بقلم: ريتشارد إس. ويليامسون – ترجمة: إبراهيم عباس مقال اليوم بعنوان «القوى الصاعدة ونشوء نظام جديد للسياسي الأمريكي المخضرم والدبلوماسي المتمرس الذي عمل لسنوات عدة في أجهزة الأممالمتحدة السفير وهو ذو شقين أحدهما يتناول فيه تنبؤه بتغيير الأممالمتحدة (من الداخل، وليس باستحداث هيئة دولية جديدة)، بحيث تلائم تلك المؤسسة الدولية احتياجات ومصالح الصين والقوى الصاعدة الأخرى. والآخر يتناول السبب لتراجع الولاياتالمتحدة عن وضعها كقطب دولي وحيد يهيمن على العالم، حيث يرى أن السبب الحقيقي في ذلك ليس ضعف الولاياتالمتحدة، وإنما ضعف أوروبا وتنامي قوة الصين والهند والبرازيل وتركيا، بما يتعين على واشنطن تطوير إستراتجياتها لتلائم هذا المتغير الجديد. الأممالمتحدة في مهب الريح ظل النظام الدولي بلا تغيرات تقريبًا منذ تأسيس الحلفاء الغربيين بقيادة الولاياتالمتحدة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية الهياكل الدولية المعنية باحتواء الشيوعية وتهيئة الظروف لتحقيق الرخاء والسلام -رخائهم وسلامهم هم بشكل خاص- (المقصود الناتو والأممالمتحدة). الآن يواجه العالم واقعًا مختلفًا، فالقوى الغربية تعاني من أزمة اقتصادية، فيما المتوقع أن تحل الصين والهند على رأس الاقتصاديات الثلاث الأقوى على مستوى العالم في العام 2050. كما سيصبح بإمكان القوى الصاعدة منافسة مجموعة الثمانية خلال العقود المقبلة. وعلى الرغم من إعادة معايرة هذا التصنيف في التوازن الاقتصادي العالمي، فإن غالبية القوى الصاعدة ستواصل المشاركة في المنظمات المتعددة الأطراف لكن (كشريك مخالف)، أو في أفضل الأحوال كأطراف هامشية لا تشارك بفاعلية، إذا لم تتجاوب تلك المؤسسات مع واقع الشؤون الدولية، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: إلى أي مدى سيؤثر ذلك على نفوذهم خلال العقود المقبلة؟ ويمكن القول إن الولاياتالمتحدة استفادت بشكل كبير من مجموعة المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف، لجهة إمكانية توفيرها الغطاء الواسع، أو الشرعية اللازمة لما تقوم به من أعمال إلى جانب توفيرها الوسائل الضرورية لشراء وتقاسم الأعباء. وبالرغم من أن الحوار والمداولات والنقاشات تبدو في كثير من الأحيان مرهقة ومضيعة للوقت، إلا انها يمكن أن تؤدي إلى قرارات محسنة ومعرفة بشكل أفضل. يقول ويليامسون انه من خلال خبرته في العمل في السلك الدبلوماسي في هيئات الأممالمتحدة في نيويورك وفيينا وجنيف، فإنه عادة ما تسود وجهات النظر الأمريكية في المسائل المهمة التي تبحث فيها، إذا ما وضعت في الوقت المناسب وتوفرت لها الدبلوماسية والشجاعة. وعندما توضع المصلحة الوطنية في المحك، كما كان الوضع إبان أزمة العراق وكوسوفو، فإن الولاياتالمتحدة بإمكانها، وسوف تعمل جاهدة للالتفاف على الأعباء المناطة بالأممالمتحدة والتصرف بما يخدم تلك المصالح الوطنية. بعض الإيجابيات! لكن بالرغم من ذلك، فإن المؤسسات المتعددة الأطراف يناط بها تحقيق كل ما في وسعها للعب دور حاسم في وضع الأسس العامة سواءً في مجال الطيران المدني أو في مجال مكافحة الإرهاب، وهذه العناصر مجتمعة توفر قدرًا من القدرة على التنبؤ وهو ما يعود بالفائدة على الدول القوية والدول الأقل قوة. وهذه الممارسات، والعمليات، والخطوات التي تقوم بها المؤسسات المتعددة الأطراف، توفر قدرًا كبيرًا من الطمأنينة للدول الأقل قوة، عندما تأخذ القوى الكبرى في حسبانها الممارسات السابقة، والمعايير، ووجهات نظر الآخرين، بحيث لا يسمح للفيل الضخم (الولاياتالمتحدة) أن يدوس على العشب كما يحلو له، وصحيح أن الولاياتالمتحدة والآخرين يحتفظون بحق التصرف للعمل من جانب واحد عندما تستوجب مصالحهم الحيوية الذاتية ذلك، لكن ذلك يعد استثناءً (؟). لكن الواضح أنه سيتم التعامل مع الأحداث العادية ضمن الحواجزالراسخة التي تم إنشاؤها والقبول بها (مثل نظام الفيتو- المترجم). وستشعر الدول الأقل قوة بقدر أقل من الحاجة لتشكيل تحالفات لمعارضة أو تقييد عمل القوى الكبرى، وهو ما يعني استفادة طرفي المعادلة. ولكن بينما تضعف السلطة داخل تلك المؤسسات بشكل متزايد بما يعكس تضاؤل نفوذها في العالم الحقيقي، فإنها ستفقد أيضًا الشرعية. كما سيضعف الاحترام والتمسك بهذه المؤسسات وقوانينها في غضون ذلك، في الوقت الذي ستزداد فيه ممارسات الالتفاف على قوانين وقرارات تلك المؤسسات. وبينما تنأى الصين وغيرها من الاقتصاديات الصاعدة عن التورط حتى الآن بأعمال عدائية بشكل مباشر، أو رفض واضح لتلك المؤسسات، إلا أنها تبقي على كل الخيارات مفتوحة. خيارات متاحة على الرغم من المواقف التي تتخذها القوى الصاعدة، فإن العديد من الخبراء توقعوا أن تكتسب تلك القوى -كالصين- المزيد من النفوذ، لكنها لن تسعى إلى قلب مبادئ وقواعد النظام الحالي، وإنما ستسعى من أجل كسب المزيد من النفوذ ضمن النظام القائم. هنالك أيضًا احتمال لمسلك آخر للقوى الصاعدة، وهو التعامل مع النظام الدولي الحالي وإعادة النظر في الوقت ذاته في هيكلية هذا النظام. وفي الاستجابة للدعوات الموجهة للصين لتصبح شريكًا مسؤولًا، أشار باتس جيل ومايكل شيفر إلى أن بكين تعتقد ان العالم مليئ بالدول التي تتنصل من مسؤولياتها، وانه من غير المفيد للصين ان تكون جزءًا من هذا النظام ما لم يتغير النظام برمته ليناسب متطلبات السياسة الصينية. ويرى ويليامسون أن القوى الصاعدة قد تسعى إلى إيجاد ترتيبات جديدة تتناسب مع مصالحها المتنامية، تمامًا مثلما فعلت الولاياتالمتحدة عندما عملت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى على إبدال عصبة الأممالمتحدة التي رفضت الانضمام إليها واستبدلتها بالأممالمتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لتكون أكثر مواءمة لمصالحها. فمع تراكم الأخطاء الصغيرة تتشكل مع مرور الوقت عوائق كبيرة أمام الأممالمتحدة. وهنالك مؤشرات على أن ثمة تغيرات صغيرة تحدث بالفعل في أجهزة الأممالمتحدة مثل إيجاد مؤسسات الطاقة الجديدة من قبل بعض الدول التي لا تستحوذ على رضى الأنظمة الموجودة، لكن هذه التغيرات لا تكفي. الحقيقة المرة يخلص ويليامسون إلى أن الولاياتالمتحدة ليست في طور الاضمحلال، وإنما حلفاؤها الأوروبيون هم الذين يواجهون هذا الخطر، وذلك بسبب الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تمر بها. وهو يرى بهذا الصدد أن ضعف أوروبا يؤدي إلى إضعاف أمريكا، لجهة تراجع شهية أوروبا تجاه الناتو والمسؤوليات الأخرى التي كانت تتقاسمها مع واشنطن، بما يؤدي إلى تراجع التزاماتها. هذا يحدث في الوقت الذي تزداد فيه الصين والاقتصاديات الدينامية الجديدة (كالهند والبرازيل وتركيا) قوة، وهو ما يتطلب من الولاياتالمتحدة تطوير إستراتيجياتها واستحداث طرق وأساليب جديدة للتعامل مع هذه الدول بما يحافظ على المصلحة الأمريكية. ويقول ويليامسون في نهاية مقاله: تلك هي الحقيقة. كيف نفكر من خلال هذه التطورات؟، وكيف نفعل إرادتنا لنكون في الصدارة في تشكيل هذا العالم المتغير؟، فمن خلال هذه الحقيقة سيكون بإمكاننا أن نحدد قدرتنا لإظهار قوتنا، وحماية مصالحنا، وتعزيز قيمنا.