البيان السياسي ليوم الشهيد في عتق يؤكد التمسك بالانتقالي ويرفض حلّه    تدشين صرف الزكاة العينية من الحبوب في الحديدة    نائب وزير الخارجية يهنئ إيران بمناسبة ذكرى انتصار الثورة الإسلامية    برشلونة يعلن غياب راشفورد أمام أتلتيكو مدريد    باحث يكشف عن تهريب تمثال أنثى نادر خارج اليمن    عاجل: شبوة برس ينشر صورة أول شهيد في عتق الشاب محمد خميس عبيد خبازي    قوات أمن شبوة تطلق النار من أسحلة رشاشات ثقيلة على المتظاهرين في عتق    صنعاء تُحيي ذكرى 11 فبراير    إيران تنزل إلى الشوارع في ذكرى الثورة وتوجّه رسائل حاسمة للعالم    مصلحة التأهيل والإصلاح تناقش جوانب التنسيق لمعالجة أوضاع السجون    تهريب تمثال يمني نادر يعود للعصور السبئية    عرض خرافي.. كم يبلغ راتب صلاح المتوقع في الدوري السعودي؟    "روبلوكس" والضريبة الباهظة للغزو الرقمي الناعم الذي يستهدف بيوتنا    عاجل: اقتحام منصة احتفال في عتق وتكسير محتوياتها قبيل إحياء ذكرى يوم الشهيد الجنوبي    انفجارات وقتلى وإصابات وانتشار مدرعات في تعز    دعوات للاهتمام بمصادر الطاقة البديلة في اليمن    ماغواير يقترب من التجديد لليونايتد    كأس إيطاليا .. سقوط نابولي    دوري أبطال آسيا للنخبة: اتحاد جدة يكتسح الغرافة بسباعيّة    من عدن إلى المكلا.. فعاليات الجنوب ترسم مسار الإرادة الشعبية الواحدة    وزير المالية: دعم المنتج المحلي يمثل بداية الطريق نحو تحقيق التنمية المستدامة    البدوي الشبواني.. لا تحد فلان على الباب الضيق... حين يُدفع الشعب إلى الحافة    ترتيبات لاتفاق جيولوحي بين اليمن والسعودية    عذابات "حاشد" تشعرني بالخجل من كل شيء    مديرالمواصفات يشارك فيادات حكومية زيارة لمصانع قيد الإنشاء ومراكز تجميع الحليب    هل تتدخل جهات دولية لإيقاف جرائم تهريب النفط اليمني الخام؟!    حجة.. جمعية الحكمة اليمانية الخيرية تدشّن مخيم عيون لإزالة المياه البيضاء بمديرية عبس    الاستمرارية في تأمين دفع رواتب موظفي الدولة.. بين الدعم الخارجي والحلول المستدامة    الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا تحذر من نفاد الأدوية الأساسية للمرضى    عدن.. سلطات البريقة تمنع التخييم والانشطة البشرية في جزيرة العزيزية    نقابة الصحفيين والاعلاميين الجنوبيين تحيي حفل تأبين الفقيدة أشجان المقطري    تراجع طفيف في أسعار النفط مع تقييم مخاطر الإمدادات    وزير التعليم العالي أمين القدسي: لن أؤدي اليمين خارج اليمن.. واحترام السيادة فوق كل اعتبار    دراسة: التناول المعتدل للشاي والقهوة يقلل خطر الإصابة بالخرف    ليفربول يتخذ قرارا بشأن مستقبل سلوت    مخاطر استخدام شبكة ستارلينك على الأمن القومي والسيادة الوطنية    الأرز اليمني يُباع في "سوق الخميس" بصنعاء    السامعي يعزّي وكيل أمانة العاصمة في وفاة والدته    السعودية والصومال توقعان اتفاقية تعاون عسكري ودفاعي    العلامة مفتاح يحث على تفعيل الرقابة والاشراف على المنشآت الطبية    عاجل : سيئون تحت وطأة الإرهاب العسكري.. قائمة ب 24 مختطفاً في حملة مسعورة لقوات الاحتلال اليمني بوادي حضرموت (تفاصيل + أسماء)    السيد عبدالرحمن الجفري يبعث برقية تعزية في رحيل المناضل الوطني الشيخ علوي علي بن سنبله باراس    الهيئة العليا للأدوية تتلف 80 طناً من الأدوية المهربة    عدن.. أربعة بنوك تحدد سقفاً يومياً لشراء العملة الأجنبية من المواطنين    صنعاء.. البنك المركزي يوقف التعامل مع منشأة صرافة    منظمات حقوقية تدين القمع في سيئون وتدعو الأمم المتحدة بارسال لجان تحقيق دولية    مثقفون يمنيون يتضامنون مع النائب حاشد ويدينون سلبية سلطات صنعاء وعدن تجاهه ويحذرون من تدهور وضعه الصحي    صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم بإعادة التعامل مع منشأة صرافة    من يزعم "مليونيات الذكاء الاصطناعي" يكشف سقوطه الأخلاقي قبل الإعلامي.. ك "تفسير الشمس ضوءا صناعيا"    عاجل: محاولة اعتقال قيادي شاب تشعل سيئون.. مدرعات قوات الطوارئ اليمنية تحاصر حي السحيل بسيئون    الارصاد: طقس بارد إلى بارد نسبيا على المرتفعات    ماوراء جزيرة إبستين؟!    ارسنال يهزم سندرلاند3-0 وتشيلسي يفوز علي ولفرهامبتون 3-1 في الدوري الانجليزي    رئيس هيئة المحافظة على المدن التاريخية يزور مدينة شهارة    إب.. فريق "صقور بعدان" يتوج ببطولة كأس "بعدان" ال 18 بحضور جماهيري واسع    وزارة المطاوعة وفضيحة سوق تأشيرات العمرة.. فساد مالي ينهش جيوب اليمنيين    تعقيدات سعودية جديدة أمام المعتمرين اليمنيين    "عمرة رمضان" وسطوة الرواية على الآية؛    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الجمرة: قيام الثورة كان مفاجئاً للجميع وفرح الناس بها
نشر في المصدر يوم 05 - 09 - 2010

تنشر صحيفة "السياسية" الصادرة عن وكالة الأنباء اليمنية "سبأ" حوارات أسبوعية تتناول جوانب مخفية عن شخصيات سياسية واجتماعية عرفنا نصف حياتها لكننا لا نعرف شيئاً عن نصفها الآخر.

المصدر أونلاين وبالاتفاق مع الصحيفة ومع الزميل صادق ناشر الذي قام بإجراء هذه الحوارات يعيد نشرها، وفيما يلي الحلقة الثالثة من الحوار مع الأستاذ علي صالح الجمرة.

* كان مدفن القرية لكافة أبناء القرية، فكيف كان يتم احتساب من له حبوب فيه؟
كل واحد على قدر أرضه، مثلا كان هناك ثلاثة إلى أربعة أشخاص في القرية عندهم أراض كبيرة، وكان المحصول مثلا مائتين إلى ثلاثمائة قدح، يومها كان يسمى قدحا، وتكون حاجته الفعلية مائة وخمسين قدحا مثلا؛ فيذهب بالباقي إلى المدفن، وكانت معهم سلال بدل البراميل، وكانوا يعزلون جزءا من الدرج في المنطقة الباردة يقضضوها، والقضاض شبيه بالأسمنت الآن ويعملوها كمخزن لاحتياج الحبوب للعام نفسه، بقية الطعام بدل أن يبيعه الشخص برخص فإنه كان يقوم بدفنه في المدافن لوقت احتياجه له، وإذا احتاج الناس للحبوب كان يفتح المدفن، وصاحب الإنتاج الكثير يقرض المحتاجين حبوبا إلى أن يأتي حصاد العام التالي فيتم إرجاعه له.

* هل كان هناك بيع للحبوب عوضا عن الإقراض؟
نعم، لأن الحبوب تكون غالية في منتصف السنة وبالذات في شهر أغسطس لأنه كان هناك شهران في السنة يسميان "شهر الجوع" .. لماذا؟، لأن الأرض لم تأت بخيرها بعد؛ لأن الثمار لازالت خضراء علفاً والحبوب لم تظهر بعد، ومحصول السنة السابقة قد انتهى.

كان بعض الناس ينتهي حقهم المخزون من الحبوب في نهاية يوليو، فيضطرون في شهر أغسطس ونصف سبتمبر أن يقترضوا حب الذرة أو يشتروها من السوق، وان كانت غالية في هذا الوقت من السنة.

* هل سبق وأن نزلت إلى المدافن، وكيف يحافظ عليه؟
نعم، سبق وأن جربت النزول إلى المدفن، يكون المدفن ساخناً جداً مثل النار، عند ابتداء فتحه إذا كانت هناك طلبات للحصول على حبوب من المدفن يفتحوه من اليوم السابق للتهوية، حيث يتم إزاحة طبقة معينة التي هي تحت الغطاء مباشرة، وهذا لا يؤكل لأنه يكون حباً اسودا، وهذا يزال ويتحول إلى سماد، بعد ذالك يبدأ الحب الصافي النظيف ويتركوه يبرد إلى اليوم الثاني وفي اليوم الثاني يبدؤوا بإخراجه وكيله.

وكان الناس يتواصلون بينهم البين قبل فترة من فتح المدفن ويتم معرفة كم كل شخص يريد من الحبوب، ويتم تحديد يوم من الأيام، ثم تأتي الحمير لنقل الحبوب، فقد كانت الحمير في تلك الأيام هي وسيلة المواصلات الوحيدة المتوفرة.

يوم الثورة
* هل تتذكر أول أيام الثورة، أين كنت فيها؟
يوم اندلاع الثورة كنت في القرية.

* ما كان صدى تلك الأيام لدى أهل القرية، وما مدى تأثيرها فيهم؟
كان هناك ذهولاً لأنه لم يكن يتوقع أحد ما حصل، صحيح كنا نسمع البيضاني ونسمع الزبيري في إذاعة "صوت العرب"، وأن هناك حركة وشيئاً ربما يقع، لكن لا أحد كان يتوقع انه يمكن أن تقوم ثورة.. الناس كانوا في حالة ذهول بين الخوف والرجاء والطمأنينة.. وأنت تعرف مثل هذه الأشياء المفاجئة على المجتمعات، رغم أنهم عندنا كانوا يسمعون شيئا اسمه ثورة، كثورة مصر وثورة الجزائر، كان الناس يتابعون أخبار الثورة الجزائرية كل يوم وأخبار المناضلة الجزائرية جميلة بو حريد وغيرها، كل هذه الأمور كانت على ألسنة الناس، والفضل في ذلك يعود إلى وجود الراديو في القرية، حيث كان الناس ينجذبون إليها بشكل كبير.

* بالمناسبة، ما الذي شدك إلى الراديو، هل هي الأخبار أم ماذا؟
الراديو كانت النافذة لمعرفة ماذا يدور في العالم، حتى الألغاز كانت تشدنا وكنا في بعض الأوقات نراسل إذاعة صنعاء، وأذكر مرة أن الأستاذ محمد موسى -رحمه الله- والذي كان يقدم برامج الأطفال قرأ لغزاً لابن حاكم شرعة، لا أذكر اسم الحاكم ولكن اذكر انه قال هذه الحكاية وهذا اللغز إهداء لكم، وهو يقول كالتالي:
صديقتي الجميلة قوامها نبيلة
تبكي قبيل البين لكن بغير عين
كثيرة البكاء في الليلة الظلماء
، فما هي؟، وكنت في حيرة ماذا أكتب، ظللت أبحث عن معناها وعندما رآني الوالد القاضي زيد على هذه الحالة ضحك، وقال لي ما عرفت ما هي؟، قال لي وهذه ما هي؟ وأراني الشمعة، بعدها كتبت الحل وأرسلته إلى إذاعة صنعاء، وأعلنوني فائزاً، وكان أطفال القرية فرحين لذلك، وكانت هذه من الأشياء الجميلة التي لازلت أتذكرها رغم مرور خمسين عاماً عليها.

* هل صدق الناس أن الثورة قامت وأن هناك تغييراً سيحدث في حياتهم؟
كما قلت سابقاً إن الناس كانوا مهيأين لذلك عندما ما كانوا يسمعوا ذلك من الإذاعة وأن العالم يتغير، مع ذلك فقد مثل قيام الثورة مفاجأة، وفرح الناس للتغيير، خاصة عندما سمعوا بعض القرارات، التي أصدرتها الثورة، مثل إلغاء التنافيذ، وأن الزكاة أمانة، يتم تحصيلها للدولة، شعر الناس يومها أنه من الممكن أن يستفيدوا من الثورة وقراراتها، وكانوا معها في قلوبهم لأنها لامست حياتهم ومشاكلهم، وسارت الأمور على هذا النحو، ماعدا مجموعات كانوا بطبيعة الحال، يقدسون الإمام في أعماقهم، وقد كانت لهم صدمة كبيرة.

* هل كان نفوذ الإمام موجوداً في تلك الفترة جعلت البعض لا يصدق ما جرى في يوم الثورة؟
كان نفوذ الإمام أحمد غير عادي في قلوب الناس وعقولهم، إلى حد أنهم كانوا يشتروا العطور التي فيها صورة الإمام ومكتوب فيها "رائحة الإمام أحمد" أكثر مما يشتروا عطر "خير لنا" ومن هذه الأمور، وصراحة أقولها، بالنسبة للإمام أحمد "الباهوت" كان مؤثراً جداً، فعندما مات جاء البدر، وكان هناك أناس موالين للحسن، وقد بايعه بعضهم وليا للعهد قبل اغترابه إلى أميريكا؛ فهؤلاء بدوا كأنهم غير مرتاحين للبدر.

وعندما قامت الثورة كانوا أيضاً غير مرتاحين لها، لأن ما حدث كان غير الشيء الذي كانوا يريدونه، كانوا يريدون الأمير سيف الإسلام الحسن هو من يقوم بثورة ضد البدر، وهذا ما كان موجوداً في مجتمعنا، وقد كنت أرصد هذه الأشياء لأنني كنت في عمر قابل أن أفهم ولاسيما أن منهم من كان في مستويات معينة ضمن إطار المدرسين.

* من الذي لم يعجبه قيام الثورة؟
الأسماء ليست مهمة، لكن كان هناك أناس، لا سيما الذين يؤمنون بمذهب الإمامة يعتقدون اعتقادا جازماً أنه لابد من إمام وأنك يوم القيامة لن تستلم كتابك إلا عبر الإمام ومن هذه الخرافات التي غرست في عقول الناس لعقود طويلة.

ذمار جمهورية
* بقيام الثورة وموت الإمام سقط النموذج أو المثال بالنسبة لهم، هل حدث تغير في مجتمع آنس كمجتمع أو جزء من مجتمع ذمار؟
لاشك انه حدث تغيير، لكن كانت هناك إشكالية، وتتمثل في أن الحسن عندما وصل إلى جدة وبدأت الإذاعات تذيع أخباره ونشاطاته، بدأت قناعات بعض الناس تتخلخل، وبدؤوا يشعرون بالخوف؛ لأنهم كانوا يخشون من انتكاسة الثورة ومن التفكير بتداعيات هذه الانتكاسة، ويفكروا بالذي سيحصل بعد ذلك، وكان الاعتقاد أن أنصار الإمام لن يرحموا أحداً إذا ما عادوا إلى الحكم وبعدها بدأت المجاملات، لكنني أقولها بأمانة إن القاضي زيد الجمرة كان ومجموعة معه مؤمنين بالثورة إلى حد أنه سخر الراديو الذي كان معه لصالح الثورة، بالإضافة إلى المسجلة، فقد كان عند القاضي زيد مسجلة ولم يكن أحد من الغرباء يعرف حكاية المُسجلة هذه.

وأتذكر أنه جاء في إحدى المرات أحد المدعين يصرخ ويقول إن صعدة سقطت بيد الملكيين وأن صنعاء محاصرة، وكان هذا الادعاء في الشهر الأول للثورة؛ فسجل له حديثه كاملاً أثناء المقيل، وهو يقول إن هذه الجمهورية ليس لها معنى وأشياء كثيرة، المهم بعد صلاة العشاء تعشوا وكل شيء كان تماماً، فقال القاضي زيد ربما أن هذا البيت مسكون أو فيه جن فاستغرب الحاضرون وقالوا له: "هل هذا صحيح؟"، فقال لهم ربما، وقال لصاحب الادعاء إذا أنت صادق لن يتكلم الجن، وإذا أنت كاذب سوف يرددوا كلامك بصوتك الذي قلته عن الثورة والجمهورية، فقال أنا صادق ونص، فتركه يذهب إلى النوم وفتح له المسجلة وبدأ صوته منخفضاً قليلاً، فقال المدعي: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقرأ الفاتحة والمعوذتين، وبدأ الصوت يرتفع ويرتفع، فما كان له إلا أن يصرخ ويقول للقاضي زيد: "قل للجن إنني كذاب إبن كذاب، وأن ما قلته عن الثورة والجمهورية إدعاء ليس صحيحاً، وأنني أحلف بألا اكذب بعد اليوم".. مثل هذه الأشياء كانت تخدم الثورة بطريقة أو بأخرى.

* هل جمهرت ذمار؟
نعم، بشكل عام كانت جمهورية، يعني تلاحظ الحداء وآنس وعنس قاتلت مع الثورة واستشهد الكثير من أبنائها، لكن حصلت انتكاسات للأسف في سنة 68، وليس في بداية الثورة، الناس انتهوا من الصراع، ونحن الأمير عبدالله ابن الحسن جاي عندنا يعمل له مشكلة.

جئت من القاهرة لقضاء إجازة، وإذا بالدنيا عندنا كلها مرتبكة؛ لأن المشايخ ارتبكوا؛ فجزء منهم راح مع عبدالله ابن الحسن لأجل أن يفوز بالمشيخة ضد أخوه أو ضد ابن عمه، وهذه الربكة عملها المشايخ وليس الناس، فدخل الجميع في دوامة من الصراع كنا في غنى عنه.

انطباعات عن القاهرة
* أعود بك إلى فترة الدراسة في القاهرة، ما الذي تركت عندك القاهرة من انطباع من مشاعر من شخص وافد من بلد كان غارق في الأمية إلى بلد مختلف؟
مصر كانت تعتبر بالنسبة لنا جنة الدنيا، وكانت فعلاً مصر جميلة، وأقولها بصراحة، في عام 65 كان كل شيء جميلاً، والذي لفت نظري مثلاً بائع البيض، كان ينادي "ثلاث بقرش"، أي سعر ثلاث بيضات قرش واحد يعني بالجنيه تشتري ثلاثمائة حبة بيض، أما اليوم فالجنيه لايعطيك سوى ثلاث بيضات فقط، وعلى هذا تقيس الأشياء.

كان المصريون يرعون اليمنيين رعاية جيدة في تلك السنين وعشنا مدللين حتى عام 67، لكن حصلت النكسة وكانت هزيمة لنا قبل ان تكون هزيمة لمصر، وأتذكر أننا في يوم الحرب كنا نمتحن الثانوية الأزهرية، وكانت حالتنا متعبة، فقررنا أن نتجه إلى المعسكرات لأن أغلب المدارس اتجهت إلى المعسكرات، واتجهنا إلى المعسكر الذي كان في العباسية، لماذا؟ لان الطائرات الإسرائيلية التي كانت تأتي كانت تطير من فوق سكن الطلبة في مدينة البعوث الإسلامية التي كنا ساكنين فيها، وكان فيها حوالي ثلاثة آلاف طالب وكانت الطائرات الإسرائيلية تأتي مع الفجر وتمر من فوق هذه المدينة وتفتح حاجز الصوت فكانت تكسر الزجاج فنخاف.

يومها تجمعنا حوالي خمسة وثلاثين طالباً من اليمنيين واتفقنا على أن نذهب لنسلم أنفسنا إلى المعسكر الذي بجانبا من أجل ان ندخل مع المقاومة الشعبية، وصلنا إلى هناك فأبدى المصريون اندهاشهم وقالوا لنا ماذا تريدون؟! قلنا لهم هذه جوازاتنا، انتم استشهدتم في اليمن ونحن لا نقدر أن نقدم قطرة دم لكم فافتحوا لنا باب التطوع، جلسنا ساعتين أمام الباب وهم محتارون هل يقبلونا أم لا يقبلونا، لا أعلم بمن اتصلوا وفي النهاية فتحوا لنا الباب ودخلنا، بقينا في المعسكر الأربعة الأيام الأخيرة من الحرب إلى ان توقفت، أي الهدنة ومن ثم خرجنا.

في تلك الأيام لم نستشعر الخوف إطلاقاً، وكان المعسكر الذي نحن فيه معرضاً للقصف، كان هناك فرق بين أن تنام في البيت وأنت مرعوب وبين أن تنام في المعسكر ولا يدخل الرعب في قلبك، لأننا أعددنا أنفسنا لمواجهه كل شيء، يومها تدربنا على السلاح وعلى كيفية مواجهة الإنزال المظلي، كما تدربنا على كيفية عمل الخنادق وكيف نعمل الدفاع المدني وأشياء كثيرة في تلك الأربعة الأيام واستفدنا منها استفادة لم نكن نتوقعها.

* انتهى الأمر إلى أين؟
إلى أن قالوا لنا عودوا إلى منازلكم وعندما نحتاجكم سوف ندعوكم، لكننا لم نستدع بعد ذلك.

* ما الذي ربطك بالمصريين، وما الذي أعجبك فيهم؟
المصريون شعب لطيف، شعب يعيش على النكتة وشعب تستطيع أن تتداخل مع أفراده بسلاسة، وبالإضافة إلى صداقتنا وأخوتنا مع المصريين كانت لنا علاقات متميزة وواسعة مع الطلبة السودانيين ومع الماليزيين، وحتى مع الطلبة اليابانيين، كنا في سكننا نشكل عالماً إسلاميا كاملاً، ومازالت صداقاتي مع البعض مستمرة منذ أيام الدراسة وحتى اليوم، وعندما أذهب إلى ماليزيا أزور أصدقائي، وكذا عندما أذهب إلى اليابان وفي يوغسلافيا، كان معنا زميل ورئيس جمهورية جزر المالديف السابق كان زميلنا واسمه مأمون عبد القيوم، ووزير خارجية جزر القمر الأسبق محمد إسماعيل ابن إسماعيل ، كان أيضاً من الزملاء ، فهذه العلاقة الروحية جمعتنا مع العالم الإسلامي المتكامل.

* أتذكر مواقف حدثت لك في مصر لا تنساها حتى اليوم؟
هناك مواقف كثيرة، أتذكر يوم انقلاب 5 نوفمبر في اليمن عام 1967، كنا في ذلك اليوم في زيارة لمصانع المحلة الكبرى، أخذوا من كل بلد اثنين، وكنت أنا والأستاذ عبدالوهاب عبدالكريم أبو طالب من اليمن وكنا حوالي 95 طالباً من 47 بلداً في تلك الزيارة ، في اليوم الثاني من الزيارة ضيفنا رئيس مجلس إدارة مصانع صباغي البيضاء في المحلة الكبرى، ونحن في الغذاء كانت عينا الرجل مصوبتين نحوي، وبعد أن أكملنا الغذاء دعاني من بين المجموعة وأدخلني إلى مكتبة وإذا هو يقول لي ان الشيوعيين استولوا على الحكم في اليمن أمس، قلت له متسائلاً: "الشيوعيون؟"، قال نعم ، قلت له من هم الشيوعيون، قال القاضي عبدالرحمن الإرياني وجماعته.

قلت له إن القاضي عبدالرحمن الإرياني ليس شيوعياً، قال أنا أعرف، وكان الرجل شقيق الفريق عبد المحسن كامل مرتجي القائد السابق للقوات المصرية، في اليمن ، قلت له هذا شيء عظيم ولكنني لا اعتقد أن القاضي عبد الرحمن شيوعي، وأعتقد أنه سوف يصحح وضع كان مختلاً قال ماذا تقول، قلت له أن المرحلة تحتاج إلى شخص مثله، لا يمكن أن يطفئ شرارة الصراع إلا شخص قادر على امتصاص هذا الاحتقان، هذا رأيي أنا، قال لي هل أنت عارف بكل شيء، قلت له أن لا أتكلم عن كل شيء أن أتكلم عن شخصه، لكن لا أعرف من معه، قال الذي معه كلهم شيوعيون، قلت له لا يمكن أن يكون كل الذين معه شيوعيون ، قال لي أنت سوف تشوف، قلت له خير، وبقيت مشدوداً لأننا في رحلة ومعنا برامج للرحلة ، وكانت مليئة، وهذه كانت واحدة من المواقف التي لازلت أذكرها حتى اليوم.

وهناك حادثة أخرى أتذكرها حتى اليوم، وهذه لن أنساها مدى حياتي، كان ذلك عام 66 ، يومها كان الزعيم جمال عبد الناصر هو الزعيم الأوحد للأمة العربية حيث قام في ذلك اليوم بافتتاح ما يسمى " قناة تحويل مجرى النيل"، فدعينا نحن مجموعة الطلبة إلى القيام برحلة إلى أسوان وأنا دائما ما كنت أساهم في مثل هذه الفعاليات حتى لو هناك دفع فلوس أدفع وخاصة للذهاب في رحلة إلى أسوان.

وذهبنا إلى أسوان لنحضر هذه المناسبة، وصلنا وإذا أمامنا شكري القواتلي، وعبدالرحمن عارف والرئيس اللبناني كان يومها شارل الحلو على ما اعتقد، والرئيس السوفييتي خروتشوف، والرئيس عبدالله السلال، وكان الموكب عظيما لن ينسى.

لمتابعة الحلقات السابقة
الحلقة الأولى
الحلقة الثانية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.