يخشى الثوار السوريون أن ينتهي بهم المطاف بالعودة إلى الوراء بدلاً من تطوير بلادهم ومجتمعهم والسبب هو تسلل الجهاديين السلفيين إلى سوريا. ويقلق الثوار أن يقتنص الجهاد ثورتهم ويعيدهم "للقرن السابع الميلادي". غادر أبو اسماعيل، المقاتل المخضرم الذي أمضى ست سنوات في صفوف تنظيم القاعدة، العراق متوجهاً الى سوريا بعد أن أمّن المال من متبرع في مدينة اربيل شمال العراق. وتوجه إلى تاجر سلاح في مقاطعة الأنبار، وهي منطقة نائية كانت منذ وقت غير طويل محط قدوم الجهاديين من سوريا، لتصبح الآن نقطة الانطلاق في الاتجاه المعاكس" وتنقل صحيفة الغارديان عن أبو اسماعيل قوله "كان الأمر سهلاً، المال لم يكن مشكلة ولا السلاح ولا الدافع. سيكون هذا قتال ضد العدو الأكبر"، مضيفا "أنا لا أهتم بالمستقبل، يهمني اليوم الحاضر. لقد قال رسول الله انه ستكون هناك معركة بين الفرس والسنة، وها قد أتت". ويعتبر المقاتل العراقي ان كل من حاربوا المسلمين سيكونون أعداءه حين تسقط الأنظمة، وهي اليوم يعد لمعركته في سوريا حيث استأجر منزل يمكنه من التنقل إلى جبهة القتال حينما يشاء، كما فاز بتأييد بعض وحدات الثوار بالمنطقة، حتى انه تزوج ابنة عم أحد المقاتلين. لكن هذا التأييد لا يسر جميع المقاتلين ولا يشعرهم بالطمأنينة أيضاً، إذ يقول الثوار الشباب ان هذا الزواج عبارة عن "تبادل للمصالح" ويشيرون إلى أبو اسماعيل على أنه "السلفي الذي لا يمثل طريقة تفكيرنا". وفي الوقت الذي تستمر فيه أهوال الحرب في سوريا، تحولت الاشتباكات إلى صدام للأيديولوجيات أكثر مما هي معركة للقوى العسكرية. وتبدو الخطوط الأمامية التي شوهت الأحياء والمواقع الأثرية في حلب، على الرغم من مأساويته، شبه ثانوية أمام أهمية تحديد نوع المجتمع الذي سيخرج من بين الأنقاض، يوماً ما. تلتزم المعارضة السورية بمبادئ الثورة التي اندلعت في سوريا ضد القبضة المحكمة التي يطبقها نظام الرئيس بشار الأسد على حياتهم. لكن هناك مؤشرات على أن القيم الأولى للثورة بدأت تبهت لتحل محلها أفكار متطرفة لا تحظى بتأييد أغلب المواطنين أو المقاتلين. وقال محمود رزق، وهو تاجر في إحدى الضواحي الدمشقية: "نريد فقط ما حصل عليه الشعب في مصر وتونس: الحرية وفرصة التقدم في الحياة. لكننا ظننا أن الأمر سيستغرق 19 يوماً كما حدث في مصر، والآن أصبحنا في الشهر ال 19. لم نكن ندرك أن الأمر سيكون صعباً لهذا الحد". بالنسبة لكثر من الثوار، فإن الجهادي العراقي يجسد واحدة من أبرز المشاكل التي تواجه ثورتهم. وعلى الرغم من أن معظم الرجال في أحياء مدينة حلب هم محافظون وأتقياء، إلا أنهم يرفضون رؤية الأزمة التي تبتلع سوريا تتحول إلى صراع ايديولوجي، فالمعركة بالنسبة لهم معركة من أجل تقرير المصير وليست معركة وجودية للقضاء على الخصم. وقال أبو عبد الله، أحد كبار السن في البلدة: "أما هذا الجهاد العالمي الذي يتحدثون عنه؟ سنكون مثل الدمى بين أيديهم، مثل العراق. حين يحققون ما يريدون، سيطالبون بأن نعود إلى القرن السابع، تحت حد السيف". لم يخفِ أبو اسماعيل أمنيته بأن تكون سوريا مركز "نهضة تقودها القاعدة" ولا ما كان يفعله في العراق، فيقول إن التنظيم يحضر نفسه لخوض المعركة في سوريا لتعزيز موقعه. "كنت عضواً في القاعدة منذ العام 2005 وحتى العام 2011. انضممت إليهم مع والدي حين كنت في السادسة عشرة من عمري، وكنت ناشطاً في العديد من مجالات التنظيم، باستثناء فترة شهر ونصف قضيتها في السجن"، يضيف أبو اسماعيل. واشار إلى أن النظام السوري وحزب الله وايران يقولون إنهم يريدون حماية مسجد السيدة زينب في دمشق، فيقول إن "جيش المهدي وحزب الله يستخدمون ذلك كغطاء للدخول إلى بقية المناطق في سوريا لكننا لن نسمح لهم وسوف نهاجمه. قد لا ندمره، لكن سنهاجمه كي نخرجهم منه". وأضاف: "هناك نحو خمسين عراقياً في كل منطقة بشمالي سوريا وربما أكثر. لم يكن من الصعب القدوم إلى هنا، يمكننا أن نقاتل حيثما نشاء، وستكون مشيئة الله". ويشعر المقاتلون أن المشاكل بدأت تختمر بينهم وبين الجهاديين في البلاد، ويعتقدون ان مواجهة جديدة تلوح في الأفق. وقال أحد الثوار عند نقطة تفتيش قرب السوق القديم وسط حي الميدان في مدينة حلب: "سأمنحهم ستة أشهر، ربما سنة، كنت في العراق أقاتل الأميركيين ورأيت كيف تغيروا حين أصبحت القوة بأيديهم"، فيما اعتقد مقاتل آخر إن تسلل القاعدة هو ما يسعى إليه الأسد كي يثبت أنه يحارب المتطرفين وليس الشعب.