| د. يعقوب أحمد الشراح | منذ أكثر من ثلاثة عقود وأنا أسمع عبارة «نقلة نوعية» في التعليم تصدر تكراراً من بعض الوزراء الذين تعاقبوا على الحقيبة الوزارية، ومارسوا واجباتهم في زحمة المشكلات المتراكمة ربما لم يتمكنوا من فعل شيء ملموس لأسباب عديدة يطول الحديث فيها. إن عبارة النقلة النوعية يبدو أن لها مفعولاً سحرياً عند الناس لأنها تعبر عن إرادة الرغبة في إحداث تغيير مفيد ومناسب يصب في المصالح العليا للبلاد، لكن ذلك ليس بالمستطاع من الناحية التنفيذية، خاصة وأن النتائج في النهاية كانت تتناقض مع مفهوم إحداث نقلة نوعية، فالناس لم تتحسس أو تعايش ولو مع شكل واحد من أشكال النقلة النوعية... ويبدو أن الوزراء والوكلاء أو المهتمين في الشأن التعليمي تاهوا في دهاليز الأزمات التعليمية التي برزت بشكل خاص في الثمانينات من القرن الماضي فلم يتمكنوا من الترجمة الحقيقية لمفهوم النقلة النوعية على أرض الواقع، فلقد كانت هذه المقولة مجرد شعار وطنطنة من أجل تخفيف التوتر أو الضغط الذي كان يمارسه الرأي العام على الوزارة، وخاصة تدخلات التكتلات السياسية التي كان يهمها السيطرة على التعليم في البلاد محدثة فوضى لاتستقيم معها الرغبة في النقلة النوعية، وإنما كان هناك تهريج واستخفاف بعقول الناس، ونفاق يوحي بأن الاصلاحات التربوية قادمة ولابد من الانتظار لجني ثمار هذه النقلة!! هذه العبارة السحرية تتكرر اليوم مرة أخرى فنسمع أن الوزارة تريد نقلة نوعية في التربية ولديها رغبة في التعامل مع كل قضايا التعليم وإحداث إصلاحات جوهرية، ونحن بدورنا نتمنى أن يتمكن الوزير من تنفيذ شعار النقلة النوعية بعد أن ظل هذا الشعار مجرد كلام في كلام لسنوات مضت... إن مفهوم النقلة النوعية في أي مجال يعني إحداث تغيير ضروري في بنية النظام ليس من أجل تفادي المشكلات فقط، وإنما من أجل خلق واقع نهضوي ينسجم مع الحاجات في الحاضر والمستقبل. فعندما نريد أن نحقق جودة في التعليم فإن ذلك يدفعنا أن نبحث في سياسات ضمان الجودة، وأن النتائج ينبغي أن تعبر عن نقلة نوعية غير مسبوقة في مسيرة تطوير التعليم وفقاً للمعايير القياسية العالمية وبما يحافظ على هوية الأمة. فالانتقال من حالة متخلفة إلى حالة أكثر تطوراً ومناسبة إنما يعني استثماراً واقعياً لمفهوم النقلة النوعية. ويمكننا أن نلاحظ ذلك في مدى تأثير مفهوم التحولات النوعية في السياقات التاريخية الكثيرة مثل الانتقال من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة عن طريق إحداث تغيرات غير عادية اتسمت بنوعيتها وتحولاتها الهائلة في شتى جوانب حياة البشر والأمم، والانتقال من عصر الصناعة إلى التكنولوجيا ثم إلى المعلوماتية وهكذا. إننا لاننكر حاجة نظامنا التعليمي إلى إحداث تغييرات جوهرية ومناسبة في مختلف عناصره لكن ذلك لا يتحقق بالتمنيات أو الشعارات، وإنما لابد من تطبيق حزمة جادة من الإجراءات التي تجعله ينتقل من حالته المتخلفة إلى مراحل متطورة تهدف إلى خلق مهارات وقدرات لدى الخريجين على ممارسة أدوارهم في بناء الدولة. فمن دون تحقيق هذه المبادىء يصبح الحديث في النقلة النوعية مجرد كلام فارغ، وشعاراً من دون مضمون، ومادة مخدرة لتهدئة النفوس لفترة وجيزة لتعود بعد استفاقة تشعر بعدم حدوث شيء جديد، وأن المشكلات مازالت قائمة وربما متفاقمة نتيجة تقادم الزمن، والإهمال المتواصل. كذلك لا تحدث النقلة النوعية في التعليم من دون إعداد وتأهيل للكوادر البشرية المتمكنة من قيادة سفينة التعليم. والتمكن هنا لانعني مجرد القدرة على الأداء، وإنما لابد من التأهيل والتدريب، والبحث الدائم عن كل جديد مفيد، والقدرة على التغيير والتكيف والقبول بالمستجدات بدل الاستمرار في الجمود وتكرار الأعمال الروتينية المملة. [email protected]