي انعزالهم عن المجتمع من ناحية اخرى . مشيراً الى الجوانب السلبية للوسائل التكنولوجية الحديثة التي يرى انها تؤثر سلبا في عادات وتقاليد وأفراح العيد والمتمثلة فيما وصفه ب«الأمراض السيكولوجية، ارتفاع نسبة الأمراض النفسية، والاضطرابات ، والقلق ، والاكتئاب» كون الناس كانت تعيش ببساطة ورحمة وتكافل وتآخٍ اجتماعي بعيداً عن الغرور و الكبرياء وتعقيدات الحياة .. مؤكداً انه اذا أردنا استعادة فرحة العيد علينا الرجوع إلى تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف الذي حثنا على الصبر، والتراحم والتآخي والترابط ، وزراعة البسمة في وجوه الأيتام واحترام كافة أفراد المجتمع ككيان واحد . توثيق عادات العيد فيما يرى فهد احمد العميسي (مهندس) في وزارة الشباب والرياضة أن فرحة العيد في الماضي كانت مميزة ولها بصمات استطاعت أن تترك لنا الأثر من خلال ما كنا نلمسه ونعيشه في الريف كون الريف يعكس الطقوس الجميلة التي تقام بمناسبة العيد..مشيراً الى أن فرحة العيد في وقتنا الحاضر لم تعد كما كانت، وذلك بسبب الغلاء وارتفاع الأسعار وانصراف الناس لكسب المال بأي وسيلة كانت، واهتمامهم الأول صار ينصب على الأمور المادية اكثر من سواها. البث الفضائي أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة صنعاء الدكتور عبدالملك الدناني قال إن «العيد هو العيد» لم يتغير كشريعة أنزلت على جميع الأنبياء والرسل، ولكن الذي تغير في عصرنا الراهن هو في تداخل وتأثيرات تقنيات الاتصال الحديثة والتي ساهمت في التقليل من فرحة العيد وعدم الاهتمام بمجالس العيد سواء عند الأطفال أو الكبار ، وأوضح أن دخول البث الفضائي إلى حيز الوجود وشبكة الانترنت كل هذه الوسائل أثرت في فرحة العيد وشغلت الكبير والصغير بمتابعة ومشاهدة العيد داخل تلك الشاشات التي شغلتهم عن الذهاب الى مجالس العيد والتجمعات السكانية الخاصة بهذه المناسبات . وقال الدكتور الدناني :«إن الناس في الماضي وخاصة الأطفال في ليلة العيد كانوا لا ينامون إذ يبقى جميعهم في أسطح المنازل ويتجمعون في حارات المدن، وفي قرى الريف، يشعلون النار كأول تقاليد العيد التي تلحقها تقاليد كثيرة تخص كل طقس من طقوس العيد بما فيها مجالس العيد ، حيث الجميع يلتقون في منزل احدهم فيتبادلون المصافحة وكلهم تملأ قلوبهم الرحمة والتآلف والتسامح والترابط فيتبادلون الحديث ويناقشون شئون القرية واحتياجاتها . واكد «أن مجالس العيد في الماضي كانت تساهم في تعميق أواصر المحبة والتعاون بين أفراد المجتمع وحل جميع الإشكالات والخلافات ، إضافة إلى مناقشة القضايا المجتمعية والتنموية التي تخدم المنطقة كعملية توسعة الجامع او حفر بئر مياه وغيرها من المشاريع التي يتفقون عليها في مجالس العيد دون الرجوع إلى الجهات الرسمية.. ولكن اليوم أصبحت اغلب هذه العادات والتقاليد مندثرة كما ذكرنا نتيجة عوامل التكنولوجيا الحديثة». ضعف الإيمان أما القاضي محمد الأكوع فيرى من وجهة نظره ان ضعف الإيمان بالله ومنهج رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم ) هو العامل الأساسي لعدم الفرحة بالعيد وعدم الاستقرار والطمأنينة فوجود الأحقاد و الفوارق يخلق نوعاً من الهروب من الجار ومن التجمعات ومن المجالس. وأضاف الأكوع: كان الناس في الماضي في مجالس العيد متحابين ومتجانسين متآلفين متسامحين، بينما اليوم طغت المادة على جماليات الروح... والروح بحاجة إلى غذاء كما ان الجسد بحاجة إلى غذاء وغداء الروح هو التقوى والإيمان ، وبعد الناس عن هذا الزاد يجعلهم في صراع مع المادة والحياة فحل الحقد في نفوسهم بدل الصفات الحميدة . وخلص إلى اننا لن نستطيع ان نستعيد فرحتنا إلا بالرجوع إلى دين الله والتمسك بالأخلاق الفاضلة وزرع المودة والرحمة بين أوساط المجتمع. الانفتاح تراجع مجالس العيد عن دورها الإيجابي وافتقادها لكثير من السمات والملامح التي كانت سائدة لدى مرتاديها في الماضي.. يعود حسب الدكتور فؤاد الصلاحي أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء إلى جملة من العوامل منها التحضر، والانفتاح والتطور حيث أصبح الأبناء يتنقلون للدراسة، والأسرة تظل في الريف إضافة إلى عوامل اقتصادية وسياسية وكذا استخدام وسائل التكنولوجيا للتواصل بدلاً عن التجمعات والزيارات وتراجع دخل الفرد وغيرها من العوامل التي أثرت سلباً في التعاطي الإنساني والجمالي والاجتماعي مع هذه المناسبات .