قبل رمضان بفترة تم الإعلان في قنوات التلفزيون البريطاني أنه سوف يؤذن لها برفع أذان الصلوات خلال شهر رمضان المبارك، والكل عبر وسائل التواصل الاجتماعي استبشر بهذه الخطوة، وباركها، من خلال التعليق أو التعقيب أو حتى النشر لهذا الخبر، ولكن أكاد أجزم بأن كل من قرأ هذا الخبر لم يعلل هذه الخطوة من الإعلام البريطاني إلا بسبب واحد، هو "احترام الأديان"؛ فالإعلام البريطاني اختصّ قنواته حتى يعطي للمسلمين إشارة ولمحة واضحة بأنهم يحترمون جميع الأديان، بما فيها الدين الإسلامي، ولا أظن أن هناك عاقلاً يضع مبرراً آخر لهذه الخطوة. ولكن من الجانب الآخر، وأعني بذلك إعلامنا العربي المُعاصر، قد اختلفت التوجهات، وقد بات هذا الإعلام غير مخجل فحسب، لكنه منافٍ تماماً لقدسية هذا الشهر الكريم؛ فالناظر لما يتم عرضه من برامج ومسلسلات في قنوات الخليج تحديداً، بحسبها الجزء الكبير من قنوات العالم العربي، التي يتم فيها عرض البرامج الأكثر شهرة، يتأكد له أن ما يتم عرضه عبارة عن إعلام ضعيف البنيّة، مهتز الوجهة، الهم الأكبر فيه هو عرض مؤخرات السليكون، التي تدندن على وتر واحد، هو (أخرفن) من يشاهدني، وأقوم برقصة (هزّ يا وزّ)؛ حتى أعطي لكل معايير الإعلام المعاصر نموذج هشٌّ ببثه أموراً، أؤكد تماماً أنه وإن كان بدٌّ من عرضها فيجب أن يتم احترام هذا الشهر الفضيل، وتأجيلها. وإن كان (التخرفن) هو ديدن تلك المسلسلات، التي أرى أن أكبر مساحة من الشاشة تكون لتلك الشفاه المنفوخة، أو الأجزاء التي يخلو سوقنا المحلي من سترات تغطيها، فإني أرى (الثقافة الرخيصة) هي ديدن برامج المسابقات، التي لا يحلو لبعضهم إلا أن يضع ذلك (المليكان المنتفخ) رمزاً لتقديمه، مع الإضرار بثقافتنا وقيمنا وهويتنا الثقافية، التي لا بد أن تتأصل تماماً مع الشهر الكريم. فلا أعلم لماذا عندما أشاهد برنامجاً لأحد القنوات الفضائية الغربية أجد أن التقديم يتماشى قيماً وهوية وثقافة مع مناسبة الحلقات وموضوع البرنامج كله؛ فلم أرَ حتى الآن برنامجاً غربياً يضج بكم كبير من (الميك آب) أو تسريحات ألف ليلة وليلة، ولكن وجدت برامج هادئة الشكل، قوية المضمون ووضوح الرسالة والرؤية، وتحقيق الهدف، حتى وإن كان هذا البرنامج كوميدياً بحتاً! ولكن برامجنا التي تُعرض الآن في هذا الشهر، وبالأخص من تسمي نفسها (برامج كوميدية)، قد تفننت فقط في أنها تتعرض لأشخاص لهم قيمتهم في المجتمع، ولهم ثقلهم في العلم، حتى توجّه قيم شبابنا إلى ترخيص قيمة العلماء في نفوسهم، بشكل ربما يكون مقصوداً أو غير ذلك!! فشتان تماماً بين أن أقدّم برنامجاً كوميدياً لأُضحك الناس بشكل عفوي بريء وأن أدسّ السم في العسل حتى أنتج عملاً لأُضحك العالم العربي أجمع على مدى استخفافنا بأناس لهم ثقلهم في مجتمعنا وفي علمنا، وننتظر بكل رحابة صدر تعليقات وضحك الآخرين على (بجاحتنا) دون فهم واضح لمدى السلبية التي وقعوا فيها دون أن يعلموا. ولكني أرى أن هناك سبباً واحداً في انتشار مثل هذه البرامج على حدٍ سواء، هو أن من يتم تقليده ومحاكاته يسكت عن حقه، دون أن يرفع قضية على مثل هذه البرامج؛ حتى يقدِّم درساً قوياً وصفعة أقوى لمثل من يؤلف هذه الترهات.. ولو علم أولئك المستهزَأ بهم كم الغرامات والعقوبات التي تفرض على مثل ذلك جزاءً لما تم السكوت عنهم، ولكن أجد مبرراً لسكوتهم، هو قوله تعالى {وأعرض عن الجاهلين}. وفي نهاية حديثي أقدم كلمة لمن يرعى تلك القنوات كافة في كل دول الخليج العربي، بأن الإعلام العربي الآن يعيش فترة تطور كبير وهائل، ودعم مالي ضخم، فإن فاتكم مدى ضرورة هذا الإعلام في تدعيم الهوية الثقافية والوطنية والعلمية والقيم والمفاهيم الاجتماعية لدى أجيالنا من الأطفال والشباب وحتى الراشدين فإننا هنا قد نقدم إعلاماً يُضحك الغرب علينا أيماً إضحاك، ونقدم أنفسنا كلاعبي سرك، لا يطول وقوفهم على أرض المسرح، ولكن قد تنكسر بهم الأقدام يوماً من الأيام، وتذكروا أن بريطانيا ليست بأفضل منّا احتراماً لشهرنا الكريم. وكل عام وأنتم بخير.