بينهم قيادي.. مقتل وإصابة 11 شخصا جراء اشتباكات بين عناصر المليشيا في صنعاء    أول تعليق من أربيلوا بعد سقوط ريال مدريد أمام أوساسونا    الأرصاد: طقس بارد إلى بارد نسبياً على المرتفعات والهضاب والصحاري    مستخدمون يشكون من انقطاعات متكررة في خدمة الإنترنت وصعوبة في السداد    إنتر ميامي يبدأ مشواره في الدوري الأمريكي بخسارة ثقيلة    تراجع الازدحام في منفذ الوديعة الحدودي    العليمي يهنئ القيادة السعودية بذكرى يوم التأسيس ويؤكد عمق الشراكة الاستراتيجية    غدا بدء انحسار الكتلة الهوائية الباردة    عدن تحتفل بتخرّج 97 حافظًا وحافظةً للقرآن الكريم    انتقالي أبين يحدد موقفه من قرارات تغيير قيادة الأمن الوطني بالمحافظة    باريس سان جيرمان يواصل صدارته للدوري الفرنسي    اتلتيكومدريد يدك شباك اسبانيول برباعية    السيتي يتخطى نيوكاسل يونايتد ويشعل سباق الصدارة مع ارسنال    جمعية حماية المستهلك تدعو إلى تنظيم تجارة المبيدات الزراعية    صحيفة صهيونية: المنظمة التي كانت تمثل اليهود الأمريكيين لم يعد لها أي تأثير في أمريكا    التحالف الصهيو-أمريكي يبدأ معركة التصفية الشاملة من غزة إلى مكة    قرار اسقاط رسوم ترمب يشعل معركة قضائية مطولة بأمريكا    الأمسيات الرمضانية تتواصل في مديريات محافظة صنعاء    السيد القائد يستعرض قصة موسى ويؤكد اهمية التحرك العملي وفق تعليمات الله    ذمار.. تدشين مشروع المطعم الخيري الرمضاني ل 2500 أسرة فقيرة    الفريق السامعي يدين العدوان الاسرائيلي المتواصل على لبنان    استفادة 11 ألف أسرة من المطابخ والمخابز الخيرية بمديرية آزال بأمانة العاصمة    مليشيا الحوثي تنهب مخصصات دار الحبيشي للأيتام في إب    هؤلاء الأطفال الجرحى سيقودون مقاومة مسلحة ضد الاحتلال اليمني إذا بقي على أرض الجنوب عند بلوغهم سن الشباب    احتلال وابتزاز.. سلطات اليمن تمارس أقذر أشكال العقاب الجماعي ضد الجنوب    صنعاء: لحظة حاسمة في شارع خولان .. وبشرى سارة لاهالي حي السنينة!    ملتقى أبناء حزم العدين يكرم حافظات للقرآن وأوائل الحلقات في مخيمات النزوح بمأرب    الحديدة.. حادث سير مروع يودي بحياة شخصين احتراقًا    نص المحاضرة الرمضانية الرابعة لقائد الثورة 1447ه    السعودية تدين تصريحات هاكابي وتصفها ب"سابقة خطيرة" من مسؤول أميركي    الصحة العالمية: أوقفوا استهداف المستشفيات في السودان فوراً    نبيل هائل يدشن سلسلة اللقاءات التشاورية مع موظفي المجموعة    الهيئة العامة للزكاة تطلق مشاريع إحسان بقيمة 26 مليار ريال    هيئة المواصفات تطلق حملة رمضانية لحماية المستهلك    انفجار عبوة ناسفة يستهدف طقماً عسكرياً في سيئون    فريمكس) التابعة لمجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه تستحوذ على 60% من أسهم (جلف نيو كير) في السعودية    هدية مجلس العليمي وأتباعه للصائمين في الجنوب.. أزمة غاز تضرب كل بيت ووسيلة نقل    بموجة تدفق جديدة.. وصول 120 مهاجرا أفريقيا لسواحل محافظة شبوة    استهداف طقم عسكري بعبوة ناسفة في وادي حضرموت    مصادر: نقاش واسع حول استحداث محافظة جديدة جنوب اليمن    مركز الأمل يعلن تسجيل 1967 إصابة جديدة بالسرطان في تعز خلال 2025م    بشكل مفاجئ.. نيمار يعلن عن موعد اعتزاله كرة القدم    بنك الدواء يستقبل قرابة 300 حالة لمرضى القلب والضغط    من عدن.. رئيس الحكومة يحدد أولويات المرحلة ويطلق مسار التعافي الاقتصادي    فنانون عالميون يطالبون مهرجان برلين بموقف ضد جرائم "إسرائيل" في غزة    استعدادا لمواجهة لبنان.. استدعاء 30 لاعبا لقائمة المنتخب الوطني الأول للبدء بمعسكر داخلي    حركة سفر نشطة.. أكثر من 438 ألف مسافر عبر المنافذ المختلفة منذ مطلع فبراير    المنتخب الوطني الأول يدشن معسكره الداخلي استعداد للجولة الأخيرة لتصفيات آسيا    تسجيل أكثر من 14 ألف إصابة بمرض الملاريا في تعز خلال 2025    إرشادات صحية لمرضى السكري تضمن صيامًا آمنًا في رمضان    باحث في الآثار: تهريب نحو 23 ألف قطعة أثرية يمنية خلال سنوات الحرب    سوء فهم أم عجز أكاديمي خليجي؟    الثور مقطوع الذنب "الذيل".. والإخوان المسلمون    رمضان في اليمن.. موائد جماعية وروح تكافل متوارثة    المجلس العالي للدولة في السلطنة القعيطية يرفض إعفاء العلامة بن سميط ويؤكد ثقته بكفاءته وخدمته لأهالي شبام    آثار اليمن تُهرَّب عبر البحر... والمتاحف التي تعرضها تجني آلاف الدولارات    أفق لا يخص أحداً    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في قلعة التنظيم ومعقل الحرب والتعبئة
نشر في المصدر يوم 30 - 04 - 2010


هنا ضحيان..هنا قلعة التنظيم:
في نهار التاسع والعشرين من مارس الماضي، استقر بي الحال في ذلك المعقل الاستراتيجي لتنظيم الحوثيين: "ضحيان". وهي المنطقة التي يتقاسم مساجدها الحوثيون وأتباع "مجدالدين المؤيدي".

من ضحيان يتسنى للمرء رؤية جبال مطرة، تلك الجبال الوعرة التي تتحصن فيها قيادات التنظيم. هناك توجد مخازن الأسلحة ومعسكرات للتدريب وورش للتصنيع.

حين وصلتها، بدأت بالتلفت يمنة ويسرة بحثاً عن تلك المؤسسة التي سبق وأن حددها أبو هاشم – يعمل في مكتب عبد الملك الحوثي - كمكان لنلتقي فيه.

في مخيلتي– قبل معرفتها - شبهتها بالمؤسسة الاقتصادية، أو الاتصالات، أو ما شابه ذلك من المؤسسات الحكومية.. وحين عرفتها وجدت أنها لم تكن سوى مؤسسة للإنتاج الفني والتوزيع وتابعة لتنظيم الحوثي.

وحين توقفت أمام تلك المؤسسة، اعترف لكم أن قلقاً ما ساورني. لم يكن قلقي ذاك لشيء أكثر من انعدم التغطية اللاسلكية. قد تتساءلون: لماذا القلق إذن؟ في الواقع كانت التغطية تمثل لي الكثير. فعبرها كنت أتلقى المكالمات التلفونية من أبو هاشم.

وفي خضم مخاوفي تلك، شاهدت بوضوح يعكسه الفضاء الواسع جسم إنسان. كان يتجه صوبي، وحين اقترب مني سألني: هل أنت من شركة سبأفون؟ ومع ما بي من توتر، أؤكد لكم أن السؤال أستطاع أن يستفزني، بسهولة بالغة..! أما السبب، يمكن لأن "سبأفون" لم تكن خدماتها مفعلة في صعدة، وكانت "يمن موبايل" هي الشركة الوحيدة التي استطاعت أن تشغل حيزاً من ذلك الفراغ.

وحين كرر سؤاله مرة أخرى، أجبته بما أملكه من قوة: "لا". وإذاك رمى باستنتاجه المفزع: "أكيد أنت صحفي"..! نظرت إليه مرتعباً، قبل أن أؤكد: "نعم". حينها قال بكل برود: "أنت في المصدر أونلاين" وتشتي أبو هاشم"، ومع آخر كلمة قالها، انقشع التوتر، وكأنه سكب عليّ دشاً بارداً، فانساب في داخلي جليد من الاطمئنان.

بعد التعارف، نصحني بأن أكون مهنياً كبقية الزملاء في "المصدر أونلاين"، وأن لا أكون رجل مخابرات أو عميلاً للسعودية وأمريكا..! وقبل أن تتصاعد كلماته الأخيرة، لتحرك مكامن الاستفزاز مجدداً، نظرت حولي لتستقر عيناي المنهكتان من النظر على ثلة من المسلحين وقد أحاطت بي من زوايا مختلفة. كانوا ينظرون صوبي بترقب شديد، لا تنقصه الحيطة والحذر، وربما بدا لي حينها أنها نظرة أستمدت غلاظتها من قسوة الجبال المضمخة بالبارود والحرب!

أبو هاشم..
بعد لحظات..وصل "أبو هاشم". وياللدهشة: لم أكن لأستطيع أن أتصور أنه مازال شاباً لم يمر على حياته المليئة بالموت والدماء سوى اثني وعشرين خريفاً. عرفت الرجل الذي لم أكن أعرف سوى صوته التلفوني: غليظ البدن، أبيض البشرة، يقف على طول متوسط، تسكن وجهه شعيرات سوداء كانت ماتزال في طور التكوين والنمو.

برفقته وجماعته انطلقت. وفي الطريق تسنى لي التقاط بعض الصور التي كانت تحكي قصة دمار كبير حل بمساكن المنطقة ومدارسها وتلك المساجد والمحلات التجارية، حتى أنه لم يستثن فندقها الوحيد.

أمام مبنى المركز الصحي الذي طاله قصف الطيران الحربي، شرعت بالتصوير، فبرز لي أحد المارة، وكأن أمراً جوهرياً كان يشغله، ليعترضني بسؤال ما إذا كان لدي إذن بتصوير "ضحيان"..! فاجأني الأمر. وحين لم تكن لدي الإجابة، لم يكن مني إلا أن أشرت صوب "أبو هاشم". كان الأخير حينها منشغلاً بالحديث مع شخص آخر، إلا أنه أدرك المشكلة التي بيني وبين السائل، ليلتفت إليه مبتسماً، فما كان من ذلك الغريب إلا أن بادله الابتسامة ومضى بسيارته.

شاهدت سيارة "شاص" على متنها مجموعة من المسلحين الحوثيين. وحين أردت أن أواصل مهمتي الصحفية بتصويرهم – على رائحة إبتسامة "أبو هاشم" التي اعتبرتها إذناً لا يقبل الاعتراض – فوجئت بمن كان برفقتي يمنعني بشكل قاطع من التقاط تلك الصورة. فعطفت كاميرتي وواصلت السير بهدوء.
وصلنا البوفية، وهناك أدركت شفتاي المتيبسة ورطبت حلقي بعصير معلب. شربنا ومضينا دون أن يدفع أحد منا الحساب.

مع أبو هاشم بحثاً عن "سيدي محمد"
انطلقنا باتجاه منزل "محمد بدر الدين الحوثي". وحين وصلنا، طرق "أبو هاشم" الباب قائلاً: "وينه سيدي محمد".."سيدي محمد موجود". عاد "أبو هاشم" إلى السيارة، وهو يهم بالانصراف.

لحظات وطفلة في السابعة من العمر تفتح الباب، لتسأل من يريده؟ أجابها: قولي لسيدي محمد أن "علي" جاء يدوره. من علي؟ استفسرت الطفلة. فأجاب: قولي له علي وبس. أجابت بحزم: أبي يصيح فوقنا قلنا "علي" من؟

وحين شعرت بورطة صديقي، قلت مازحاً: علي عبدالله صالح.. فهربت الطفلة إلى الداخل، ساحبة الباب خلفها بقوة!
من مكان إلى آخر، تنقلنا بحثاً عن محمد بدر الدين الحوثي، وبعد أن ترددنا بضع مرات على محل الاستريو العائد ملكيته إليه، تمكنا أخيراً من الالتقاء بالرجل.. في ذات اللحظة أنهى محمد بدر الدين حديثه مع أحدهم مخاطباً إياه بقوله: هذه المرة عليك سبعة ألف.. احنا رفعنها شوية، لكنه سهل كله في سبيل الله".

فكرت: كيف أقدم نفسي إليه؟ وكيف أقنعه بإجراء حوار صحفي؟ كان ذلك بعد أن اعتذر لي المكتب الإعلامي للحوثي عن عدم إمكانية إجراء حوار مع عبدالملك الحوثي.

في الأربعينيات من عمره تقريباً، محمد بدر الدين الحوثي، قصير القامة، نحيف الجسم، أسمر البشرة، بدأ الصلع بالزحف، متقاسماً مع الشعر الأبيض والأسود رأسه مناصفة. عليه لحية خفيفة، بدا لي متواضعاً وبسيطاً في تعامله.
حين صافحته، أيقنت بأن الرجل كان على علم بمهمتي، وأن انشغاله فقط كان هو من حال بين لقائنا باكراً.

أعتقد أنها كانت المرة الثالثة التي تعرض فيها "أبو هاشم" للإحراج من أولئك المتحمسين للتحدث معه، في مواضيع كانت تبدو سرية للغاية. في بعض تلك المواقف كان الرجل يتمكن بسرعة من الإيحاء لهم بالتزام الصمت، وفي أخرى كان يضطر إلى الإعلان صراحة بأنه لا يمكن التحدث في مثل تلك القضايا بحضوري.

بعد الحادية عشرة ظهراً، استقر بنا الحال في منزل "أبو هاشم"، لإجراء المقابلة مع محمد بدر الدين الحوثي. يتخذ "أبو هاشم" من الدور الثاني سكناً له وعائلته المكونة من زوجة وطفلتين. أثناء الحوار كان "أبو هاشم" يغادرنا لبعض الوقت ثم يعود. تجاذبنا الحديث، وامتد الحوار الجانبي لساعة ونصف تقريباً ليتلوها حوار صحفي مسجل.

بين صدق "محمد الحوثي"، وتستره..
منذ الوهلة الأولى لحديثي مع المؤسس الفعلي لتنظيم الحوثي، المنشق عن تنظيم الشباب المؤمن، أيقنت بمصداقية الرجل في حديثه. عرف الرجل أنه يمتاز بقول الحقيقة. وأثناء حوارنا تذكرت تلك المقولة التي نسبت ل" هاشم الغزالي" - مدير عام مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة- التي أكد فيها صدق الرجل في حديثه أثناء التحقيق معه.

في الواقع، إن محمد بدر الدين حين يتحدث لا يقول إلا الحقيقة، غير أن ذلك لا يمنعه أحياناً من التستر عليها. فهو حين لا يريد أن يبوح بالحقيقة، يتستر عليها ولا يتحدث بها، لأسباب معينة. وحين ذاك يمكنك ملاحظة أنه يلجأ لاستخدام إجابات مفتوحة، غالباً ما تكون على نحو غير ما كنت تأمله منه!

في ثنايا الحديث، تطرقنا لقضايا جدلية، كتلك المتعلقة بانحصار الولاية في البطنين والتي شعرت من حديثه بأنه بات يميل تماماً إلى فتوى مجد الدين المؤيدي (الذي سبق وانشق عنه) ومن معه من علماء الزيدية. وهي تلك الفتوى التي رفض والده القبول بما جاء فيها والتسليم لها مطلع التسعينيات..! ومع ذلك فالمبادئ الخمسة التي يؤمن بها الرجل حسب قوله، هي تباعاً: "العدل، التوحيد، النبوة، ولاية الإمام علي بن أبي طالب، الخروج على الظالم المستبد".

وبعيداً عن الحوار المسجل اضطررت مرراً إلى عدم محاصرة الرجل في تساؤلاتي، حين كانت إجابته غير مقنعة بالنسبة لي، وذلك حينما شعرت بتحاشيه الخوض في تفاصيلها الدقيقة، كقضية قيادة التنظيم، وهل فعلاً لا يزال والده وشقيقة حسين على قيد الحياة، وغيرها..

وإلى جانب ذلك، وبالمثل، كانت هناك تلك الإجابات حول أسئلة أخرى تتعلق بعدد المقاتلين الحوثيين، وكيفية إمداد التنظيم بمختلف الأسلحة النارية والاستراتيجية الجديدة، وعن المتعاونين معهم داخل السلطة والجيش. كنت أعرف مسبقاً أنه لا يمكن الإجابة عنها، إلا أني لم أجد بدّاً من المحاولة. مجرد المحاولة فقط.

في إحدى المرات، عاد أبو هاشم رفقة شخص يكنى ب"أبو مختار"، وإلى جانبه رجلان وطفل في حوالي الرابعة عشرة من العمر. أعتقد أنه لم يعد من المهم التأكيد هنا أن جميعهم لم تكن أكتافهم خالية من السلاح.
في الواقع لقد قلت ذلك، لأعرب لكم عن مدى الإنزعاج الذي اقتحمني حين شاهدت ذلك الطفل، وأيقنت تماماً بصحة تلك المعلومات التي تحدثت عن إقحام الأطفال الصغار في الحرب..! وحين اضطررت لتوجيه نقد لوالده "أبو مختار" - وهو اسمه الحركي – قيل لي إن الأب كان قد دفع طفله وإلى جانبه ثلة من أصدقائه لترديد الشعار أثناء الطابور المدرسي، مما تسبب في فصل الطفل عن الدراسة في العام الدراسي الماضي.

الأطفال في معركة الكبار
انشغلنا جميعاً بالتهام الطعام المعد جيداً والذي احتوى على وجبات يمنية متنوعة ومعروفة مثل "العصيد، اللحم، الأرز، بنت الصحن، وغير ذلك". وأنا ألتهم بنت الصحن، كانت صورة عبد القادر هلال – وزير االإدارة المحلية السابق – تتراءى لي على صفحة الصحن المدور، كونه -كما يروى- قدم استقالته من لجنة إعادة إعمار صعدة، ووزارة الإدارة المحلية، على خلفية تصاعد الاتهامات ضدة بإرسال مجموعة من صحون بنت الصحن للحوثي، أثناء ما كان رئيساً للجنة الإعمار، قبل عامين تقريباً.

وحين أردت الصلاة، وجدت سجادة وحيدة كانت مفروشة في أقصى المجلس. ولما لم يتحرك أحد للصلاة معي، أديت الصلاة منفرداً. وبعد أن أتممت صلاتي تفاجأت بأن جميعهم قاموا بأداء الصلاة، ولكن كل منهم بشكل منفرد، حينها فهمت أن الصلاة هنا يجب أن تكون على هذا النحو..! مع الجمع بين صلاتي الظهر مع العصر.

ولمزيد من حرصي على التأكد من صحة ما أدركته آنفاً، سألتهم حول ذلك، إلا أني لم أجد الإجابة المقنعة!


في أروقة أول منتدى للفكر الاثني عشري
بعد مرور ربع قرن من احتضانها لأول منتدى للفكر "الاثنا عشري"، تسنى لي زيارة قرية آل مزروع بمديرية سحار بصعدة. يقال أن من أسسه هناك هوالمصري: محمد عصمت.

بالقرب من منطقة "الطلح" تقع تلك القرية، وهما مرتبطتان بطريق ترابي، تتخللهما حقول زراعية البعض منها محاط بأسوار ترابية.

في منتصف القرية يقع مركز حمزة (وهو المقر الرسمي للحوثيين هناك). وبالقرب من المركز شيدت منشأة اسمنتية دائرية الشكل، ارتفاعها يصل إلى حوالي ستة أمتار، خصصت كخزان احتياطي لمياه الشرب والطهي والاستعمال المنزلي.
السور الجنوبي للمركز، طليت جدرانه باللون الأبيض، ودون عليه شعار الخميني: "الله أكبر.. الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل...." وإلى جانبه كتب شعار حزب الله اللبناني: "هيهات منّا الذلة"، وتتوسطهما شجرة، في أعلى أغصانها كتب اسم الرسول عليه الصلاة والسلام، وتباعاً باتجاه الأسفل، رسمت أغصان يسرة ويمنة، وكتب على كل منها: فاطمة، علي، الحسين الحسن، رضوان الله عليهم أجمعين.

إنك لا تخطئ حين تعتقد أن اللون الأخضر هو اللون الخاص بالتنظيم – تشبهاً بحزب الله اللبناني. فهو اللون السائد لتلك العبارات التي خطت على جدران المبنى، باستثناء عبارة "علي مع الحق والحق مع علي، وعلي مع القرآن والقرآن مع علي"، التي كتبت باللون الأسود.

وبمحاذاة السور استحدث كشك صغير تعلوه لوحة كتب عليها: "الشهداء للثقافة المرئية والمسموعة والمقروءة والمواد الغذائية".

مركز حمزة معقل العلم والحرب
يتكون مركز "حمزة" – المقر الرئيسي للتنظيم في المنطقة - من مسجد للرجال ودورة للمياه، وثلاثة مبان بها عشر غرف دراسية فرشت جميعها بالموكيت، وهناك أيضاً صالة متوسطة الحجم خصصت للعرض السينمائي.
في تلك الصالة التي تبدو كمقيل لمضغ القات، التقيت بثلة من الشباب تتفاوت أعمارهم كتفاوت محافظاتهم.

وهناك بدا أحدهم منهكاً، وكأنه للتو غادر ميدان المعركة. حاولت جاهداً دفعه للحديث معي، خصوصاً بعد أن تيقنت تماماً بعدم انتمائه ل"صعدة" وهذا ما أقره لاحقاً، لكنه ظل مراوغاً في حديثه حتى سألته إن كان معتاداً على التدخين؟

حينها تحدث معي، ربما لأن السؤال بدى له مفاجئاً. اعتقدت أنه على مدى الفترة القليلة الماضية كان يترقب ذلك السؤال بلهف، فالرجل اعتاد على التدخين منذ ما يزيد عن عشر سنوات. هذا ما أفاد به، غير أن علاقته الحميمة بمتعة استنشاق الدخان، انقطعت كاستجابة حتمية للقرار الصادر من عبدالملك الحوثي. يؤكد الناس هنا أن عبد الملك وجه أتباعه بعدم التدخين كنوع من أنواع المقاطعة لأمريكا بوصفها العدو اللدود للحوثيين أكثر من غيرهم.

وداخل المركز ذاته، انتقلت إلى المبنى الشمالي المحاذي للقبلة تماماً. في إحدى غرف المبنى علقت بعناية فائقة لا تنقصها الهيبة، والوقار، صور ل "حسن نصر الله"، وإلى جوارها بدت صور الحوثي الأب، وولديه: حسين وعبدالملك.
شاهدت لوحات كارتونية بها جدول الحصص الدراسية لطلاب المركز، متضمنة تفاصيل عن البرنامج اليومي للطلاب.

البرنامج اليومي
يمتد البرنامج اليومي من الصباح الباكر وحتى ما بعد صلاة العشاء، ويتوزع على الفترتين الصباحية والمسائية (ما بين السابعة صباحاً وحتى الثانية عشر ظهراً). يتلقى الطلاب تعليمهم الديني من قبل مدرسيهم ذوي الأسماء الحركية كما هو في الجدول الدراسي.

في المساء، وتحديداً عند الرابعة عصراً، تبدأ الأنشطة الثقافية والفنية، يتخللها درس ديني بين المغرب والعشاء.
يمكنك ملاحظة أن قائمة البرامج اليومية للمركز، تخلو من الأنشطة الرياضية. فالتركيز هنا ينحصر على المجال الروحي والعقائدي والفكري.

وخلال زيارتي التي امتدت لساعتين تقريباً، تسنى لي رؤية أحد القيادات التوعوية المهمة لتنظيم الحوثي، والمكنى ب"أبو مصطفى":
في الثلاثينات من عمره، طويل القامة، واسع البنية، عليه بشرة ناصعة البياض، يمكن أن ينطبق عليه وصف: ذو سعة في الجسم والعلم..

غير أنه وللأسف الشديد، اعتذر عن محادثتي لانشغاله بما اعتبر أنها "مواضيع هامة"، تاركاً لشاب آخر اسمه "كرار" (أسم حركي) مهمة مجالستي، والإجابة عن استفساراتي.

كغيره من الحوثيين، رفض "كرار" الكشف عن هويته أو حتى نشر أحاديث بأسمائهم الحركية..! كان في العشرين من عمره تقريباً، وعلى العكس من "أبو مصطفى" كان ببنية ضعيفة، وتسكنه بشرة سمراء، وذا وجه أمرد. ومن حديثه يتضح لك، أنه مازال طالباً جامعياً.

ومع أنه كان يرتدي جاكت عسكري، وتتدلى من على كتفة بندقية روسية الصنع، إلا أنه لم يسبق له المشاركة في ميادين القتال، حسب تأكيده، ذلك مع أنه التحق بالتنظيم مبكراً، والسبب يعود إلى انحصار مهامه على المجال الإعلامي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.