70 مليار قيمة صفقات الاسلحة الامريكية لتايوان    مجلس النواب يستعرض تقرير لجنة الخدمات بشأن مشروع قانون الطرق    الحرس الثوري: سنعاقب الجماعات "الإرهابية" المرتبطة بالصهاينة والاستكبار    تفقد سير اختبارات الثانوية والمراكز الصيفية بمديرية خمر في عمران    العولقي: الجنوب قراره ومصيره بيد أبنائه    وزير النقل يطلع على سير العمل في هيئة النقل البري    يا مرتزقة ارفعوا حصاركم عن تعز    المليشيات الحوثية تعمل على تدمير المنظومة الصحية لإطالة أمد الحرب    الجنوب والوحدة المشؤومة.. عندما قال الشيخ زايد لا للحرب الدامية    تفقد سير اختبارات الثانوية العامة بمديرية الصافية    رئيس الوزراء يعزي في وفاة العلامة أحمد عباس إبراهيم    الهيئة العامة للكتاب تعلن عن قرب صدور ثلاثة كتب للبردوني    وزارة الصحة تنفي وجود أي حالات إصابة بجدري القرود في اليمن    محرز يؤكد ... ليفربول يكرهنا.    الكشف عن قرارات تاريخية للمجلس الرئاسي خلال الساعات القادمة    ظهور مفاجئ ل"أبوعلي الحاكم" .. أول تصريح للجنة العسكرية بخصوص هذا الأمر    ميسي يوجه رسالة وداعية الى مواطنه في الفريق انخيل دي ماريا    الفيفا يوافق على تمديد عمر اتحاد الكرة اليمني    رئيسي: الوجود الأجنبي يهدد أمن المنطقة    وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني تخفض تصنيف أوكرانيا للمرة الثانية في 3 أشهر    ملتقى إعلاميات اليمن يدين استمرار اختطاف الصحفية نزيهة الجنيد    كارثة غذائية يصعب مواجهتها وتلافي تداعياتها على اليمنيين    مسؤول يكشف عن تعطيل متعمد لأهم مشروع لتوليد الكهرباء في عدن    إسرائيل تصدر حكمها أنهائي على 5 من أسرى نفق الحرية    فياريال يتغلب على برشلونة في الدوري الإسباني    ميلان يتوج بالدوري الإيطالي    الكاتب الليبي محمد النعاس يفوز بجائزة البوكر للرواية العربية 2022    مناقشة الربط الشبكي بين الإدارة العامة للمرور والهيئة العامة للنقل البري    تغيرات جديدة في قيمة الريال اليمني امام العملات الأجنبية وهذا هو اخر تحديث..السعر الآن    بصورة "الخيانة".. بنزيمة يثير الجدل بعد قرار مبابي    الأحمدي يحصل على الدكتوراه في تنظيم المجتمع    الأجهزة الأمنية تضبط عصابة احتيال تمتهن استخراج وثائق سفر مزورة    مرصد إعلامي يوثق 6 حالات انتهاك ضد الحريات الإعلامية    "السيسي" يدعو لتخزين القمح على طريقة "النبي يوسف"    وزير الخارجية الهندي يؤكد وقوفهم إلى جانب اليمن في تحقيق السلام    وزير الخارجية الأمريكي يشدد على الحاجة العاجلة لتسهيل حركة الوصول إلى مدينة تعز    علماء الآثار يكتشفون ديرا أثريا من العصور الوسطى في ويلز    وحدة صنعاء يحتفي باليوم الوطني بأبهى حله    ماذا تعنى الأوليجارشية؟.. تعرف على أصل المصطلح في الثقافة اليونانية    من درر ابن القيم:    الإنترنت سلاحٌ ذو حدين:    يدمر عضلة القلب .. مشروب شائع ويتناوله جميع الأشخاص ولا يعلمون اضرارها على الجسم احذروا فورا    وثائق رسمية تكشف فساد نقابة نقل البضائع بالحديدة وتفرض على سائقي الشاحنات جبايات غير قانونية في النقاط التابعة لها ..!!    عروس أردنية تشترط على العريس أن يتزوجها هي وصديقتها بمهر واحد وليلة واحدة!! .. وعندما سألوها عن السبب كانت المفاجأة    تفجير اسطوانة غاز بذمار ينسف منزل من 3 طوابق ومقتل وجرح عائلة كاملة (تفاصيل+صور)    وزير الصحة يشارك في الدورة 57 لمجلس وزراء الصحة العرب    حتى تحافظ على بصرك وتستغني عن النظارات .. اليك هذه الفاكهة التي يهملها الكثيرون تحسن النظر بقوة .. تعرف عليها وطريقة استخدامها !    ثمن الجهود التي بُذلت لاستعادة الوقف وتفعيل دوره الإنساني والإيماني والوطني    بارك للشعب حلول الذكرى ال 32 للوحدة اليمنية وأشاد بدور المرابطين من أبطال الجيش واللجان الشعبية    جامع ومدرسة الفرحانية في زبيد    الكشف عن وصية الفنان ''سمير صبري'' قبل وفاته: لما أموت اتصلوا بهذا الرقم!!    وفاة نجلعبدالكريم عبدالله عبدالوهاب نعمان بعد أيام مناشدة الرئيس ''العليمي'' لإنقاذ حياته    أوبريت ومباراة استعراضية على كأس اليوم الوطني بنادي وحدة صنعاء    رسالة وحدوية من قلب عاصمة السياحية والزراعية اليمنية إب في ذكرى 32للوحده اليمنية    تعز ديمومة نضال    جماعات الإسلام السياسي.. وارتباطها بالغرب الاستعماري!!    السعودية.. موافقة ملكية على إقامة المسابقة الدولية لكتابة "مصحف المؤسس"    الأوقاف اليمنية تبدأ استعدادتها لموسم الحج بتشكيل لجنة عليا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ظاهرة الرداءة وشكوى المثقف

بين الفينة والأخرى، تجد مثقفين من هنا وهناك، يشهرون سياطهم ضد الرداءة المتفشية، إنها مزعجة للجميع وآثرها مدمّر على الوعي العام، ذلك ما نتفق به معهم ولا يمكننا التشكيك به؛ لكن نقد الرداءة لا يكفي لتقويضها، لا يكفي أن نهجو النماذج السطحية كي نحرس وعي المجتمع. أحيانًا أشعر أن مدمني نقد الرداءة، ليسوا براء منها، أو على الأقل فليس كل من ينقد الرداءة له علاقة بالجودة، أحيانا هي مجرد حيلة لنفي التهمة فحسب، أو تبرير للعطالة.
نقد الرداءة: هذا سلوك هو بذاته سطحي الأثر، لكأننا -حين نقوم به- نزعم أننا قد تمكنا وبالضربة القاضية من تحييده، وهذا وهْم مبالغ به، بل ويكشف عن عدم تمكننا حتى اللحظة من تشخيص التفاهة وكيفية تجاوزها. ذلك أن الرداءة لا تنتظر حكم المثقف؛ كي تتوقف، ولا تستمد شروط فاعليتها مما يقوله عنها أو ضدها.
لدينا أشخاص فارغون ونشطون جدا، وجمهور عريض يتابعهم، القطاع الأعظم فيه متواضع الوعي، ومن الطبيعي أن يجتذبهم كل ما هو سطحي وعابر ويفتقد للقِيمة الخالدة. إلى هنا الأمر طبيعي ومفهوم. ما ليس طبيعي هو أنك لا تدري من الذي أوهم المثقف أن الغالبية في المجتمع كان يجب أن تحتشد خلفهم، ولا أدري لماذا يغضب المثقف حين يجد الحشود تلهث وراء التسلية والقضايا الفارغة.
بالمقابل، لدينا أشخاص يملكون أدوات الفكر والمعرفة ومؤهلون للنشاط الثقافي بمعناه الرفيع والمتعدد؛ لكنهم أقل فاعلية وكسالى، ويعتقدون أن مهمتهم تقتصر على جلد المجتمع والتشكيك بذائقته. فلا هم اشتغلوا لحجز مساحات لهم تتمتع بنوع من الثراء، ولا توقفوا عن التأفف والعويل وجلد الآخرين والسخرية الفوقية منهم.
من الواضع أن لعنة الثنائيات المتناقضة تلاحقنا (مثقفون خاملون وشعبويون فاعلون)، إن رجال الفعل أغبياء جدا، ورجال الوعي عاطلون جدا؛ ذلك ما صرخ به ديستوفسكي، قبل ما يقارب 200 عام، لكأن طبيعة الحياة اقتضت هذا التناقض الغريب، ما يجعلنا أمام حاجة صعبة للموازنة، يكون بموجبها المثقف أمام تحدّي الفاعلية والقدرة على الوصول إلى الجمهور، والشعبوي أمام تحدّي الوعي وضرورة تثقيف نفسه ولو بالحد الأدنى من متطلبات الفهم، كي يطّلع على جمهوره وهو قادر على تبسيط القضايا لهم، وتقديم مادة مقبولة حول الأوضاع.
فكما أن حالة القطيعة بين المثقف والجمهور هي نقطة سلبية في حالته، إذ لا قيمة حيوية لعقل محمول على طبع بارد، مثلما لا قيمة معرفية وتنويرية لحماسة فارغة يصدح بها الشعبوي، والطريقة الوحيدة لرفع مستوى قيمة الطرفين ونشاطهم هي احتياج كل طرف لبعض من سمات الآخر.
طوال التاريخ البشري، وحتى عصرنا هذا، ويمكن الذهاب أبعد والقول وحتى قيام الساعة، كانت النسبة الساحقة من المجتمع ذات طبيعة عادية ومسطّحة، ويصح كثيراً وصفها "بالشعبوية" بالمفهوم الحاضر، ما يعني أن المجتمعات وفي أكثر فتراتها تحضرا ووعياً، ستظل السمة البارزة فيها هي "الشعبوية" والذوق المسطّح، وبالتالي فلا قيمة عملية للتبرّم منها، والمبالغة في تصوير خطرها.
إلا أن ما هو مؤكد وباعث للطمأنينة هو أن الرداءة والمزاج الشعبوي -مهما بلغت قوته العددية وقدرته على إثارة الصخب- تظل آثاره كما طبيعته سطحية وعاجزة عن إحداث أي حفر عميق في وعي المجتمع، فهي لا تتعدّى مجرد الرّغوة العابرة، وأثرها يزول سريعاً، ولا يمكنها أن تصير في يوم ما موجِّها وناظما أو صانعا للتأثيرات الحاسمة والجذرية في ذهن المجتمع.
صحيح أن ظواهر التفاهة تترك أثرا في اللحظة العابرة، وتربك الوعي المجتمعي مؤقتا، وتسحبه نحو اهتمامات عديمة القِيمة، لكن مهما بلغ نفوذ هذه الظواهر الفارغة تظل عاجزة عن التحكّم بمصير المجتمع، فالطبيعة البشرية تخضع لدوافع معقّدة، وتعيد تصحيح وعيها وتنظيم سلوكها بعيداً عن المؤثرات اللحظية الفارغة. وحدهم الأشخاص الفارغون من القيمة والمعنى، يجدون لهفة للتشبث بأدنى تفاهة تمكنهم من تحقيق الظهور، وحدهم العاجزون عن انتزاع مساحة لهم في العالم بجدارة الموهبة وبأصالة الذات الفاعلة والممتلئة، هم من يعتقدون أن الحضور الفارغ جالب للقيمة، وأن التطفل حيلة ناجعة للظهور.
وعلى النقيض تتصرف الذوات المتصلة بالمعرفة النشطة، تستند لذاتها، تغترف من منابع خالدة، وقادرة على أن تقدم للناس كل يوم فكرة ومعنى جديد، تلك هي من تستمر في الصعود للأبد.
أخيرًا: لا خوف من الرّداءة، مهما استفحلت، هناك خوف من خمول الجودة وحامليها فحسب، وهذا ما يتوجّب التركيز عليه دوماً، بدلا من خوض صراعاتنا مع طواحين الهواء، أو الاكتفاء بالشكوى من سيطرة التفاهة ولطم الخدود والشعور بالإحباط من تفشيها، وكأنّ تمددها قدرا حتميا لا يمكننا مدافعته، أو كأن الطريقة الوحيدة لمدافعتها هي السخرية منها، وكأنك بهذا قد أنجزت دورك وعطّلتها، أو كأنّ دورك مجرد ردة فعل عليها، وليس فعلا له منطلقاته المستقلة، وأدوات نفوذه وفاعليته الموازية والمختلفة.
دعكم، من كل حالة فارغة، ثمة تعبير، يقترب من كونه قانون كوني، يعمل في قلب الطبيعة: فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. "جُفاء" يا له من تعبير ذكي، لكأنه يوحي بكل ما أجوف، إشارة للفراغ، الخواء، وهي دلالة لا تبتعد كثيرا عن "التفاهة"
لا يمكنك أن تنجح بتخليد ما يفتقد لصفة الخلود، ولو حشدت العالم كله لإسناده وبالمقابل، لا يمكنك تقويض ما ينطوي على قيمة خالدة، عنصر بقاء، ولو جردته من كل أسلحة الأرض، سيشق طريقه وينتزع وجوده، كأن يد الله تباركه ليمض حتى الأبد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.