أقر البرلمان الجزائري قبل أيام قليلة قانوناً يجرّم الاستعمار الفرنسي للجزائر الذي وصفه ب «جريمة دولة»، مطالبا باعتذار رسمي من فرنسا، وهو ما يشكل مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، فيها تتحمل الدول الاستعمارية فاتورة جرائمها بحق الشعوب التي اكتوت بنار الاستعمار، وأول هذه الجرائم سلب الارض والثروات عن أهلها، وتحويلهم غرباء في بلدهم، وممارسة الجرائم المختلفة بحقهم، والإضرار بالبنية الاجتماعية والاقتصادية، وإحلال ثقافات بديلة لا تناسب أصحاب الأرض الاصليين. الاستعمار الفرنسي للجزائر (1830-1962) تسبب في تدمير بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، عبر عمليات ترحيل واسعة، وقمع العديد من الانتفاضات، والتي توجت بثورة الاستقلال التي استمرت ثمانية أعوام انتهت بالتحرر من المحتل في العام 1962، وكان ثمن الحرية استشهاد 1,5 مليون جزائري، وجاء القانون الأخير ليعيد التذكير بالمأسي التي تسببت بها فرنسا، وتزامن إقراره مع ارتفاع الأصوات في العديد من الدول، وفي محافل مختلفة، بضرورة الاعتراف بالأخطاء التاريخية للمستعمرين، والعمل على إصلاحها من قِبلهم.
في سبتمر 2023 حث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة الدول الاستعمارية على اتخاذ «تدابير متعددة» لعلاج إرث الاستعباد والاستعمار، لا سيما السعي لتحقيق العدالة والتعويض المالي والمساهمة في المصالحة، ومع أن هذا «الحث» لا يمتلك قوة إنفاذ، لكنه يشكل مرحلة وعي يمكن البناء عليها، والانتقال لمرحلة تطبيق القانون الدولي الذي ينص على أن التعويضات الشاملة يجب أن تتضمن خمسة مكونات رئيسة وهي: التوقف التام، وضمانات عدم التكرار، ورد الحقوق والتعويض، والترضية، وإعادة الاعتبار.
كثيرة من أوطاننا العربية والإسلامية إكتوت بنار الاستعمار ومنها المحافظات الجنوبية من اليمن، ولازالت فلسطين واجزاء من سوريا ولبنان حتى اليوم واقعة تحت هذه المعاناة، ولعل التحرك الجزائري الأخير يمثل أرضية لتحركات مماثلة في بقية الدول المتضررة، صحيحٌ أن هذه التحركات لن تأتي بنتائج مبكرة لكن إقرار مثل هذه القوانين سيعيد تشكيل العلاقات مع الدول التي مارست جريمة الاستعمار، وخاصة أن شعوبنا وبلداننا ترتبط بقائمة مصالح وشبكات علاقات مع هذه الدول، وتوفير الغطاء القانوني اليوم سيكون أحد المحددات المهمة في هندسة العلاقات غداً.