ومن الصعب علي أكثريتهم أيضا أن يتقبلوا أن الحلول التقليدية المتمثلة في رفع اسعار الضرائب وفرض ضرائب جديدة علي انشطة اقتصادية او علي الثروات والاصول الي جانب التقشف وخفض الانفاق العام بهدف معالجة قصور ونقص موارد الدولة اللازمة لتمويل هذا الانفاق العام هي الحل الناجع لمشاكل مصر المالية. وأن يقتنعوا بأن عجز الموازنة العامة للدولة والذي يؤدي تراكمه عاما بعد عام إلي الإضافة علي رصيد الدين العام المحلي عاما بعد عام لمستوي قد يصل لحد الخطر, يعالج بإتباع ما يسمي بأسلوب الترحيل لقيمة الأقساط المستحقة علي الدولة والتي استخدمت لتمويل هذا الدين, وذلك باعادة اصدار ادوات تمويل جديدة بنفس قيمتها عندما يحل اجل سداد اقساط هذا الدين العام. وكما لكل دواء آثار جانبية, يعلم الاقتصاديون وغيرهم أن لإتباع هذا الاسلوب التقليدي لعلاج العجز المالي آثار جانبية خطيرة منها تعميق الركود ورفع الاسعار والتضخم, بالاضافة الي انه ربما يؤثر سلبا في القدرة التنافسية للصادرات السلعية المصرية مما قد يؤدي الي نقص حصيلة الصادرات من النقد الاجنبي الذي نحن في أمس الحاجة اليه. لهذا فمن الضروري أن نعيد النظر في أولويات مشاكل المالية العامة بالبحث عن حلول غير ركودية لا تمس رجل الشارع او قوته ولا تزيد من مستوي تدهور القوة الشرائية للجنيه المصري داخل مصر من جراء التضخم وارتفاع الاسعار. ودعونا نعترف بأن الوضع المالي للدولة صعب, لأن دخلها يقل عن مصروفاتها, وهو ما يستتبع بالضرورة الاستدانه مثلما يفعل أي رب أسرة عندما يعجز دخله الشهري عن إعالة أسرته ذات الاحتياجات المتزايدة والتي لابد من توفير مصادر غير إعتيادية لسدادها. فبإمكان رب الأسرة أن يقوم بعمل جمعية مع أصدقائه وأقاربه ويقبضها في بدايتها, أو أن يقوم بتقسيط المطالبات المستحقة عليه, أو بالاقتراض بالحصول علي سلفه من عمله بضمان مرتبه, أو أن يستبدل معاشه المستقبلي, أو أن يبيع ممتلكاته, أو غير ذلك. وكل هذه الحلول التقليدية الوقتية لا تزيد من قدرة رب البيت علي زيادة دخله لمواجهة الالتزامات الواقعة عليه والتي تتزايد بمرور الوقت. ولأن الحلول التقليدية سالفة الذكر ستؤدي برب الاسرة في نهاية المطاف أن يستمر في الاستدانة لسداد دينه, أو أن يبيع ممتلكاته دفعة واحدة او علي مراحل إلي أن تصفي تلك الممتلكات تماما, أو يلجأ الي ولاد الحلال ليساندوه بإعانات شهرية أو حتي وقتية, أو يعسر إن عجز عن كل ما سبق فيتم سجنه بتهمة عدم الوفاء بما عليه من ديون, فمن الطبيعي أن يبحث رب الاسرة الرشيد عن اساليب أخري تزيد من قدراته المالية بشكل مستديم حتي يستطيع تحمل أعباء الحياة المتزايدة. فتري ما هي الحلول الاخري غير التقليدية التي علمتنا إياها الحياة, والتي يمكن أن يلجأ اليها رب الأسرة ليعالج مشكلة تراكم ديونه؟ وعلينا أن نعترف أن الخيارات ليست كثيرة, لكن أمامه أن يختار ما بين القيام بالعمل في مكان آخر غير عمله الاصلي عملا إضافيا يمارسه خلال ما يتبقي له من ساعات اليوم دون إرهاق لصحته أو إهلاك لقدراته وإمكاناته البدنية والعضلية, أو أن يزيد من مستوي تعليمه أو درجة مهنيته وحرفيته ليستطيع الحصول علي دخل أو أجر أكبر, أو أن يستغل بعض ممتلكاته أو ممتلكات زوجته غير المستغلة سواء بتأجيرها أو المشاركة بها في مشاريع مدرة للدخل.ودعوني هنا أن أستغل أوجه الشبه بين رب الاسرة وبين الدولة, فمجموع الاسر في الواقع هو ما يكون سكان الدولة, وما تعاني منه الاسرة المصرية متوسطة الحال تقليديا هو ما تعاني منه الدولة المصرية, والحلول التقليدية لمشاكل العسر المالي التي تعاني منها مصر هي كتلك التي أمام رب الاسرة الذي يعاني, وستتحمل الدولة مثلها مثل رب الأسرة تبعاتها مع الاختلاف الطفيف في أن الدولة لن تسجن لعدم السداد. والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل أمام الدولة أساليب أخري لعلاج مشاكل عسرها المالي؟ هل يمكن أن تزيد من قدراتها علي توليد الدخل دون إهلاك لقدراتها؟ وهل يمكن أن تستغل إمكاناتها وممتلكاتها لتدر دخلا مستمرا يقيها شر الاستدانة؟ في يقيني أنه كان من الممكن ألا تلجأ الدولة والحكومة المصرية إلي المحظور الذي تمثل في الإجراءات التي إتخذتها والتي تزيد من حالة الركود بل تحوله الي حالة ركود تضخمي بزيادة الضرائب غير المباشرة في وقت يحتاج فيه الاقتصاد المصري الي حقنة إنعاش. نعم, كان يمكن أن تفكر قليلا في بدائل أخري أطرح بعضها للنقاش, بهدف تحقيق زيادة مستمرة ومستديمة في موارد الخزانة العامة, بعضها يمكن أن يتخذ قراره فورا, وبعضها يمكن أن يتخذ قراره خلال السنة المالية الحالية: ألم يكن بمقدور الحكومة أن تبدأ بالسماح بإنشاء بنوك جديدة إسلامية كانت أو تقليدية بنظام المزايدة علي سعر الحصول علي الترخيص من البنك المركزي؟؟ وليكن هناك حد أدني لسعر الفتح يمثل عائدا مناسبا للخزانة العامة. ألم يكن بمقدور الدولة أن تصدر رخصة رابعة للهاتف المحمول وأن تزايد علي قيمتها بين الشركات العالمية؟؟ وألم يكن بمقدور الدولة أن تطرح أراضي شمال غرب مصر بمنطقة العلمين وغربها للاستغلال الزراعي باستخدام مياه الامطار وبنظام حق الانتفاع الذي يدفع سنويا للدولة وبنظام المزايدة العلنية, علي أن يتولي المستثمر إزالة الالغام من الاراضي التي يتقرر له حق استغلالها لمدد يمكن أن تصل الي99 عاما؟ ألا يمكن طرح أراض صحراوية للإستغلال بنظام حق الانتفاع وبالمزايدة العلنية في إنشاء مدن طبية متكاملة أو مدن صناعية متكاملة أو مدن تخزينية للسلع التصديرية لمستثمرين مصريين أو عرب أو أجانب مقابل إتاوة سنوية تحصل عليها الدولة لتزيد من دخلها بدلا من بيع الاراضي وتحصيل قيمتها لمرة واحدة؟؟ وألا يمكن التحول عن نظام الرسوم الجمركية التي تدفع لمرة واحدة علي عدد من الواردات السلعية الاستهلاكية المعمرة( السيارات والمعدات وغيرها) إلي إتباع نظام جديد يعتمد علي فرض ضريبة سنوية التي تحصل مع ترخيص الاستخدام لتلك السلع أجنبية المنشأ, حتي تزداد الايرادات المالية سنويا وليس دفعة واحدة؟ ألا يمكن التوسع في منح تراخيص للقطاع الخاص المتخصص ليحل محل أنشطة تقوم بها الدولة حاليا وتحملها ما لا طاقة لها به من أعباء مقابل تحصيل الدولة لرسوم سواء عند منح التراخيص لأول مرة او عند تجديدها سنويا؟ وألا يمكن للدولة أن تدخل كشريك بالارض مع الغير لخلق مدن عمرانية جديدة تؤجر مقابل دخل سنوي؟ هذه أفكار تمويلية تبتعد عن فكرة بيع الاصول والممتلكات التي تولد دخلا لمرة واحدة, وهو للأسف ما اتبعته حكومات الحزب الوطني البائد, وتبتعد عن فكرة فرض الضرائب الجديدة أو زيادة القائم منها حتي لا نثقل كاهل الاسرة المصرية. فاستغلال إمكانيات مصر الهائلة يمكن أن يتم بسرعة؟ والحصيلة يمكن أن تكون كبيرة ولكن.... لا بد من الاستقرار السياسي اولا... ولا بد من إعلان توجهات الدولة اقتصاديا للداخل والخارج...ولا بد من فتح شهية المستثمر الوطني اولا قبل المستثمر الاجنبي. وللحديث بقية... محافظ البنك المركزي السابق