تشن مليشيا الحوثي حروبا عدة على اليمنيين ويبرز التعليم كساحة معركة تخوضها بدءً من تحريف المناهج التي تستهدف الهوية الوطنية، وصولاً إلى انتهاكات متعمدة وممنهجة بحق التربويين والأكاديميين. والاسبوع الماضي اختطفت الميلشيات المفكر وأستاذ علم الاجتماع، حمود العودي والمهندس عبد الرحمن العلفي ولم يكن هذا حدث طارئ، بل كان ضمن سلسة طويلة من استهداف الأكاديميين والتربويين والنخبة في مناطق سيطرة الحوثيين.
وضمن مشروعها الطائفي والكهنوتي الإرهابي تمارس ميلشيات الحوثي الانتهاكات بحق الأكاديميين والتربويين والنخب الفكرية في المجتمع، إما بالاختطاف والتغييب القسري في تدمير منهجي للجامعات وتحويلها إلى أدوات تعبئة طائفية وإجبار العقول على المغادرة قسراً.
صورة قاتمة ويعد استهداف الأكاديميين والتربويين هو تدمير كلي لما تبقى من مساحة الوعي باستراتيجية قمعية تهدف لإفراغ اليمن من النخبة ذات التفكير المستقل بعيداً عن الاستقطاب، بهدف إعادة تشكيل المجتمع بما تناسب مع أفكار المليشيات ومشروعها الطائفي والفكري.
"محمد" أحد طلاب الدكتور حمود العودي قال ل"الصحوة نت"، "إن الخوف انتشر في أروقة الجامعة بعد الحادثة، وإن الجميع أدرك أن الجماعة تعتبر المعرفة خطراً يستحق الإخماد".
وأضاف: "العودي والعلفي لم تشفع لهما مكانتهما العلمية، ولم يكن لسنّهما أو تاريخيهما الفكري والأكاديمي أي وزن في مواجهة آلة القمع الحوثية، فالرسالة كانت واضحة "لا حصانة لمن يفكر، ولا أمان لمن يحتفظ برأي مستقل".
بالإضافة إلى ذلك تبدو الصورة داخل الجامعات في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، أكثر قتامة مما يظهر للعلن، أساتذة في جامعة صنعاء يؤكدون أن الحرم الجامعي فقد هويته العلمية وتحول إلى مساحة تعبئة مذهبية، دورات طائفية تُفرض على الطلاب وكوادر الجامعة، وزيارات منظمة لأضرحة رموز الجماعة وقتلاها، إضافة إلى تدريبات عسكرية تجرى بشكل مغلق داخل بعض المنشآت.
لم تسلم الجامعات الخاصة هي الأخرى من تلك الممارسات، فقد تعرّضت للتهديد بالإغلاق والغرامات إذا لم تستجب لتوجيهات الجماعة، يقول أستاذ جامعي "إن وظيفته لم تعد تقديم المعرفة بل أداء دور في ماكينة سياسية تريد جيلاً ينفذ ما يملى عليه".
إرهاب المجتمع
يقول رئيس مؤسسة مساواة للحقوق والحريات المحامي نجيب الشغدري، إن ما تقوم به مليشيا الحوثي من حملة اختطافات تعكس توجهاً واضحاً لإرهاب المجتمع وإحكام القبضة الأمنية عبر سياسة ممنهجة تستهدف كل الفئات بلا استثناء.
وأضاف في حديثه ل "الصحوة نت"، "أن مليشيا الحوثي شنت حملة اختطافات واسعة في عدة محافظات طالت أكاديميين ومحامين وعشرات الموظفين العاملين ضمن منظمات أممية ودولية بينهم نساء موظفات".
وأوضح الشغدري أن على رأس المختطفين المحامي عبد المجيد صبره، والدكتور حمود العودي ورفقيه المهندس عبد الرحمن العلفي، وأنور خالد شعب، بالإضافة إلى نساء منهن حنان الشيباني ونسرين الشرماني".
وشدد على ضرورة تحرك دولي عاجل وجاد، يتجاوز بيانات الإدانة، يضمن حماية المدنيين ووضع حدٍّ لسياسة الاعتقال والإخفاء التي تمارسها جماعة الحوثي".
وقال الشغدري إن مليشيا الحوثي اختطفت خلال سبتمبر واكتوبر الماضيين أكثر من 400 مواطن في محافظتي ذمار وإب بينهم أكاديميين وتربويين وشخصيات اجتماعية وسياسية وقيادات محلية وناشطون، كما ترافق مع الحملة تهديدات مباشرة لعائلات الضحايا للحديث عنهم".
قمع منهجي
وكان تقرير سابق لمنظمة "رايتس رادر" لحقوق الانسان في سبتمبر الماضي، أكد مقتل مقتل 33 أكاديميًا وإصابة 98 آخرين، بينهم 9 نساء، منذ 2014، معظم الحالات ارتكبتها مليشيا الحوثي.
ووثق التقرير وفاة 4 أكاديميين تحت التعذيب، بينهم أساتذة في جامعة صنعاء أفرج عنهم وهم بحالة صحية سيئة وتوفوا بعد أسابيع قليلة، من جانبه اعتبر معهد التعليم الدولي "أن اليمن أصبح المصدر الأول لطلبات صندوق إنقاذ العلماء، في مؤشر على حجم الخطر الذي يواجه الأكاديميين".
بحسب مراقبين فإن هذه الأرقام تعكس سياسة ممنهجة تستهدف النخبة التي لها القدرة على التأثير وقيادة التغيير بهدف خلق فراغ كبير يسمح للمليشيات إحلال عناصرها المؤدلجة في إطار تنفيذ اجندة ومشروع طائفي كهنوتي.
أساتذة جامعيون كثر باتوا يخشون الظهور بأسمائهم، وبعضهم توقف عن كتابة آرائهم أو نشر أبحاثهم خوفا من سطوة المليشيات.
أحد اساتذة جامعة صنعاء -طلب عدم ذكر اسمه- قال ل"الصحوة نت": "إن عدداً من الأقسام في بعض الكليات توقفت عن العمل نتيجة سياسة المليشيات، وأن بعض الدكاترة يُجبرون على التدريس برواتب لا تكفي لإيجار منزل وأحيانا بدون مقابل".
أستاذ جامعي، مختطف سابق، تحدث ل "الصحوة نت"، "أن التحقيق معه كان يدور حول الكتب التي يدرّسها في الجامعة والأفكار التي يناقشها مع طلابه".
وغادر كثير من الأكاديميين غادروا إلى مصر والأردن وشمال العراق بحثاً عن الأمان، بينما يعيش آخرون بفيز مؤقتة خوفاً من العودة، ومراقبون يؤكدون أن الجامعات اليمنية تخسر نخبتها، وهذا النزيف المعرفي يهدد مستقبل البلاد لعقود.
تجريف الوعي
ويعد استهداف الأكاديميين جزء من مشروع لتفكيك المجتمع وإعادة تشكيله بإسقاط النخبة وإفراغ الجامعات من كوادرها لاستبدالها بعناصر مؤدلجة، وكسر أي مقاومة فكرية لمشروع الجماعة.
إضافة إلى استخدام القع كأداة لتدجين المجتمع وبناء جيل مطيع يُدار عبر المناهج الطائفية التي تفرضها بدءً من المدارس، في سياق حرب طويلة المدى نحو السيطرة على مستقبل اليمن بأكمله بتحويل الجامعات إلى مراكز تعبئة طائفية.
استهداف الدكتور حمود العودي وزملائه ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة في مشروع كامل يطارد المفكرين والمثقفين والمعلمين والطلاب، لفرض مجتمع خاضع ومطيع وخائف، لا يعرف سوى رواية واحدة ولا يمتلك القدرة على التفكير.
وكانت حملات ميلشيات الحوثي تستهدف الأكاديميين والتربويين الذين لم يخضعوا لسلطة الجماعة واحتفظوا باستقلاليتهم رغم معانتهم، وبشكل ممنهج يركز على الحوثيين على تدمير مستقبل البلاد من خلال النخب التي غالبا ما تكون جزء من الأمل في إعادة صياغة المستقبل.