ذات يوم، أعطتني مشرفة المكتبة في معهد اللغة كتابا صغيرا اسمه بالعربي "أن تكون أجنبيا في لندن". العنوان كان لمؤلف بولندي عمل في بريطانيا صحفيا في الخمسينات. الكتاب كان يسخر من البريطانيين وتعاملهم مع الأجانب أو الغرباء عنهم، لأن المؤلف استخدم كلمة "alien" وهي تعني "غريب" أكثر مما تعنيه كلمة أجنبي بالعربي. وللذكر في السعودية، أكثر ما يغضب العرب استخدام هذه الكلمة، ولا أظنهم يجدون من يشرح لهم أنها تستخدم عادة، ولا يراد بها ما يراد عند استخدامها في الدول العربية. فالسعوديون البدو مثلا، إلى وقت قريب، يصفون من لا ينتمي إلى قبيلتهم بالأجنبي، وفي التراث الإسلامي الأجنبي هو من ليس بمحرم للمرأة، أي أن إخوتنا العرب في بلادنا عليهم أن يتفهموا اختلاف الاستخدامات للكلمة، ولا يتحسسوا منها. على كل حال، عليهم ألا يتوقفوا كثيرا عند هذه الكلمة، فهناك ما يجب التوقف عنده في السعودية ودول الخليج فيما يخص هؤلاء الوافدين، على اختلاف بلادهم وثقافاتهم، مثل لغة التعامل الفظة التي ينتهجها الإعلام في الخليج بشكل عام ضد هؤلاء الوافدين، في سياق تحمسه لنقد الأوضاع الاقتصادية، وما كاريكاتير الفأر إلا مثال صغير على ذلك. يقول أستاذي ساخرا من البريطانيين، إنهم غاضبون من عدد الأجانب المقيمين، لكنهم يعترفون أنهم لا يستطيعون أن يعملوا في البناء مثلا، بل إن عدد البريطانيين العامل في الحقل الطبي يجعلنا مهددين بالأمراض، لولا هؤلاء الفلبينيين والعرب الذين يمسكون بمؤسساتنا الطبية أن تقع. إن الوضع في السعودية متشابه مع الوضع في بريطانيا، فالسعوديون لا يمكن أن يغطوا مهنًا شتى، وسيظلون محتاجين إلى هؤلاء الوافدين في أكثر من قطاع، فكيف تسمح أن يتطاول الإعلام على من يقوم بمعالجتك وتطبيبك أو بناء منزلك؟! البعض يقول، إن الوافدين يحتلون الوظائف بدلا من السعوديين. حسنا، عليك أن تعترف بأن هذا ليس ذنبهم، بل ذنب نظامك الذي لم تتأكد أنه سيتكفل بحماية فرص السعوديين في التوظيف في الوظائف التي يستحقونها. إن تفاقم كراهية المقيمين ستضر السعوديين أولا، وتخلق تصورا غير حقيقي عن حجم حاجتنا، والذي ربما نواجه وطأته إذا بدؤوا في رفض البقاء ومغادرة بلادنا إلى بلاد ترحب بهم وبإسهامهم في بناء الاقتصاد، خاصة الكفاءات منهم.