لكل ثورة وحركة تغيير ثورة مضادة.. وفي كل ثورة مضادة يوجد مغفلون سياسيون.. وحتى يكتمل المشهد فهنالك أيضا (أهبل) أو أكثر يدس برأسه وسط الزحام يظن نفسه من الثوار أو يحاول أن يؤدي دور الثائر والمشارك في التغيير.. فيلفت الأنظار إليه وتكون الطامة عليه! الأخوة في المؤتمر الشعبي العام هم هذا الأهبل في تيار الثورة المضادة في بلدان الربيع العربي؛ فبدلا من أن يحمدوا الله أنهم ما يزالون في نصف السلطة، ومعهم نصف أسلحة الجيش والأمن منهوبة في قراهم؛ إلا أنهم يأبون إلا أن يجسدوا المثل الشعبي القائل: (كل يا حمار واشكر الله.. قال: لابد من صوت يعلم به الله)! وآخر هذه الأصوات التي أطلقوها كانت تأييدهم الحماسي لمؤامرة الثورة المضادة في مصر؛ والحق أن أصواتهم التي أطلقوها كانت متعددة، وبعض المؤتمريين أصر على أن يطلق صوتا يعلم به الله.. بل أن يسافر إلى مصر، وينزل ميدان التحرير حيث تحدث أكبر عمليات تحرش لا أخلاقي في العالم (!) وكان وجودهم هناك هو أبرز دليل على قذارة الثورة المضادة المصرية؛ فإذا كان المدد اليمني من نوعية تلك الأسماء المعروفة.. فماذا ستكون حقيقة الآخرين (تذكروا عمليات التحرش والاغتصاب الجنسي للنساء في تحرير مصر حيث حدثت عشرات منها يوم ثورة 30 يونيو.. يوم ثورة المعاريد!). روشتة مؤتمرية ضد.. الليبرالية! الإعلام المؤتمري شارك ليس فقط في الزفة –باعتباره العبيط أهوه.. العبيط أهو!- ولكن في التنظير الغبي لما يجري في مصر. ووصفه بالغبي منطقي لأنه نبه الناس –تماما مثل الحمار الذي أصر على إطلاق صوت- إلى التأمل في تبريرات المؤتمر للثورة المضادة في مصر، فتذكروا أنها: إنتاج مؤتمري عريق! ومن المسلي في رمضان أن نستعرض الحيثيات التي أطلقتها أصوات مؤتمرية حتى نعرف فقط البلوى التي ابتليت بها الأمة: فحزب البلاطجة والقتلة في اليمن يعيب على الإخوان في مصر (عدم قدرتهم على احتواء القوى المدنية والليبرالية).. وبالضرورة نفهم من هذه التهمة أن المؤتمر نجح في احتواء القوى المدنية والليبرالية في اليمن.. وبالنظر للتراث الطويل في تعامل المؤتمر مع قيم مثل الديمقراطية والتعددية والفصل بين السلطات.. فيمكن القول إن فهمهم لليبرالية لن يختلف كثيرا عن ذلك إن لم يكن أسوأ ولا سيما أنها كلمة غير عربية (كثيرون من قيادات المؤتمر من فئة: يقرأ ويكتب.. وأحيانا: يقرأ ولا يكتب.. وأحيانا يبصم ولا يكتب ولا يقرأ).. ولذا فالمؤكد أن (الليبرالية) عندهم هي نوع من الرازم؛ إذ يستيقظ الواحد منهم ويجد أن الله ابتلاه بالليبرالية كما قيل له فيهرع لطلب مساعدة طبيه من الشؤون المالية في اللجنة الدائمة.. وقد يدور حوار هناك:
- صورتك.. ما أخذتش التطعيم الثلاثي؟ - والله يا أفندم.. إني حريص على صحتي.. لكن الله يعلم من أين جاءت الليبرالية هذه؟ تقول الوراثة لها دور؟ - غالبا من القات المبودر.. المهم تنتبه على صحتك.. الصندوق هذه الأيام مش مثل أيام زمان.. الزلط يجيبوها بالعافية! وللأمانة فهناك رموز في قيادة المؤتمر للدولة المدنية والليبرالية تستحق أن تذكر، مثل الشيخ العميد يحيى الراعي (يجمع بين الصفتين) والشيخ سلطان البركاني.. الذي يمكن أن يوصف بأنه (نيو ليبرالي) وهو أصيب بالليبرالية من أيام الجفاف في السبعينيات لكنه لم يحس بالمرض إلا مؤخرا! وكذلك يمكن القول إن الأحزاب المتحالفة مع المؤتمر هي من فئة الليبرالية.. على الطريقة المؤتمرية! وسبب توصيفها بذلك لأنها تفهم السياسة بأنها (لب.. أي زعقة باليمني!) وتحالفهم مع المؤتمر باعتباره صاحب المقلى.. ودورهم في التحالف هو أكل اللب فقط.. وأما: بقية الكلمة فمشتقة من الريال، وإذا خلطت الكلمتين مع بعض فيكون الناتج: لبرالية!
الطابع المدني (أي غير العسكري) مشهود له في حكم المؤتمر.. حتى أن الزعيم حرص على أن يكون قادة جيشه من المدنيين داخل العائلة فكلهم إما مهندس كمبيوتر أو قانوني.. أو ناشط حقوقي.. بل تطرف إلى حد تولية ابن أخيه المتخصص في السفريات والحج والعمرة والفنون الشعبية ليكون أركان حرب الأمن المركزي.. وتجاوز كبار الضباط والجنرالات المتراكمين في الأمن المركزي حرصا على أن يكون الأمن في الأيدي المدنية وليس الأمنية أو العسكرية!.. كذلك يلاحظ أن الأحزاب المتحالفة مع المؤتمر كلها أحزاب مدنية.. من كلمة (الديون).. فكلهم مدينين للمؤتمر بالوجود والبقاء سياسيا.. وماليا! الذين خربّوا مصر واليمن.. من أخطاء الإخوان في مصر في ميزان المؤتمر: سوء الإدارة.. وهي شهادة في مستوى شهادة الإيزو.. وكما هو معروف فاليمن في عهد المخلوع كان أحد البلدان المتصدرة في سلم النجاح الإداري عالميا.. حتى وصلت إلى درجة إدارة البلد كله بالريموت كنترول وبالهاتف.. وشن حروب بالهاتف وإيقافها بنفس الطريقة! وفي عهد الزعيم لم يرتكب المؤتمر غلطة (أخونة الدولة) لأنه اعتمد أسلوب (بلطجة الدولة) وسلمها للبلاطجة واللصوص والفسدة باعتبارهم أهل الحل والعقد المؤتمري، وعندما قامت الثورة الشعبية ضده تأكدت هذه المعلومة فقد انحاز البلاطجة إلى صف المخلوع، وحملوا السلاح للدفاع عنه.. وبعد فترة سوف نقرأ برقية عزاء مؤتمرية بوفاة البلطجي فلان بعد عمر قضى معظمه في البلطجة دفاعا عن.. الزعيم! تردي الأوضاع الاقتصادية وتدني معدلات العمل والاستثمار كان من أخطاء الإخوان في مصر كما رأى المؤتمريون، وهو عكس ما حدث في اليمن فالشعب ثار وأجبر المخلوع على التنحي بسبب الرخاء والنعمة السويسرية التي وجد اليمنيون أنفسهم فيها.. حتى أنهم تمنوا يوما تنقطع فيه الكهرباء.. أو تقرر الدولة تخفيض رواتبهم المرتفعة بعد أن عجزوا عن إنفاقها كلها قبل استلام المرتب القادم! ومع ارتفاع مستوى المعيشة في البلاد اضطر الشعب إلى الهجرة إلى السعودية لأسر مواطنين من هناك وإحضارهم إلى اليمن للعمل في المصانع والمزارع والمؤسسات التي لم تجد موظفين يعملون فيها.. واستكمل نظام المخلوع بناء البنية التحتية حتى حقق هدف: بيارة ومولد لكل مواطن، ونجح في تحقيق وعوده مثل بناء المحطة النووية، ومشروع السكة الحديدية، والقضاء على الفقر في عامين!
ومن مصر إلى اليمن يتحدثون عن عدم امتلاك الإخوان لخبرات إدارة الدولة، وبصرف النظر عن أن ما كان موجودا في البلدين كان عزبة أو مزرعة؛ إلا أن اشتراط الخبرة يتناقض مع ما قيل عن ضرورة تولية الشباب قيادة الدولة وهم بالكاد تخرجوا من الجامعة، ولم يحصلوا على فرص لاكتساب تجربة وخبرة بسبب نجاح مشروع الصالح ومبارك لنشر البطالة بين صفوف الشباب! ولأن الحق يجب أن يقال؛ فاليمن ومصر في عهد المخلوعين نجحتا في الدفع ببعض الشباب إلى مراكز قيادية بارزة هم حصريا أبناء الزعيمين وأقاربهما وأصهارهما.. نقول هذا من العدل الذي أُمرنا به! على الأصل.. دوّر! منذ نجاح الإسلاميين في تركيا؛ كتبت مئات المقالات التي تدعو الإسلاميين العرب للاقتداء بالتجربة التركية.. وظننا القوم معجبين بتجربة تركيا، وأن المقصود بذلك –مع الفارق- ضرورة مراعاة الظروف التاريخية التي تمر بها البلدان العربية بعد عشرات السنين من الحكم العسكري والعائلي.. لكن بعد استيلاء العسكر على السلطة في مصر، وانقلابهم على الحكم المدني مؤيدين بالأحزاب العلمانية والناصرية والاشتراكية والمسيحيين؛ فقد تأكد بما لا يدع مجالا لحديث عن دولة مدنية أن إعجاب خصوم الإسلاميين بالتجربة التركية يقصد بها.. جواز تدخل الجيش واستدعائه للاستيلاء على السلطة للقضاء على وجود الإسلاميين فيها كما كان يحدث في تركيا! مضحكات.. مصرية! لأن مصر في ظل الطغيان تمتليء بالمضحكات على رأي أبي الطيب المتنبيء؛ فقد كان هناك قدر كبير من هذه المضحكات التي هي كالبكاء في زمن الانقلاب الديمقراطي.. فثورة العسكر وسيطرتهم على الحكم جاء لحماية الدولة المدنية بدعم الأحزاب التي تسمي نفسها: مدنية، والانقلاب كان ديمقراطيا بامتياز! - ومن مضحكات مصر شيوع ظاهرة التحرش بالنساء واغتصابهنّ في اعتصامات المعارضة ضد الإسلاميين، ومن الظرائف أن مراسلة صحفية اسمها (صوفيا دريدي) تم اغتصابها من قبل البلاطجة الثوريين وهي تغطي فعاليات مليونية (مصر مش عزبة).. وتخليدا لهذا الفعل الثوري تم تغيير اسم المليونية على لسان البلاطجة لتصير (مصر مش مسجد) لكيلا يلومهم أحد على فعلتهم.. وفي مسيرة أخرى للتنديد بالتحرش بالنساء هجم بلاطجة على المشاركات وفعلوا بهنّ الأفاعيل.. تماما كما نسمع عن سرقة سيارة رئيس قسم مكافحة سرقة السيارات.. أو إسعاف مدير أكبر مستشفى إلى الخارج.. أو التقاء يحيى الراعي بوفد أجنبي ليشرح لهم تميز التجربة البرلمانية اليمنية عن مثيلاتها في المنطقة، وجمعها بين الأسلوب البرلماني والأسلوب. التربوي.. بمعنى أنه يجوز لرئيس البرلمان اليمني ضرب الأعضاء، وإهانتهم، وطردهم من القاعة لإحضار.. أولياء أمورهم! - الرئيس المصري المنتخب مختطف منذ يوم الانقلاب، ويرفض العسكر إعلان مكان اعتقاله.. ومع ذلك تنشر أقدم صحيفة في الوطن العربي أن النائب العام أصدر قرارا باعتقاله وكأنه هارب.. وأحيانا يقال إنه متهم بالتخابر مع الخارج.. أي أن رئيس الجمهورية متهم بأنه جاسوس!
أما التهمة المجمع عليها انقلابيا فهي أنه هرب من معتقله في ثورة يناير.. فهل يدان إنسان –على فرض صحة الاتهام- إن هرب من معتقل وضع فيه مخالفة للقانون ودون محاكمة قانونية أو غير قانونية، وفي عهد ثار عليه الشعب حتى أسقط زعيمه الذي يحاكم بسبب جرائمه ضد الشعب؟ النائب العام المصري اعترف أنه لا يعلم مكان وجود الرئيس المخطوف.. وأظرف تعليق على سخافة ما يحدث قاله مشاهد مصري في شريط الجزيرة مباشر مصر تخليدا لفيلم: الإرهاب والكباب: [ في أوربا والدول المتقدمة.. الرئيس ما يتخطفش!]. -كثيرة هي التناقضات السياسية والإعلامية التي يزخر بها نظام الانقلاب العسكري في مصر المدعوم من قوى سياسية تبالغ في مدحه، وإضفاء الوطنية والبطولة عليه، وتصوره بأنه إنقاذ لمصر من الفوضى واحتكار السلطة، وإعادة لها إلى عهد الحرية والكرامة.. وهي عادة معروفة في ظل الأنظمة الشمولية؛ لكنها في مصر معروفة منذ مئات السنين ورصدها الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبيء في هجائياته الشهيرة لحاكم مصر ونخبته يومها.. ولا شك أنه لو عاش حتى يرى ما يحدث اليوم لاعتذر لكافور الأخشيدي عن مبالغاته في هجائه له ولنخبته.. فها هو زمن تشارك فيه قوى تزعم أنها مدنية وديمقراطية وتقدمية وقومية في انقلاب يقوده العسكر وفلول مبارك ضد سلطة منتخبة، وبدعم وتمويل من دول رجعية، وبتأييد ومباركة من دول الاستعمار العالمي والعدو الصهيوني! و يا أمة.. ضحكت من ثوراتها.. الأمم!