البيت الأبيض: ترامب سيدعو دول عربية للمساهمة في تمويل الحرب على إيران    اندلاع حريق في ناقلة نفط بعد استهدافها في الخليج العربي    تقرير أممي: تحسن الأمن الغذائي في اليمن بشكل طفيف    دراسة: خطاب الإصلاح منسجم مع ممارساته والحملات ضده مسيّسة ومناقضة للواقع    مباحثات روسية سعودية في الشأن اليمني    بيوتٌ لا تموتْ    خلافات التجارة الإلكترونية تُفشل محادثات منظمة التجارة العالمية    مجموعة السبع تؤكد اتخاذ كافة الإجراءات لاستقرار أسواق الطاقة    أدب الروح بين التأمل والفلسفة: قراءة نقدية في «تعاليل وتباريح روحانية» ل"خولة الأسعد"    أدب الروح بين التأمل والفلسفة: قراءة نقدية في «تعاليل وتباريح روحانية» ل"خولة الأسعد"    تدشين فعاليات الأنشطة والدورات الصيفية بصعدة    الجزائية بالامانة تواجه متهم بالتخابر بالتهم المنسوبة اليه    الأربعاء موعد الحسم الشعبي في عدن: لا لإغلاق مؤسسات الجنوب    وقفات قبلية مسلحة صعدة تبارك عمليات القوات المسلحة    أحمد عثمان: تعز اليوم تُجدد دعمها للسعودية والخليج في مواجهة المشروع الفارسي    توجيهات للخنبشي باقصاء أبناء الجنوب من لواء بارشيد وتثبيت قوى الشمال في حضرموت    أطلقتا من اليمن.. الجيش الإسرائيلي يعلن اعتراض مسيّرتين فوق إيلات    الفريق الصبيحي يشدد على ضرورة توجيه الجهود الدولية والتنموية نحو المناطق المحررة    لا تعترضوا غضب الجنوب.. المساس بالانتقالي سيشعل الشارع ويفجر المواجهة    "وثيقة" حضرموت.. تعميم بمنع حمل السلاح في المحافظة والمحافظ يوجه الجيش والأمن بتنفيذه    اجتماع بتعز يقر تسيير قافلة إغاثية ل 1500 أسرة متضررة من السيول بمديريات الساحل    الأرصاد تحذر من العواصف الرعدية والانهيارات وينصح بعدم التواجد قرب أعمدة الكهرباء والأشجار    عدن.. مجلس إدارة البنك المركزي يتخذ عدد من القرارات التنظيمية    الركراكي مرشح لقيادة منتخب عربي في كأس العالم    لا ترمِها بعد اليوم! الفوائد المذهلة لقشور الجوز    الرئيس المشاط يعزي في وفاة السفير عبدالوهاب بن ناصر جحاف    "فترة عصيبة".. أنباء سيئة عن حالة كورتوا    24 ألف طالب وطالبة يؤدون اختبارات الشهادة الأساسية في ذمار    في الموجة ال 86.. الصواريخ الإيرانية تدك قواعد أمريكية ومصانع عسكرية إسرائيلية    حذر الرياض من المماطلة في استحقاقات السلام.. الرئيس المشاط : صبر الشعب اليمني لن يكون بلا نهاية    نائب وزير الإعلام: اغتيال الصحفيين يعكس فشل العدو الصهيوني    تفانٍ مروري يستحق الشكر والتقدير    مدير مكتب الاقتصاد والصناعة والاستثمار بالحديدة:نعمل مع القطاع الخاص وفق شراكة حقيقية لتشجيع الانتاج المحلي    مرض السرطان ( 5 )    جمارك المهرة تعلن ضبط الجهاز رقم "16" لتعدين العملات الرقمية    البنك المركزي يقر إجراءات لمعالجة شح السيولة وتعزيز استقرار العملة    "سنعود".. مسرحية لنازحين ببيروت تجسد المقاومة الثقافية ضد اسرائيل    تقرير حكومي: وفاة 15 مواطنا وفقدان 9 آخرين جراء سيول الأمطار غربي تعز    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    لجنة الطوارئ بتعز توجه بالتدخل العاجل لإغاثة المتضررين من السيول    الأرصاد يؤكد استمرار فرص هطول أمطار متفرقة خلال الساعات القادمة    اتحاد كرة القدم ينفي تأجيل انطلاق الدوري اليمني    صنعاء.. منزل مهجور في سنحان يودي بحياة ثلاثة أشخاص    دراسة: الرياضة المبكرة تخفض مخاطر السكري بنسبة 30%    اتحاد كرة القدم ينظم دورة تنشيطية للحكام استعدادا للدوري اليمني    الزامل اليمني وملحمة النصر..    أحمد قعبور يغادر تاركاً إرثاً فنياً يخلّد القضية الفلسطينية    الاتحاد الآسيوي يقر تأجيل مباراة المنتخب الوطني ونظيره اللبناني إلى مطلع يونيو المقبل    صمود الإمارات يعكس قوة النموذج لا مجرد القدرات الدفاعية    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    العيد ولعبة الكراسي    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    شبوة.. عندما يبكي التاريخ في حضرة التقسيم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«طرفا الحرب» تعبير مغلوط وإصطلاح فاسد
نشر في الخبر يوم 19 - 11 - 2015

إن نقطة انطلاقك أو بداية تأسيس كتابتك الايديولوجية / الفكرية، في قراءة وتحليل أي صراع سياسي / اجتماعي طبقي، سواء داخلي (وطني) أو خارجي (عالمي) هي بداية وراية إعلانك عن اسمك، هويتك، هي لحظة تعريفك عن نفسك (موقفك، ورؤيتك السياسية) قل لي أين تقف؟، وإلى جانب من؟، أقل لك من أنت، وماذا تريد أن تعمله، أو توصله للناس، ودائماً يقال إن الكثير من الاختلافات (أحياناً) تكون مؤسسة من نقطة البداية والانطلاق. كما أن كثيراً من المساجلات أو الحوارات والنقاشات الجادة، والاختلافية حتى بين المتفقين سياسياً، والمنطلقين من أرضية أيديولوجية واحدة يكون سببها في الغالب عدم تحديد المصطلحات، والمفاهيم، بدقة، ووضوح، أو عدم تقديم تعريف أو تشريح ايديولوجي، سوسيولوجي (اجتماعي اقتصادي) حول ماذا تريد مما تقوله، أو تكتبه، فليس هناك في هذا المجال، أن المعنى في بطن الشاعر، أو أن الغموض في الموقف، والرؤية، سببهما يعود لفئة القصيدة عالية التكنيك، يصعب معه إدراك المعنى، من قراءة أولى.
ففي حقل ومجال البحث السياسي، والصراع السياسي الاجتماعي، والتحليل السوسيو/سياسي النقدي لا يمكنك القول إن القراءة تحتمل هذا المعنى أو ذاك، هذا التأويل أو ذاك، أو أن المعنى في بطن الشاعر، أو الذهاب مع قول أبو الطيب المتنبي (وما ذنبي إن لم تفهم البقر) فأنت في حقل الفعل الثوري، والصراع السياسي / الاجتماعي، مطالب بتحديد موقف سياسي / طبقي، أنت أمام تحديات صراعية سياسية، عسكرية، كفاحية قائمة، في ضوء مجرياتها الراهنة، قد يتحدد مستقبل البلاد كلها، مطلوب منك ليس فقط إعلان وتقديم رؤيتك، بل مطلوب موقفك الكفاحي الواقعي، وهنا أؤكد موضحاً أن ليس مطلوباً منك حمل السلاح، والمشاركة الحربية، بالنزول إلى قلب الصراع العسكري، فقط مطلوب رؤيتك الواضحة المحددة، تجاه ما تسميه «طرفي الحرب» قل لأعضائك، وجماهيرك لماذا أنت ضد «طرفي الحرب» ومن هما برؤية سياسية واضحة؟ في إدانتهما، بعيداً عن الخطاب العمومي المجرد، لأنه من غير المفهوم، في ضوء ما هو جارٍ وفي واقع ما وصلت إليه أحوال البلاد من خراب عظيم، ومن فساد أعظم، ومن مصادرة للحريات، ونهب منظم وممنهج للمال العام، ومن تدمير فاجع للطبقة الوسطى، ومن مجاعة، وكوارث إنسانية، ومن إلغاء للجمال السياسي، وملشنتة للدولة، بعد اختطافها، ومن خراب عظيم طال تدمير وتفكيك للنسيج الاجتماعي والوطني، من غير المقبول، واللامعقول، واللاواقعي، توجيه خطاب لفظي إنشائي حول «طرفي الحرب» واعتبار نفسك خارج ما يدور، وما يحصل، وكأنك «محكَّم» أو حكم أو في وضع المصلح بين الفئتين، المتنازعتين، المتحاربتين «طرفي الحرب»، فلتترك دور الوعظ والارشاد، والنصح، لرجال الدين، والشخصيات الاجتماعية العامة، ودور الصلح، والحكم العام، أو المحكم هنا للأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والجامعة العربية، وجميعها قد دخلت طرفاً في قلب الصراع السياسي، والفكري الجاري، بحثاً عن مداخل للأزمة السياسية القائمة، ودورها جميعاً معلوم، ومعلن.
مطلوب اليوم من المثقف العضوي، وليس فقط من المكون السياسي الثوري (المعارض)، أن يقولا كلمتيهما، وأن يحددا دوريهما، وموقعيهما، وموقفيهما، مما يجري، ولا يجوز فيما يجب أن يقولاه، ويكتباه، أن يكتنفه الالتباس، والغموض، والعمية، والمراوحة، والمداورة، والمراوغة، وخاصة بالنسبة للمكون السياسي الثوري، لأن غياب الموقف السياسي الواضح، والمباشر، والمحدد، وكذا ضبابية الرؤية، والالتباس والمراوغة في القول والموقف (بين بين) قد يقود إلى نتائج سلبية خطيرة ليس على المكون الحزبي المعني، بل وعلى أحوال ومستقبل الكيان (المجتمع، والدولة) وهو ما يجب التنبه له، خاصة في الظرف الراهن، الذي يصبح معه الحديث عن «الطرف المستقل» و»القوة الثالثة» و»الكتلة الثالثة» ضرباً من العبث وسخرية من الواقع، والتاريخ. وهو ما يذكرني بحديث البعض في قلب الصراع السياسي الاجتماعي، الوطني، دفاعاً عن ثورة 26 سبتمبر 1962، والجمهورية، «الصراع الملكي الجمهوري في طابعه المحلي، الوطني والقومي» المدعوم سعودياً، وغربياً، (62-1970) بقولهم انهم الطرف الثالث أو «القوة الثالثة» و»الطرف المستقل» في قلب الصراع السياسي، الوطني، والاختلاف هنا مع تبدل المواقع هو في الشكل، والنوع، وليس في الطبيعة، والجوهر.
وهنا يمكنني القول دون أي مجازفة إن الجذور المسببة، والمنتجة للحرب الجارية، لا يمكننا فصلها موضوعياً، وفي سياق امتدادها التاريخي، عن الجذور الايديولوجية، والسياسية، والوطنية التاريخية – مع اختلافات نسبية في الدرجة – مع ما جرى طيلة سنوات 62-1970 – وصولاً إلى حرب 1994، جميعها، هدفها ضرب النظام الجمهوري، «وتوريث الحكم» في صورة الحفاظ على ما تبقى من دولة سلطة المركز السياسي العصبوي التاريخي (المقدس)، وهو ما يفسر تحالف الحوثي/صالح الاستراتيجي القائم اليوم في امتداده الصراعي الاقليمي.
وفي تقديرنا لا يستطيع اليوم، كائناً من كان (قائد سياسي، أو حزبي، أو باحث في الفكر السوسيو/سياسي، أن يقول لنا إن الصراع الجاري في اليمن ليس معولماً، ومدولاً، ومعرباً، ومؤقلماً، هو في الواقع يحمل كل دلالات، ومعاني، ومضامين هذا الصراع، وملامحه، ووقائعه، وحقائقه تعلن عن نفسها، بكل جلاء ووضوح، حتى قبل أخذ الصراع شكله وأبعاده العسكرية، وهنا عليك كباحث في الفكر السوسيو/سياسي، أو كمكون سياسي، أن تقول وتحدد موقفك من الصراع السياسي الجاري، حتى نعرف أين أنت تقف بالضبط؟، أو على الأقل هل أنت قريب أو شبه متفق معه؟، لأنه لا يمكن وقوعك، ووقوفك فوقه، ولا خارجه، ولا يجوز لنا التخفي خلف اصبعنا لنقول كل شيء، ولا نقول شيئاً له صلة بطبيعة، ومضمون ما يدور من صراع نحن في قلبه، كأفراد، ومكونات، ومجتمع، بأطيافه وشرائحه، وطبقاته المختلفة.
إن اصطلاح أو تعبير «طرفي الحرب» ليس لا يستقيم على قاعدة نظرية (فكرية/ سياسية) صلبة، بل هو اصطلاح لا تسنده حقائق ووقائع ما يجري من صراع سياسي في الواقع اليوم، هو باختصار صراع بين مشروعين في السياق التاريخي، قل عنهما ما شئت في التفاصيل السياسية، والاجتماعية الصراعية، ولكنهما في التحليل الأخير صراع سياسي بين مشروعين: أحدهما يريد الحفاظ على ما تبقى من دولة سلطة المركز السياسي القديم في جميع تفاصيله، وآخر يحاول مستنداً إلى تحالفاته السياسية الداخلية، وتقاطعات مصالحه مع الأقليم، أن يدخل إلى مشروع بديل، أو متمايز عن النموذج السياسي التاريخي (الإمامي / الجملكي)، كيف سيكون هذا «البديل» أو المتمايز محققاً لأحلام وتطلعات الناس؟، أم ينكسر بهم وتطلعاتهم في منتصف الطريق؟، الأمر هنا متروك لإرادة الناس (المكونات السياسية، وقوى الشعب صاحبة المصلحة) في استجماع قواهم في مجرى الصراع للدفاع عن حلمهم، بدولة مدنية اتحادية ديمقراطية. كيف سيعبر هذا المشروع وقواه من النفق؟، وكيف سيعبر عن إرادته، وعن نفسه، في مجرى هذا الصراع الجاري؟، هذا محكوم – كما سبقت الإشارة – بدور، وفعل، ومكانة، وإرادة قوى الحداثة السياسية والاجتماعية، وقوى الشعب كافة، في السير باتجاه التغيير..، محكوم بإدراكنا معاً (مكونات سياسية، ومنظمات وقوى مجتمع مدني، وشعب) بمصالحنا السياسية، والاجتماعية، والوطنية التاريخية.
إن تعبير أو اصطلاح «طرفي الحرب» وتنويعاته البسيطة على أصله: مثل القول «بالطرف المستقل» أو القول «بالقوة الثالثة» و»الطرف الثالث»، جميعها لا صلة لها بالحقائق والوقائع الحاصلة على الأرض، ولا تقدم رؤية تشريحية، سياسية، اجتماعية، طبقية، لطبيعة الصراع، وجوهره، ولا تلامس تعقيداته، في جذوره السياسية التاريخية، ولا تقترب من تشابكاته وتقاطعاته الاقليمية / الدولية (ضمن علاقات الداخل بالخارج) في شروط تحولات العولمة السياسية، والاقتصادية الجارية، على طريق تشكل منظومة جديدة للصيغة الدولية تعددية، عوضاً عن نظام القطب الواحد، وليس المحاولات الايديولوجية، والعسكرية، المذهبية، وتطييف (طائفية) الصراع في صور بؤر الحرب الأهلية / الطائفية المتناسلة في المنطقة العربية (العراق، سوريا، لبنان، اليمن)، وفي امتدادها الاقليمي / الدولي، سوى واحدة من تجليات هذا الصراع، الاقليمي / الدولي، الذي نجد أنفسنا كعرب الطرف الأضعف فيه، وساحات حربية له.
إن تعبير أو اصطلاح «طرفي الحرب» في ضوء ما هو حاصل وطنياً، وعربياً، واقليمياً، أقل ما يقال فيه إنه تعبير ملتبس، مراوغ، مداور، يتلطى خلف كلمتين، تقولان كل شيء في عبارة ناقصة، غير مفهومة، ولا تقولان جملة مفيدة، لها صلة بجوهر الصراع كما في تفاصيله السياسية، والاجتماعية، والايديولوجية، والوطنية، اصطلاح هروبي، عمومي، فضفاض، يحاول أن يظهر نفسه، حيادياً، مستقلاً، طرفاً ثالثاً بين طرفين، جاعلاً من الطرفين كتلة واحدة متساوية، بعد أن وضعهما في مستوى واحد، بما فيه المسؤولية، والفعل، والدور الممارس في قلب الصراع.
في الفكر السياسي الاجتماعي التحليلي النقدي، لا مكان للقراءات الملتبسة، المواربة، التعميمية، التي تحاول أن تظهر نفسها، أنها تقرأ، وتشاهد، وتراقب، الصراع بين الطرفين من بعيد، ولا شأن لها بما يحصل، (صفارة حكم) كمن يشاهد فيلماً، أو مسرحية، علماً أنه حتى من يشاهد الفيلم، أو المسرحية، يجد نفسه متضامناً، أو منحازاً، أو قريباً ممن يراه حقاً، أو مظلوماً، ولذلك أرى ان تعبير «طرفي الحرب» ملتبس، مراوغ، مهادن، عمومي، حتى لا أقول أكثر من ذلك، اصطلاح هو نتيجة أو خلاصة كلام وحديث قرأناه كنتيجة، ولم نعرف أو نقرأ المقدمات التشريحية، التحليلية لهذه النتيجة «طرفي الحرب» كأننا أمام خبر بدون مبتدأ (حتى مبتدأ مؤخر)، اصطلاح يختصر، موقفاً وواقعاً، كما يختصر كلاماً طويلاً، كان يجب أن يقال ويكتب كمبتدأ، يأتي بعده الخبر لتكتمل صورة الجملة المفيدة كما تقول لغتنا العربية.
إن ما يجري في واقعنا اليمني اليوم، هو صراع سياسي، اجتماعي، طبقي، على السلطة والثورة، صراع له جذور، السياسية، والأيديولوجية التاريخية (القريبة، والبعيدة) وله تفاعلاته وتقاطعاته الإقليمية والدولية. صراع يعلن عن نفسه بكل شفافية ووضوح، فقط اصطلاح «طرفي الحرب» هو من لا يريد أن يرى كل ذلك -على بشاعة ووحشية ما يحصل- رافضاً تسمية الأشياء بأسمائها، والخشية كل الخشية ان يسخر منا التاريخ، ونحن نلعب بحقائقه، ووقائعه كيفما نشاء، ثم يعاجلنا بمكره، فاضحاً زيف ما نذهب إليه من أقوال وطروحات، ذاتية، وأوهام تخصنا وحدنا.
فهل يعقل وفق منطق أو اصطلاح «طرفي الحرب» أن نضع من انقلب على الشرعية الدستورية، على كل التوافقات السياسية، وعلى العملية السياسية السلمية، ومخرجات الحوار الوطني الشامل، وذهب منفرداً وبتحالف استراتيجي مع من ثار عليه كل الشعب اليمني، في ثورة شعبية غير مسبوقة، في صورة أكثر من ثمانية عشرة مليون ثائر غطت مساحات شوارع الجمهورية كلها (في الشمال والجنوب)، ثورة قدمت على مذبحها الآلاف من الشهداء والجرحى، مع من جرى الانقلاب عليه، ووضع تحت الإقامة الجبرية، هو والحكومة، بعد أن احتلت كل المواقع والرموز السيادية للدولة، والجمهورية (دار الرئاسة، القصر الجمهوري)!!.
هل يعقل أن نضع من فجر الحرب، ومدها إلى كل البلاد، مع من يقف في مواجهته؟، ثم إن اصطلاح أو تعبير «طرفي الحرب» لا يقدم توضيحاً، أو إجابة على: ما أثر الحرب الداخلية التي فجرها تحالف الحرب على وضع ومكانة القضية الجنوبية، وعلى مستقبل الوحدة اليمنية؟، ثم أين يضع اصطلاح «طرفي الحرب» المقاومة الشعبية الداخلية؟، هل هي ضمن طرفي الحرب، أم هي خارجهما؟، أو هي قوى عميلة، خائنة، تابعة للتحالف الخارجي؟، هل المقاومة الشعبية تدخل ضمن القوى التقليدية، الدينية، الرجعية، المتخلفة؟!!، ثم عن ماذا يقاتل الحوثي، وصالح في جميع المحافظات التي ذهب إليها؟. أسئلة عديدة لا يجيب عليها تعبير أو اصطلاح «طرفي الحرب» لأنه في الأصل لا معنى ولا قيمة معرفية، أو فكرية، سياسية تحليلية له، ومن هنا تهافته، وسقوطه في محك أي تشريح فكري، سياسي، نقدي حول ما يجري، ويحصل.
إن السؤال الواقعي، هل نحن حقاً أمام طرفين بالمعنى السياسي، والاجتماعي، والطبقي؟، أم أننا أمام أطراف متباينة عدة، مختلفة حتى على صعيد كل طرف؟.
إن ما نستطيع أن نراه ونقرأه بجلاء ووضوح -كما سبقت الإشارة- هو أننا أمام مشروعين، وتحالفين سياسيين، واسعين، من الصعب اختزالهما وتعريفهما، أو جمعهما حصراً، ومساواة، في اصطلاح «طرفي الحرب».
إن الخطورة السياسية التي لا يدركها البعض في ذهابهم لتعميم القول «بطرفي الحرب» هو تحويلهما الطرفين إلى شرعية، وأن لكل منهما الحق في الدفاع ولو عسكرياً عن شرعيته، وكأننا أمام شرعية، في مقابل شرعية، حرب في مقابل حرب، وبذلك ندخل والبلاد كلها إلى دائرة فوضى الشرعيات، بعد إقرارنا بشرعية التغلب، والقوة، والتغلب، والحرب، في واقع الممارسة السياسية.
إن تعبير أو اصطلاح «طرفي الحرب» هو تعبير ملتبس، مراوغ، مهادن، فيه من نظرية «التقية» و«الحماية الذاتية» الكثير، اصطلاح يطمس جوهر الصراع السياسي، الاجتماعي، الطبقي، والوطني الجاري، بالذهاب بالبلاد للمساومات غير المشروعة والأهم الذهاب بالقرار للمساواة بين ما يسميه «طرفي الحرب» بعد حشرهما في سياق واحد، ووضعهما في مصاف متساوٍ في كل شيء، وهو قطعاً منطق يقود إلى الفوضى، وإلى خلط الأوراق في الواقع، وتوليد في واقع الممارسة أكثر من شرعية، ما دامت القوة، والتغلب قادرين على فرض نفسيهما بقوة الحرب، والعصبية. (منطق وأيديولوجية الخروج على الإمام أو الحاكم كيفما اتفق) ما دامت القوة جاهزة، وحاضرة، لفرض منطقها العسكري / الحربي، على الأرض. وهو منطق وواقع يشجع على إنتاج وتوليد بؤر الصراع المسلحة، وتعميم ثقافة القوة والحرب. منطق يقلص ويضيق من فرص الوصول إلى حلول سياسية، بالانتقال من السيئ إلى الأسوأ.
والأهم هنا أن تعبير أو اصطلاح «طرفي الحرب» يقفز على حقيقة الانقلاب السياسي، على الشرعية الدستورية، والتوافقية، بافتراضهم أن الانقلاب البديل كان جاهزاً وهو الأخطر، ومن هنا تأكيدنا ان الانقلاب العسكري، والسياسي على كل التوافقات، هو الجذر، والأصل، الذي لا يمكننا تجاوزه، أو القفز عليه، وهو ما يحاوله اصطلاح «طرفي الحرب» مع الأسف.
نحن اليوم في لحظة سياسية، ثقافية، حضارية، فارقة، هي آخر أشواط حرب الجمهورية، والملكية، في طبعتها الإمامية الجديدة / والجملكية، والتاريخ بمكره يختبرنا، ويضعنا، بل هو يفرض علينا أن نحدد خياراتنا بوضوح، مع تحالف مشروع بناء الدولة الاتحادية، على تعقيدات هذا التحالف والطريق إلى هذا المشروع، أو مشروع العودة بنا إلى حروب سياسية، ماضوية، لإعادة إنتاج وبناء ما كان. بادر واعترف ان مشروع بناء الدولة الاتحادية ليس كاملاً وجاهزاً للبناء عليه بيسر وسهولة، والطريق اليه معبد بالأشواك، ولكنه يحمل في داخله بشائر الأمل، وبصيص النور، أمام مشروع ظلامي كهنوتي.
(نحن كمن معه بيت بحاجة إلى بعض التشطيبات، وآخر يحاول هدم وخراب البيت كله).
ومن هنا وقوفي كشخص مع خيار بصيص النور، في لحظتنا الفارقة هذه وهو مخرجنا للعبور من النفق.
في تقديرنا لن يعيش هذا الخراب السياسي والاجتماعي، والتدمير النفسي، والشرخ الوطني، الذي أنتجته حرب الغنيمة، على السلطة، والثروة، طويلاً، ففي قلب الرماد وميض نار، وجمر -كما قالها الشاعر والأمير نصر بن سيار- جمر سيضيء وجه صوت ووجه المستقبل، جمر لن تطفئه حرب الاسترداد والتوريث للجمهورية، وهي دعوة للجميع لعدم الخضوع لما أنتجته الحرب، من انحطاط، وانتكاسة في الوعي الوطني، والديمقراطي، وعلينا جميعاً استئناف رحلة البحث عن الذات، والوطن المصادر في جب العفن السائد. رحلة جدل عقلاني نقدي خلاق، لتصحيح وتقويم اصطلاح «طرفي الحرب» الذي أنتجته ايديولوجية، ونفسية مهزومة، باسم الواقعية السياسية الزائفة.
ونكرر ثانية وعاشراً أنه اصطلاح ملتبس، مراوغ، لا ينصت للواقع، ولا يسمع موسيقاه، ويدعي الرقص، والكتابة على إيقاعات موسيقاه، هو باختصار اصطلاح مغترب عن ذاته، وعن الواقع، متوحد بقناعاته الذاتية الخاصة، فالفكرة الايديولوجية، والسياسية، المسبقة أبداً لا تعبأ بالحقائق والوقائع، بل هي لا يهمها ولا يعنيها الواقع في تفاصيله الدقيقة مستبدلة إياه بأوهامها الايديولوجية، ومن هنا صعود وظهور اصطلاح «طرفي الحرب»، و»القوة الثالثة» و»الطرف المستقل» و«الطرف الثالث»… إلخ.
ختاماً:
لا خيار أمامنا جميعاً اليوم سوى الخروج من حالة الصمت، والخوف، والارتباك، والتشوش، التي شلت، وأضعفت المكونات السياسية عن الفعل السياسي، والجماهيري الملموس في الواقع، من خلال أهمية، وضرورة ربط السياسية، بالشارع، وبحركة الجماهير الواعية، المنظمة، وبالدعوة الصريحة والواضحة لإيقاف الحرب الداخلية عنواناً لمبادرة سياسية واقعية، كعنوان لحسن النوايا، وبادرة ثقة تجاه الداخل، مبادرة تضع الداخل، والخارج تحديداً أمام المحك، والقبول الفعلي بالدخول لتنفيذ القرار الأممي (2216)، في روح نصوصه العامة، وبما يحفظ سلامة، وحق مشاركة الجميع، في العودة للعملية السياسية، كأطراف ندية، متكافئة، دون ثأر، ولا انتقام، وبرعاية أممية، وعربية، تحدد أدوات وآليات، وطرائق إنفاذ وإنجاز ذلك على طريق عدالة انتقالية، تحفظ وتحمي حقوق الضحايا، والجميع.
المصدر | الإشتراكي نت


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.