يحكي حميد الرقيمي قصة جيلٍ من الشباب اليمنيين يعيش مأساة مركّبة بسبب الحرب، جيل يبحث عن خلاصٍ من حالة الضياع. حاول في روايته عمى الذاكرة خلق صورة لمشاهد قاسية تركتها سنوات الحرب وما خلّفته من كارثة متعددة الوجوه. "لماذا نحن تحديدًا لم نجد الأرض التي تتيح لنا العيش بكرامة؟!" بهذا السؤال يبدأ الروائي حميد الرقيمي حديثه " الصحوة نت" عن تراكمات ما عاشه وشاهده، والدافع الذي قاده للبحث عن إجابة لسؤال ظلّ يشغل تفكيره، وهو يرى شبابًا يمنيين يمضون في طريقٍ مجهول بحسب قوله. الرقيمي، صاحب رواية عمى الذاكرة الفائزة بجائزة كتارا للأعمال المنشورة، تحدّث ل"الصحوة نت" عن مراحل الكتابة، والصعوبات التي واجهته، والرسالة التي أراد إيصالها من خلال حكاية جيل كامل عاش وسط الفقر والحرب والتشرّد، ذلك الصوت الذي لم يُسمع من قبل. الشاب الرقيمي، المولود في منتصف التسعينات بمحافظة إب وسط اليمن، بدأ دراسته الجامعية والبلاد كانت تتدحرج نحو حرب شاملة بعد سقوط الدولة في سبتمبر 2014. بعدها دخل اليمنيون حالة من الشتات والتشرّد ما تزال قائمة إلى اليوم بلا أفق واضح للنهاية. هذه القساوة تشكّلت في وجدانه وانعكست في رواياته الثلاث. وقد صدرت له روايات: حنين مبعثر، الظل المنسي، وعمى الذاكرة. هذا الإنجاز الثري في عمر مبكر يعكس روح الكفاح ومحاولة اكتشاف الذات عبر الكتابة وتدوين التجربة الإنسانية التي يمر بها اليمنيون في تغريبتهم المؤلمة. رواية عمى الذاكرة تدور الرواية حول البطل "بدر" الذي أذاقته حرب سابقة وهو في الخامسة من عمره - مرارة فقد الأب والأم والعائلة كاملة، ليبقى شاهدًا على موتهم الفاجع. وتتوالى القصص والمشاهد المأساوية في مسار الرواية، وتنتهي بالمصير ذاته. تبدأ حكاية عمى الذاكرة بمشهد مطاردة البطل من قِبل مجهول أثناء هروبه من صنعاء تحت وابل النيران التي كانت في كل مكان، وتختتم بالهجرة القسرية عبر البحر في محاولة النجاة الأخيرة، تاركًا خلفه بلاده التي كانت تُسمى "اليمن السعيد". يعتقد الرقيمي أن فكرة الرواية وتجسيد تجربة الجيل ظلّت تختمر لسنوات، وعندما بدأ كتابتها كما قال "كانت تنساب بألم فوق كل صفحة. ليست تجربة شخصية محضة، ما قدمته هو تجربة جيل كامل مات في المجهول، جيل لم يكن من الملائم أن يُنسى دفعة واحدة". وتحدث بحرقة عن ضحايا الحروب قائلًا: "كل يمني شهد على حكاية دامية واحدة على الأقل، كلّنا كنا ضحايا لحروب عديدة قامت على أرواحنا ولم تتوقف. الواقع مليء بالآلاف من القصص، وقد حاولتُ تقديم بعضها كما سمعتها وشهدتها". ويؤكد الرقيمي أنه ابن بيئة بسيطة، وأن "بعض شخوص عمى الذاكرة خرجوا من الأزقة والأيام التي شهدت الحرب والظلم". وأضاف: "بدأتُ الكتابة في ذروة يأسي، وعندما وصلتُ إلى القاهرة نضجت الفكرة أكثر، خصوصًا وأنا أرى شباب اليمن في الشتات يستعدّون للهروب من ذواتهم وأوطانهم". لا ينكر الرقيمي وجوده في الرواية ضمن تفاصيل التجربة الإنسانية. وقال ل"الصحوة نت": "كنت حريصًا على تقديم الرواية بصدق، ومن عمق المعاناة التي عشتها أو سمعتها. بكيت كثيرًا أثناء الكتابة، وكان بكائي مرآة لما يختبره كل من عاش الفقد والحرمان والخوف من النسيان". ويقدّم الإهداء الطويل في الرواية إلى "كل من طالتهم نيران الحرب، إلى ضحايا البحار والصحاري، إلى المنفيين والمشرّدين ومن فقدوا ذواتهم في رحلة البحث عن الحياة". ورغم بصمة الألم في الحكاية، يؤكد أنها "قابلة للحدوث في أي زمان ومكان". جائزة كتارا... رسالة أمل قال حميد الرقيمي: "لم أكتب من أجل جائزة، ولم يخطر ذلك على بالي يومًا. وربما هذا ما جعل الرواية تصل إلى كتارا وتفوز. حين انتهيتُ منها وقرأتُ العمل مرّات عدة، شعرتُ أن هذا النص يستحق أن يقرأه الآخرون". واعتبر فوزه بجائزة كتارا رسالة أمل للشباب اليمنيين. وبعد التكريم في الدوحة كتب: "هذا التكريم ليس لي وحدي، بل لكل شاب يمني. مثلما خرج حميد من الظل، سيخرج غيره. الطريق أصبح اليوم أكثر انفتاحًا، وأنا واثق أن السنوات القادمة ستكون مليئة بأسماء شابة مبهرة تملأ المنصات في مختلف المجالات". ويرى الرقيمي أن أمامه مسؤولية أكبر بعد الجائزة. وقال: "بعد الفوز تغيّرت أشياء كثيرة، وتعاظمت المسؤولية تجاه نفسي والآخرين. أحاول اليوم أن أضع حاجزًا بيني وبين ما يمكن أن أكونه لاحقًا، لا أريد للجائزة أن تؤثر عليّ سلبًا". وعن مشاريعه المستقبلية، قال: "أنا الآن متفرغ لرسالة الماجستير. لا توجد مشاريع أدبية في الوقت الراهن، والأفكار تأتي في اللحظة التي تختارها هي، شرط أن نواصل العمل والجهد بصدق". وفي ختام حديثه، لم ينسَ أقرانه من الشباب اليمنيين التائهين في مأساة الحرب، فقال موجّهًا رسالة إليهم: "لا تتوقفوا عن الحلم. عوالمنا الذاتية لا حصر لها، وستضيء يومًا ما. الإيمان والعمل والصدق، وعدم التوقف مهما كانت التحديات... هذه هي الطرق التي تفتح الأبواب مهما طال الطريق". ويمثل الروائي حميد الرقيمي صوت جيلٍ من الشباب اليمنيين أنهكتهم الحرب المنسية المستمرة منذ 11 عامًا بلا مستقبل ولا حياة كريمة، بين مأساة المعيشة داخل البلاد والتشرّد خارجها، ويمنح رسالة أمل بالقدرة على التحدي والإنجاز.