قبل ست سنوات وبضعة أشهر، تمكن التاجر إبراهيم حمود البدوي من فتح مشروع أسرته الاستثماري: مصنع للعصائر والمعلبات.. ذلك الحلم الذي خسر عليه حوالي 3 ملايين دولار، تحول اليوم إلى كابوس، وأودى به المهالك. هاهو اليوم وبعض أخوته يقبعون خلف القضبان منذ ست سنوات ثقيلة. وعليه ربما يحال الحلم إلى رماد. يؤكد إبراهيم أنه إذا لم تحل قضيته بحسب القانون، فليس ثمة ما يمنعه من إحراق المصنع أمام مرأى ومسمع الجميع. في رسائل الشكوى التي سلمت لموقع "المصدر أونلاين" نسخ منها مع مجموعة من الوثائق، أنه وفي مطلع يونيو من العام 2004، بدأت متاعبنا، وبدأ الحلم يتحول إلى كابوس فضيع، حين اختطفت وبعض أخوتي من وسط أمانة العاصمة من قبل العميد محمد يحيى الحاوري –رئيس لجنة الدفاع والأمن بمجلس النواب– الذي زج بنا في سجنه الخاص لمدة 23 يوماً.
ولكن هل يعقل أن تقوم شخصية أمنية وبرلمانية كبيرة، أنيط بها رئاسة لجنة مهمة كلجنة الدفاع والأمن، أن تقوم بمثل هذه الأفعال المتعارضة مع الدستور والقانون، في دولة يؤكد رئيسها على الدوام أنها دولة النظام والقانون!
لماذا إذن حدث ذلك؟ يوضح إبراهيم -رجل الأعمال المحبوس حالياً في ديوان عام وزارة الداخلية رفقة ثلاثة من إخوته– السبب في شكواه بالقول: ذات مرة طلب منا "الحاوري" أن يدخل معنا كشريك في مشروعنا الاستثماري البالغة تكلفته ثلاثة ملايين دولار نظير حمايته لنا والمساهمة بمبلغ بسيط. وبعد فترة وجيزة سعى "المذكور" –حسب وصفه– إلى الاستيلاء على المشروع. ويستدرك: وبعد أن استعصى عليه ذلك، قام باستغلال نفوذه وتسخير علاقاته الواسعة ليتم إيداعنا زنازين السجون على مدى ست سنوات كاملة.
وفي رسالة شكوى أخرى –كان أعدها إبراهيم لرئيس وأعضاء مجلس النواب– أشار فيها إلى تفاصيل إضافية. وجاء فيها أن "الحاوري" طلب منهم فدية بمبلغ (250) مليون ريال "يطلبها منا بطريقة مديونية علينا، ونحن طلبنا منهم إحالتنا إلى المحكمة أو النيابة جهة الاختصاص، ويدعي بما يشاء.. ولكن دون جدوى".
حين اختطف البدوي مع إخوانه من وسط العاصمة، وزج بهم في سجن خاص، تم التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراحهم بعد 23 يوماً مقابل فدية. في ذلك الحين حصل تحكيم من قبل الشيخ حسين صالح الشدادي، وتضمن التحكيم بنداً حكم من خلاله على الحاوري بحكم "المحدش"، حكم حبسهم في حبس غريمهم، وحبس غريم لغريمه. وجاء في الحكم "ولا يحق حبس الغريم لغريمه بالأخص في وجود دولة ونظام وقانون وشرع وقبيلة.."
لكن، ومع ذلك، يؤكد أبراهيم أن غريمه الذي وقّع على الحكم، بدلاً من التنفيذ، استغل نفوذه في الشرطة العسكرية –وهي بقيادته– فقام بتحريك حملة أمنية من أفراد الشرطة العسكرية بتاريخ 4 يونيو 2004.
تلك الحملة العسكرية –يؤكد إبراهيم– كانت مهمتها اقتحام المصنع، واقتياده مع ستة من إخوته إلى سجن البحث الجنائي بأمانة العاصمة. امتدت فترة حبس إبراهيم وإخوته لخمس سنوات دون مسوغ قانوني، قبل أن يتم نقلهم مؤخراً إلى السجن الخاص بديوان عام وزارة الداخلية.
بعث إبراهيم بشكواه إلى الصحيفة باللإضافة إلى مجموعة وثائق وأحكام قبلية. هنا لدينا وثيقة هي عبارة عن رسالة بتوقيع رئيس الجمهورية يخاطب فيها النائب العام، بتنفيذ الإجراءات القانونية بخصوص قضية حمود محمد البدوي (والد إبراهيم).
"رغم قلة حيلتنا، إلا أننا استطعنا عرض القضية على فخامة رئيس الجمهورية" يقول إبراهيم. في يوم ما استطاعت أسرة البدوي عرض قضيتها على الرئيس. أصدر الرئيس توجيهاً خطياً إلى النائب العام (شهر أبريل 2006) باتخاذ الإجراءات القانونية، غير أن النيابة العامة لم يكن بيدها حيلة لعمل شيء إزاء القضية وحلها وفقاً للقانون حسب توجيهات رئيس الجمهورية. إنها حتى لم تستطع إعمال القانون بالإفراج عنهم كونهم مسجونين بغير مسوغ قانوني. ليس هناك لا أمر من النيابة ولا حكم محكمة يقضي بحبسهم.
وبحسب معلومية السجن –التي لدينا نسخة منها– فقد كتب أسفل العمود الخاص بالتهم المنسوبة للثلاثة الإخوان المحتجزين في سجن البحث الجنائي الكلمات التوضيحية التالية: حسب توجيهات قيادة أمن العاصمة والوزارة (يقصد بها هنا وزارة الداخلية).
بتاريخ 8/ شهر مايو/ 2006، كان رئيس نيابة الاستئناف قد وجه خطاباً إلى النائب العام، وذلك رداً على الخطاب الموجه إليه من المحامي العام الأول بخصوص تظلم بيت البدوي من بقاء ثلاثة أشخاص من أسرتهم في سجن البحث الجنائي منذ فترة طويلة تقارب السنتين دون مسوغ قانوني. وجاء في الخلاصة أنه وبحسب إفادة نيابة البحث تم عرض القضية على اللجنة العليا للتفتيش على السجون، وتم إبقاؤهم تحفظياً..! الخ. وأرفقت بالمذكرة توجيهات رئيس الجمهورية.
ووفقاً لمواد عديدة في القوانين النافذة، يمنع احتجاز حرية شخص دون مسوغ قانوني. وتنص المادة (48) من الدستور اليمني على عدم جواز القبض على أي شخص أو تفتيشه أو حجزه إلا في حالة التلبس، وبأمر يصدره القاضي المختص أو النيابة العامة، وتقديم كل من يقبض عليه بسبب الاشتباه إلى القضاء خلال 24 ساعة من وقت القبض عليه، وأن يبلغ فوراً بالأسباب، وتصدر النيابة أمراً باستمرار القبض أو الإفراج عنه..
بعد ثلاثة أشهر من مذكرة رئيس نيابة استئناف شمال الأمانة السابقة (وتحديدا بتاريخ 8 /شهر أغسطس/ 2006)، عزز رئيس النيابة نفسه بمذكرة رسمية أخرى إلى النائب العام، عطفاً على الشكوى المقدمة من محامي أولاد البدوي المحتجزين في بحث الأمانة. أشارت مذكرة النيابة إلى ما اعتبره المحامي أن موكليه محتجزين منذ سنتين (كان ذلك في 2006) بدون مسوغ قانوني. وقال رئيس نيابة الاستئناف أنه تم مخاطبة نيابة البحث، تنفيذا لتوجيهاتكم (مخاطباً النائب العام)، مشيراً أن رد نيابة البحث أوضحت أن الاحتجاز "على ذمة التحفظ"..! وعليه طالب رئيس نيابة الاستئناف من النائب العام مخاطبة وزارة الداخلية بإحالة المذكورين (أي المحتجزين) مع أولياتهم إلى النيابة للتصرف في قضيتهم طبقاً للقانون أو الإفراج عنهم، كون بقائهم في السجن طيلة هذه المدة يعد مخالفة للدستور والقوانين النافذة وحقوق الإنسان.
لكن ليس ثمة جديد يذكر منذ ذلك الحين! وقبل ذلك بسنتين كانت وزيرة حقوق الإنسان السابقة، أمة العليم السوسوة، وجهت مذكرة إلى النائب العام بتاريخ 31/ شهر مايو/ عام 2004 (أي بعد شهرين تقريباً من احتجاز أسرة البدوي في سجن البحث الجنائي) طالبته فيها -على ضوء الشكوى التي قدمت إليها- بالتوجيه باتخاذ اللازم.. ومثلها فعلت منظمة "هود" الحقوقية في شهر 7 من العام 2006..
طوال سنوات السجن، يقول إبراهيم البدوي، طالبنا "أن يتم إحالتنا إلى القضاء، إن كان هنالك جرائم قمنا بارتكابها". مضيفاً: "ولكونهم عاجزين عن تلفيق أدنى التهم علينا رفضوا ذلك"..!
وحين استعصى عليهم الحل بتنفيذ القانون لم يكن بوسعهم فعل شيء. هكذا تقول الشكوى. وبعد مرور ثلاث سنوات على احتجازهم رضخوا لبعض النصائح بعد تيئيسهم من العدالة. وفي هذا السياق، يحلو لإبراهيم أن يستشهد –بمرارة- في شكاواه إلى أن نائب رئيس الوزراء لشئون الأمن عقّد عليهم المسألة حين قال لهم: "احلموا بالمحكمة وبالقانون.. وليس لديكم أي خيار سوى تحكيم من نريد"..!
وعلى ضوء ذلك، ومن خلف قضبان البحث الجنائي، قاموا بالتوقيع على وثيقة لتحكيم العميد الركن علي بن علي الجائفي قائد قوات العمالقة الذي خلص لحكم بموجب إحدى الوثائق المرفقة، والتي تم تعميدها من جهة نائب رئيس الوزراء لشئون الأمن.
في البداية لم يستطع المحكم التوصل إلى حل لتسوية القضية، ليتوصل في نهايته إلى اتخاذ قرار تم بموجبه فض الشراكة بين الطرفين. يقول إبراهيم أن ذلك اعتبر المخرج الوحيد، اعتمادا على نص جاء في عقد الشراكة، مفاده: إمكانية أن يطلب أحد الطرفين فض الشراكة بعد عامين على بدء إنتاج المصنع. لكن إبراهيم يقول: حدث ذلك على الرغم من أن المصنع لم يبدأ بالإنتاج على الإطلاق. فقد تم إيقافه قبل أن يبدأ إنتاجه. وأثناء النطق بالحكم من جهة المحكم العميد ركن علي بن علي الجائفي، كان لافتاً حضور شخصيات أمنية كبيرة في أجهزة الدولة المختلفة، يذكرهم إبراهيم في شكواه وهم: اللواء الدكتور رشاد العليمي (نائب رئيس الوزراء لشئون الأمن)، اللواء غالب القمش(رئيس جهاز الأمن السياسي)، اللواء علي السياني (رئيس الاستخبارات العسكرية)، والعميد أحمد رزق (مدير الأمن السياسي بمحافظة عمران).
وبهذا الشأن يعلق إبراهيم البدوي مستغرباً: "لست أدري ما الجدوى من حضور تلك القائمة الأمنية الكبيرة". ويستدرك: "ألم يكف ذلك الرعب والترهيب الذي يستوطننا طوال السنوات الماضية"؟
ومع كل ذلك خلص الحكم التاريخي –حد وصف إبراهيم له- والموقع عليه من قبل الحاضرين ولدينا نسخته إلى الأحكام التالية :-
- أن يعيد "الحاوري" كافة البصائر التي بحوزته. وبحسب الحكم، فقد أقر إبراهيم البدوي، أنه استلم تلك البصائر كاملة، ولم يبق لدى شريكه أي منها. (وهنا يوضح إبراهيم البدوي في شكواه أن تلك البصائر تم سلبهم إياها بالقوة). - أن يقوم إبراهيم البدوي بتسديد العميد محمد الحاوري مبلغ عشرين مليون ريال، من المبلغ المحكوم به، كدفعة أولى خلال اسبوعين من تاريخ هذا المحضر. - تم تسليم بصيرتين من الأخ إبراهيم حمود البدوي بثلاثمائة وسبعون لبنة عشاري بيع إقالة للحاوري، وذلك كضمان لتسليم ما تبقى من المبلغ المحكوم به، وتبقى أمانة ضمان لدى العميد (أحمد رزق الهمداني) نظراً لعدم قدرة إبراهيم البدوي تقديم ضمان تجاري..ألخ - تم الاتفاق على إيداع اثنين من أولاد الحاج حمود البدوي في الحجز حتى يقوموا بتنفيذ الحكم وتسديد المبلغ خلال مدة أقصاها في 31 أبريل 2008. وفي حالة عدم تسديد المبلغ المذكور خلال الفترة يتم إيداع كل من إبراهيم حمود البدوي، وفؤاد حمود البدوي، والحاج حمود البدوي الحبس. - يتم تسليم المصنع المحجوز "مصنع داني" للحاج حمود البدوي وأولاده.
بدا الحكم في نظر إبراهيم غير منصف، لكنه قبل به كونه يريد التخلص من كابوس فظيع استمر ست سنوات توقفت معها استثماراته. وفي رسالة شكوى كان أعدها إبراهيم البدوي إلى رئيس الجمهورية ضمن فيها تفاصيل القضية جاء: ".. ومع عدم شرعية كل هذه الإجراءات عرضنا عليهم اختيار عدلين لتثمين أي أرض من أملاكنا ل"الحاوري" سداد مبلغ العشرين مليون الفدية المتبقية علينا في المحضر التنفيذي، أو إعطائنا مهلة بضمانة المصنع، ورفض "الحاوري" هذا الرضوخ –حد وصف الشكوى– مما جعلنا نسعى لمراسلة الشركات الخارجية.
لقد أثمرت تلك المراسلات، وتم الاتفاق على توريد المواد الخام للمصنع بقيمة (40) مليون ريال بتمويل بنكي، لتشغيل المصنع الذي يعتقد البدوي، أنه من خلال إعادة تشغيله سيستطيع سداد ما تبقى عليه من مبالغ محكومة.
وفي رسالة شكوى أخرى، خطية (كان أعدها لرئيس وأعضاء مجلس النواب)، أوضح إبراهيم البدوي فيها، أنهم قاموا بتنفيذ بنود الحكم بكل جهدهم، سعياً منهم لتشغيل المصنع. يقول: "وعرضنا على رموز الدولة تلك (أي الشخصيات الأمنية الحاضرة)، القيام بشراء الأراضي التي كانت بصائرها مودعة كضمان لدى الحاوري، بل إننا عرضناها على الحاوري، فهدفنا هو تجاوز كل ما حدث لنا من مآس يستعصي حصرها".
وفي حين لم تستطع أسرة البدوي بيع تلك الأراضي لتسديد ما عليها من أموال الحكم، فقد استطاعت الحصول على تمويل بنكي لتوريد المواد الخام بقيمة "40" مليون ريال. إلا أنهم تفاجأوا مرة أخرى –تقول الشكوى– بقيام غريمهم بإعادتهم إلى السجن إلى جوار أشقائهم الاثنين المودعين هناك كرهائن..!
ربما ما قام به غريمهم هذه المرة جاء تنفيذاً للحكم المتفق عليه في المحضر، الذي يقضي بتسليم بقية المبالغ خلال مدة حتى 31 ابريل من العام 2008، وبسبب عجز بيت البدوي من سداده في تلك الفترة المحددة، شرع الحاوري بإعادتهم إلى السجن. ومع ذلك فإن الواضح أن كافة إجراءات الحبس والاحتجاز مخالفة للدستور والقانون..
كان لدى الحاوري بصيرتين بثلاثمائة وسبعين لبنة، كضمان للسداد، بل كان هناك اثنين من أشقاء إبراهيم البدوي مازالا في السجن كضمان للسداد أيضاً.. فلماذا استعجل "الحاوري" وأعاد إبراهيم وأخيه فؤاد إلى السجن، في الوقت الذي كانا فيه منهمكين بتشغيل خط الإنتاج في المصنع بعد حصولهم على قرض وتمويل بنكي...؟!
يعتقد إبراهيم أن لدى غريمهم نوايا بتحطيم استثمارهم لأغراض أخرى. إذ يعتقد أن إصراره على إحباط عملية تشغيل المصنع وتدميره تقف وراءها أموال تقدم من قبل مصانع وشركات منافسة..!
الواضح أنه لم يعد لدى إبراهيم ما يخسره أكثر مما قد خسر ليقول ذلك. فهو من حين إلى آخر في سجنه الحالي مع أخيه رمزي، في ديوان عام وزارة الداخلية، لا يملك إلا أن يمسك قلمه ليشرع من جديد في إعداد مشاريع أخرى. ليست مشاريع استثمارية، فذلك كابوس فظيع لا يمكن معاودته بالمرة، لكنها مشاريع أخرى مختلفة تماماً، إنها مشاريع لكتابة شكاوى جديدة لرئيس الجمهورية، أو لرئيس وأعضاء مجلس النواب. ومؤخراً للصحافة.
في أحد مشاريعه تلك، كتب إبراهيم رسالة مريرة لرئيس الجمهورية بدأها بتذكيره بخطاباته الانتخابية وأقواله التشجيعية للاستثمار وتحسين مناخاته، لينتقل إلى الحديث عن أهمية مشروعهم الاستمثاري الضخم ودوره في خدمة البلد (يقول إنه مشروع استثماري ضخم مكون من أربعة خطوط إنتاجية حديثة لإنتاج مختلف أنواع العصائر وفق أحدث المواصفات..الخ، وأنه كان سيستوعب في مرحلته الأولى مائتي يد عاملة محلية، كما يستوعب نسبة من الفائض الزراعي من المانجو والخوخ وغيرها...الخ) لينتقل بعد ذلك، لسرد تفاصيل المأساة التي هدمت حلمه وحلم أسرته. وفي ختام تلك الشكوى، التي تضمنت مرارات وزفرات وإحباط ويأس، خلص البدوي إلى التهديد بحرق المصنع فيما لو استمر الكابوس على ما هو عليه..