"أبيع بيتي أو يموت عيالي من الجوع"، بهذه العبارة المكثفة يلخّص المواطن إبراهيم شوعي، أحد أبناء مدينة الحديدة، واقعًا معيشيًا خانقًا دفعه لبيع منزله، في ظل موجة غير مسبوقة تشهدها المدينة لبيع البيوت والنزوح إلى السكن بالإيجار هربًا من الفقر. خلال الأشهر الماضية، اضطر كثير من أهالي الحديدة إلى بيع منازلهم بأسعار متدنية للغاية، وصلت في بعض الحالات إلى ربع قيمتها السوقية، في مشهد يعكس عمق الانهيار المعيشي واتساع رقعة العجز عن تأمين أبسط متطلبات الحياة اليومية.
ولم تعد هذه الظاهرة مقتصرة على الفئات الأشد فقرًا، بل امتدت إلى شرائح كانت تُعد حتى وقت قريب مستقرة ماديًا، لكنها تجد نفسها اليوم مضطرة لبيع ممتلكاتها كخيار أخير للبقاء في مواجهة واقع اقتصادي متدهور.
تزامن ذلك مع ركود حاد في سوق العقارات، واحتكار منظم لعمليات الشراء من قبل قيادات وتجار مرتبطين بمليشيا الحوثي، الأمر الذي يجعل بيع المنازل عملية استنزاف قسري تُفرض على المواطنين بشروط مجحفة.
حل أخير للنجاة
يقول المواطن إبراهيم ، 57 عامًا، إنه أُجبر على بيع منزله بسعر غير مجزٍ، كحلٍّ أخير للنجاة من الفقر وجوع أطفاله والديون المتراكمة عليه، بعد أن ضاقت به سبل العيش وأُغلقت أمامه كل الأبواب.
ويوضح ل"الصحوة نت" أن عملية بيع البيوت في المدينة حاليًا صارت صعبة من جميع النواحي، فإلى جانب القلق والاضطراب النفسي لمن يفكر في بيع بيته، فإنه يصطدم أيضًا بواقع سوق عقاري راكد، ما يجعله مرغمًا على قبول البيع بأدنى الأسعار.
وأشار إلى أن منزله ظل معروضًا للبيع لأكثر من عامٍ كامل دون أي عروض منصفة، ومع تفاقم أزمته المعيشية وتزايد الديون، وجد نفسه مضطرًا في نهاية المطاف لقبول البيع بربع قيمته الحقيقية، تحت ضغط الحاجة والعوز.
ولفت إلى أن غالبية المواطنين اليوم لم يعودوا قادرين على شراء العقارات، وهو ما جعل فئة محددة متمثلة بالتجار ومشرفي وقيادات مليشيا الحوثي تحتكر الأسعار وتتحكم بها، مستفيدة من ضعف الناس وحاجتهم الملحّة لتوفير أدنى المقومات المعيشية الكريمة.
اتساع ظاهرة البيع
تكررت مشاهد بيع المنازل في مختلف أحياء مدينة الحديدة خلال العام الماضي، حيث يؤكد مواطنون أن الفقر المتراكم وارتفاع تكاليف المعيشة دفع كثيرًا من الأسر للتخلي عن منازلها، بعد استنزاف كل المدخرات واللجوء إلى الاستدانة.
ويرى ناشطون أن استمرار هذا النمط من بيع المواطنين لمنازلهم بشكل قسري ينذر بعواقب طويلة المدى، أبرزها توسع دائرة الفقر، وتآكل الطبقة المتوسطة، وتحول فئات جديدة إلى فئات هشّة ومعتمدة على المساعدات.
وفي ظل انقطاع المرتبات وتوقف عمل المنظمات الإغاثية بسبب الانتهاكات الحوثية المتكررة، يجد المواطن نفسه وحيدًا أمام خيارات قاسية، يكون فيها بيع المنزل آخر ما يملكه للنجاة المؤقتة من الجوع والانهيار المعيشي.
ملامح تغيير ديموغرافي
في المقابل، كثفت قيادات مليشيا الحوثي، القادمة من محافظاتعمران وذمار وصعدة، عمليات شراء العقارات والمنازل داخل مدينة الحديدة بأرخص الأثمان، في سلوك يُظهر استغلالًا مباشرًا للانهيار المعيشي وحاجة المواطنين.
وأوضحت مصادر أن أحياء غربي مدينة الحديدة، لا سيما القريبة من الساحل، تشهد بناء منازل وفلل فاخرة تعود لقيادات حوثية نافذة، في مشهد يفضح فجوة طبقية متعمدة، ويعكس تحويل معاناة السكان إلى فرصة للثراء غير المشروع.
ويؤكد سكان محليون أن عمليات الشراء تتم عبر سماسرة مرتبطين بمليشيا الحوثي، الأمر الذي يخلق سوقا عقاريًا مغلقًا بالكامل، تنتفع منه خزينة المليشيا وحدها، وتُفرض فيه أسعار مجحفة بقوة النفوذ، بعيدًا عن أي قواعد عادلة أو تنافسية.
ويحذر مراقبون من أن هذا التوسع الحوثي المنظم في تملك العقارات يأتي ضمن مساعٍ لتغيير الخريطة السكنية للمدينة، وتعزيز نفوذ المليشيا اقتصاديًا واجتماعيًا، عبر إحكام السيطرة على مواقع استراتيجية مستغلة الحالة المعيشية الصعبة للمواطنين.
جبايات تضاعف المعاناة
كشفت مصادر خاصة ل"الصحوة نت" أن سلطات مليشيا الحوثي تفرض نسبة 15% من إجمالي قيمة كل عملية بيع منزل، تُورد إلى خزائنها باسم هيئات الزكاة والأراضي وغيرها، في ممارسة قسرية تُحوّل معاناة المواطنين إلى مورد مالي دائم للمليشيا.
وتضيف المصادر أن المواطن البائع يضطر لدفع ما يزيد عن مائة ألف ريال للمشرف الحوثي القائم على الحي الذي تتم فيه عملية البيع، مقابل الحصول على توقيعه والسماح بإتمام الصفقة، في صورة واضحة من صور الابتزاز والاستغلال المنظم.
وبعد خصم هذه الجبايات، لا يتبقى للبائع سوى مبلغ زهيد لا يكاد يغطي احتياجاته الأساسية أو يسد جزءًا من ديونه المتراكمة، ما يكشف أن بيع المنزل لا يشكّل مخرجًا من الأزمة، بل حلقة جديدة في مسلسل الإفقار المتعمد واستنزاف ما تبقى من ممتلكات المواطنين.
وفي ظل هذا الواقع، فقدت منازل المواطنين في الحديدة قيمتها كملاذ آمن، وأصبحت ورقة نجاة قاسية، يُجبر المواطن على بيعها تحت ضغط الجوع والديون والجبايات، في ظل سلطة حوثية تحوّل المعاناة إلى أداة للسيطرة والاستنزاف.