في اجتماع موسع.. الضالع تتأهب ل"مليونية الاثنين": واتصال مباشر للرئيس الزُبيدي يلهب حماس الجماهير    هيئة الآثار: لا وجود لكهف أو كنوز في الدقراري بعمران    خامنئي: المشاركة الشعبية في ذكرى الثورة أفشلت رهانات الخصوم    منتخب الناشئين يواجه كوريا الجنوبية وفيتنام والإمارات في كأس آسيا    وزارة النفط تواصل برنامج تقييم الأمن والسلامة بمحطات صنعاء    أكسفورد تحتفي بالروحانية الإسلامية عبر معرض فني عالمي    حزب البعث: 11 فبراير 2015 محطة فارقة في مواجهة المشاريع الخارجية    مناورة عسكرية في ختام برنامج التعبئة "طوفان الأقصى" بمشاركة 80 متدربًا    جماليات التشكيل ودينامية الدلالة في شعر الدكتور خالد الفهد مياس: مقاربة تحليلية تأويلية في ضوء شرفات الشوق ونبضاتي    الكشف عن شخص لعب دورا محوريا في إبعاد شبح الحرب بين واشنطن وطهران    استفزازات حزب الإصلاح تشعل الرفض الجنوبي وتؤكد استحالة فرض أي وجود يمني في الجنوب    سقوط رواية المثلث أمام زحف الجماهير..    تقرير أمريكي: مقتل خمسة متظاهرين وإصابة العشرات أثناء تفريق الأمن احتجاجًا في شبوة    قيادة المقاومة الجنوبية بأبين تدين الجرائم الدموية في محافظة شبوة    سقوط الأقنعة وتهاوي قلاع "الحضارة" الزائفة..قراءة في دلالات فضائح "إبستين" والاختراق الصهيوني    معرض للمستلزمات الزراعية في صنعاء    المعاناة مستمرة.. برشلونة يغير خطته مجددا قبل موقعة أتلتيكو    الاتحاد التعاوني الزراعي يدعو المواطنين إلى شراء التمور والألبان المحلية    مناقشة أول أطروحة دكتوراه بجامعة الحديدة بقسم القرآن وعلومه بكلية التربية    الافراج عن 135 سجينًا في حجة بمناسبة رمضان    صحيفة أمريكية: السعودية طلبت من شركة جوجل مسح وإزالة أراضي يمنية حدودية من الخرائط الرقمية    هل تنجح الإمارات في إعادة الصراع بالجنوب إلى المربع الأول    موسم الخيبة    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "ارواح وكوابيس"    تحديد موعد محاكمة غزوان المخلافي في مدينة تعز    كأس المانيا ..بايرن ميونيخ إلى نصف النهائي    الحديدة.. الإعلان عن مبادرة رئاسية بخصوص الكهرباء    السيتي يواصل ضغطه على صدارة آرسنال    صدور قرارات جمهورية بإنشاء مركز وصندوق طبيين وتعيين وكيل لمحافظة حضرموت    البيض: الحكومة تتحمل مسؤولية العنف تجاه متظاهري شبوة    مصر.. النيابة تحقق في سرقة لوحة أثرية فرعونية    هيئة الزكاة تدشن مشاريع التمكين الاقتصادي ل667 أسرة بمحافظة إب    هيومن رايتس فاونديشن ( (HRF) تدين جريمة قتل متظاهرين سلميين في محافظة شبوة    لا...؛ للقتل    دراسة صينية: الدماغ والعظام في شبكة واحدة من التفاعلات    تدشين صرف الزكاة العينية من الحبوب في الحديدة    باحث يكشف عن تهريب تمثال أنثى نادر خارج اليمن    عاجل: شبوة برس ينشر صورة أول شهيد في عتق الشاب محمد خميس عبيد خبازي    عرض خرافي.. كم يبلغ راتب صلاح المتوقع في الدوري السعودي؟    كأس إيطاليا .. سقوط نابولي    ترتيبات لاتفاق جيولوحي بين اليمن والسعودية    هل تتدخل جهات دولية لإيقاف جرائم تهريب النفط اليمني الخام؟!    حجة.. جمعية الحكمة اليمانية الخيرية تدشّن مخيم عيون لإزالة المياه البيضاء بمديرية عبس    الاستمرارية في تأمين دفع رواتب موظفي الدولة.. بين الدعم الخارجي والحلول المستدامة    الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا تحذر من نفاد الأدوية الأساسية للمرضى    نقابة الصحفيين والاعلاميين الجنوبيين تحيي حفل تأبين الفقيدة أشجان المقطري    دراسة: التناول المعتدل للشاي والقهوة يقلل خطر الإصابة بالخرف    السامعي يعزّي وكيل أمانة العاصمة في وفاة والدته    السعودية والصومال توقعان اتفاقية تعاون عسكري ودفاعي    السيد عبدالرحمن الجفري يبعث برقية تعزية في رحيل المناضل الوطني الشيخ علوي علي بن سنبله باراس    الهيئة العليا للأدوية تتلف 80 طناً من الأدوية المهربة    منظمات حقوقية تدين القمع في سيئون وتدعو الأمم المتحدة بارسال لجان تحقيق دولية    مثقفون يمنيون يتضامنون مع النائب حاشد ويدينون سلبية سلطات صنعاء وعدن تجاهه ويحذرون من تدهور وضعه الصحي    ماوراء جزيرة إبستين؟!    ارسنال يهزم سندرلاند3-0 وتشيلسي يفوز علي ولفرهامبتون 3-1 في الدوري الانجليزي    إب.. فريق "صقور بعدان" يتوج ببطولة كأس "بعدان" ال 18 بحضور جماهيري واسع    وزارة المطاوعة وفضيحة سوق تأشيرات العمرة.. فساد مالي ينهش جيوب اليمنيين    "عمرة رمضان" وسطوة الرواية على الآية؛    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القضية الجنوبية.. حتى لا نكرر الأخطار القاتلة
نشر في الوسط يوم 13 - 02 - 2013

إن بقاء القضية الجنوبية معلقة دون حل حقيقي وحاسم وشجاع، من شأنه إبقاء اليمن، جنوبه وشماله.. شرقه وغربه، في دوامة عاصفة من التوترات والاضطرابات والفتن المهلكة المدمرة إلى ما لا نهاية.. ولا يتوهمن أحد أن بمقدور معالجات تلفيقية أو حلول تكتيكية مسكنة إخراج البلاد من دوامة مشكلاتها وأزماتها المتفاقمة والمستفحلة، بل على النقيض من ذلك تماما سيزيدها تفاقما واستفحالا واستعصاء وصولا إلى البديل الأسوأ والأخطر الذي لا نتمناه لا للجنوب ولا الشمال معاً..
إن حل المشكلة الجنوبية حلا موضوعيا وصائبا وجذريا يتطلب قادة وطنيين يتحلون بأعلى مستويات الوعي الوطني المدرك والمستوعب، وشعور عال وعميق بالمسئولية الوطنية، وتجرد تام عن المصالح والأهواء والحسابات الشخصية أو العصبوية، ويتصفون قبل هذا وذاك بالشجاعة والإقدام وروح المبادرة، قادة تاريخيون ينتشلون البلاد والعباد من دوامة المشاكل والأزمات التي تعصف بحاضرهم ومستقبلهم، ويضعونهم، جنوبا وشمالا، على عتبات آمنة وصائبة لصنع الحياة الجديدة، حياة التطور الطبيعي والتقدم والنهوض الحضاري الشامل والمستقبل المشرق والواعد..
وعلى امتداد السنوات القليلة الماضية اكتظت الساحة السياسية والإعلامية، ولا تزال، بالكثير من التصورات والمعالجات والحلول ووجهات النظر، على تبايناتها واختلافاتها ومنطلقاتها ومقاصدها، حول كيفية وأسس معالجة القضية أو المشكلة الجنوبية.. منها من يعتبر الوحدة الاندماجية المركزية مسألة "مقدسة دينيا" محرم المساس بها أو مجرد الاقتراب منها، وعلى نقيضها من ينادي بانفصال الجنوب واستعادة دولته مع استحداث تاريخ وهوية سياسية وثقافية جديدة ومختلفة تماما لها، معتبرا الوحدة التي أُعلن عن قيامها في 22 مايو 1990م بمثابة احتلال واستعمار شمالي للجنوب!! وبين هاتين الرؤيتين أو الحلين المتناقضين، تطرح رؤى ومعالجات وتصورات حلول تتفاوت ما بين إعادة صياغة دولة الوحدة على أسس ومضامين "فيدرالية" متعددة الأقاليم، وفيدرالية ثنائية الإقليم، الجنوب والشمال، بوضعهما وجغرافيتهما السابقة للوحدة، أو إقامة دولة "كونفدرالية" إلى آخر هذه التصورات والرؤى المطروحة التي تحاول حل ما أطلق عليها "القضية الجنوبية"، والغريب أنها جميعا أو أن أصحابها جميعا، يؤكدون، كل على حدة، بأنه يعبر أو يمثل رأي وإرادة شعب الجنوب، رغم تناقضاتها وتبايناتها الكاملة، ورغم ذلك لم يطرح أحد أو يقترح العودة، ديمقراطيا، إلى صاحب الشرعية والحق الوحيد وهو شعب الجنوب لمعرفة رأيه واستبيان إرادته ومشيئته الحرة في الاختيار بين البقاء في دولة الوحدة، بأية صيغة من الصيغ السياسية للدولة، أو فك ارتباطه بها واستعادة دولته من جديد، وفق عملية استبيان أو استفتاء حر وشفاف ونزيه تديره وتشرف عليه منظمات دولية محترمة، على أن تلتزم جميع الأطراف والقوى السياسية في الساحة احترام نتائجه المعبرة عن الإرادة الحرة لشعب الجنوب.. لكن المعضلة تتمثل، أساسا، في أن كل القوى والجهات التي تطرح كل تلك الرؤى والتصورات والحلول المشار إليها آنفا، تدعي كل منها شرعية تمثيل شعب الجنوب والتعبير عنه، في الوقت الذي يجري فيه تغييبه وإقصاؤه والتهرب، المتعمد، عن ضرورة العودة إليه وتقرير مصيره بنفسه.. نحن هنا لسنا، ولا ينبغي لنا، الانحياز أو دعم أي من تلك الآراء والتصورات المطروحة، ولكننا فقط ندعو ونطالب ونلح على ضرورة العودة إلى شعب الجنوب، باعتباره صاحب الشرعية والحق الوحيد، وتمكينه من التعبير عن إرادته الحرة وتقرير مصيره كيف يشاء.. ونعتقد، جازمين، بأن أي حل أو معالجة للقضية الجنوبية يجب أن يمر ويبنى على نتائج استفتاء شعب الجنوب، ابتداءً، وإرادته الحرة في تقرير مصيره ومستقبله السياسي، سواء بالبقاء في دولة الوحدة أو بفك ارتباطه بها، وبدون المرور عبر هذا الطريق الصائب والسليم، أو بتجاوزه أو الالتفاف عليه، فإن القضية الجنوبية ستصبح، يقينا، أكثر تفاقما واستفحالا وخطورة، ليس هذا فحسب، بل سيؤدي إلى إثارة وتفجر مشكلات وأزمات اجتماعية وسياسية أكثر خطورة وأفدح أثرا على امتداد الأرض اليمنية برمتها، وحينها سيصبح الكيان الوطني لليمن بكامله في مهب الريح..
إن ما يبعث على القلق العميق والمخاوف الجادة لدى مختلف شرائح الرأي العام اليمني عامة، يتمثل، اليوم، فيما نسمعه ونشاهده ونلمسه من محاولات مستميتة تقوم بها رموز السلطة السياسية الحاكمة، والتي يمسك بها ويتحكم في مفاصلها الرئيسة والحساسة قادة سياسيون وعسكريون جنوبيون، عبر سلسلة متواصلة من التكتيكات الآنية والعروض والإغراءات غير السليمة من الناحية السياسية الوطنية التي تقدمها لقوى الحراك الشعبي السلمي في الجنوب، لاستدراج قبوله بالمشاركة فيما سمي بمؤتمر الحوار الوطني الشامل! والذي سيمثل الجنوب، بموجب "حسبة" المبعوث الأممي الشيخ جمال بن عمر، بأكثر من نصف أعضائه إضافة إلى هيئة إدارته العليا، وهذا ما يمكن تفهمه والقبول به باعتباره حوارا وطنيا، بيد أن الخطر الداهم والمدمر يأتي من وعود غير معلنة تقدمها السلطة الحاكمة وتعهدات لقوى الحراك الشعبي السلمي الجنوب، مؤداها أن مؤتمر الحوار الوطني هذا سيخرج بصيغة سياسية لإقامة "دولة فيدرالية" بين إقليمين، إقليم الجنوب كما كان قائما قبل الوحدة أي "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، وإقليم الشمال كما كان قائما قبل الوحدة أي "الجمهورية العربية اليمنية".. بحيث يتم تقاسم سلطاتها وأجهزتها ووظائفها على المستويين الرأسي والأفقي، ومن الأعلى إلى الأدنى بالمناصفة بين الإقليمين أي الشمال والجنوب، وهي وعود وإغراءات هدفها الوحيد جذب واستمالة وجر أرجل الحراك الجنوبي للمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني المرتقب.. والواقع والمتعارف عليه في العالم أجمع بأن أسس ومعايير ومقومات بناء الدولة الوطنية الحديثة، سواء أكانت فيدرالية أو مركزية، تتناقض تناقضا صارخا وكليا مع شكل ومضمون وأسس ومعايير وآليات مثل تلك الدولة الفيدرالية تعد وتتعهد بها السلطة الحاكمة لقوى الحراك الجنوبي كأسلوب تكتيكي لاسترضاء ورشوة الحراك الجنوبي حتى يتخلى عن هدفه بفك الارتباط واستعادة الدولة مجددا في الجنوب.
وقبل الدخول في مناقشة خطورة وكارثية هذا السيناريو المطروح وراء الكواليس، في إطار مناقشتنا لعموم الرؤى وتصورات المعالجات والحلول المطروحة لحل القضية الجنوبية والتي أشرنا إليها، إجمالا، في بداية هذا الحديث، دعونا نستبعد من مناقشتنا الآتية، ابتداء، الخيار المطروح المنادي بالكونفدرالية، لأنه خيار غير واقعي وغير ممكن تطبيقه، فالكونفدرالية، من حيث هي، صيغة سياسية بين دولتين أو أكثر من الدول كاملة السيادة والاستقلال الوطني والتمثيل الخارجي تتفق فيما بينها على التنسيق العام فيما بينها كدول مستقلة وسيادية، من خلال شخص ملك لأكبرها وأقواها في بعض الشئون والمجالات التي تتفق فيما بينها وبناء على إرادتها الحرة المستقلة على التنسيق بشأنها، إن الصيغة الكونفدرالية هذه كانت قائمة في بعض الملكيات الأوروبية فقط، وانتهت وتلاشت تماما في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ولم يعد لها أي وجود في أي مكان من العالم اليوم، وبالتالي فإن طرحها كخيار غير وارد ولا منطقي على الإطلاق.. وبهذا يبقى أمامنا الخيار الفيدرالي بشقيه فيدرالية متعددة الأقاليم أو فيدرالية ثنائية الأقاليم..
والدولة الفيدرالية يطلق عليها، كما هو معلوم في الفكر السياسي والقانون الدستوري، الدولة المركبة، في مقابل الدولة المركزية التي يطلق عليها الدولة البسيطة، والدولة الفيدرالية هي دولة واحدة موحدة من حيث، دستورها وعلمها وسلطتها السياسية الحاكمة وتمثيلها الدبلوماسي الخارجي الواحد وسيادتها الوطنية الواحدة ونشيدها الوطني...الخ، فقط تختلف عن الدولة المركزية البسيطة في أن إدارة شئونها الداخلية المحلية تتم عبر سلطات وأجهزة إدارية محلية منتخبة من خلال مواطني كل إقليم أو ولاية أو منطقة من أقاليمها أو ولاياتها أو مناطقها الفيدرالية، إلى جانب السلطات والأجهزة الوطنية المنتخبة هي الأخرى من خلال مواطني الدولة جميعا، وينظم دستورها سلطات ومهام السلطات المحلية والوطنية وعلاقات كل واحدة منها بالأخرى عبر المؤسسات الدستورية القائمة، وعادة ما يتم تقسيم أقاليم أو ولايات أو مناطق الدولة الفيدرالية الواحدة وفقا لأسس ومعايير جغرافية وسكانية واجتماعية إلى حد ما أو، أحيانا، لاعتبارات تاريخية متوارثة، ويتوخى تحقيق أكبر قدر من التوازن بين سلطات الأقاليم وسلطة المركز بحيث لا تطغى واحدة منها على الأخرى وبما لا يهمش أو يقصي هذا الإقليم أو تلك الولاية بفعل العامل السكاني أو الاقتصادي أو الجغرافي، فالكل شريك ومساهم في الإدارة العامة للدولة بكليتها..
وعلى ضوء هذه الخلفية المعرفية العامة لطبيعة الدولة الفيدرالية، ومن خلال التجارب الناجحة والإيجابية لأكثر من مائة دولة على امتداد العالم تقوم على الفيدرالية، فإن ما أشرنا إليه، آنفا، من وعود وتعهدات غير معلنة تعرضها السلطة الحاكمة حاليا في بلادنا لاستمالة وإرضاء قوى الحراك الشعبي السلمي الجنوبي واستدراجه للمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني، بإعادة صياغة الوحدة اليمنية وإقامة دولة فيدرالية بين إقليمين (الشمال والجنوب)، وتقاسمها مناصفة وبالكامل (رأسيا وأفقيا) ومن أعلى هرمها إلى أدنى قاعدتها، لا تعد وكونها مجرد معالجة انتهازية حمقاء ومدمرة تتعارض وتتصادم تصادما كاملا ومطلقا مع أبسط الأسس والمعايير والمقومات التي تنشأ وفقا لها الدولة الفيدرالية المتعارف عليها والقائمة في أنحاء العالم، وهي إلى ذلك تتناقض تناقضا صارخا مع أبسط معايير وأسس ومضامين إقامة الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة دولة المؤسسات الدستورية وسيادة القانون والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات والحرية والكرامة الإنسانية، بل وتؤسس لدولة فصل أو تمييز عنصري أو مناطقي بغيض، أي دولة "ابرثايد" على نحو أو آخر، وهي أسلوب قاصر ومتخلف يتصور أو يسعى إلى حل مشكلة قائمة بالفعل عبر إثارة وتفجير مشكلات وأزمات وطنية أخطر وأوسع وأعمق، بل إنه أكثر من ذلك يشعل، من حيث يدري أو لا يدري، نيران حرب أهلية طاحنة وشاملة..
إن مؤتمر الحوار الوطني الذي يجري سلق خطوات تحضيره وانعقاده، وفي ظل الأجواء والظروف والمناخات غير الطبيعية والبالغة السوء التي تشهدها البلاد، ليس مؤهلا ولا قادرا، ولو بالحدود الدنيا، لا على حل القضية الجنوبية ولا انتشال البلاد من دوامة المشاكل والأزمات والاضطرابات والفوضى والانفلات التي تعصف بها وتكاد تدفع بها إلى حافة الانهيار الشامل، إذ لا يملك عصا سحرية يضرب بها لتحل كل المشاكل والأزمات.. إن مؤتمرات الحوار الوطني عادة ودائما لا تأتي إلا في أعقاب تهيئة ظروف البلاد وأوضاعها وإعدادها تماما لمرحلة تحول تاريخي جديد وليس قبل ذلك أبداً..
لقد كان من المفترض والواجب لزاما في بلادنا، عقب أعظم ثورة شعبية سلمية جرى تجميدها أو إجهاضها والالتفاف عليها رغم تضحياتها الجسام، أن تتولى مقاليد الأمور لمرحلة التحول التاريخي، قيادة وطنية قوية تملك رؤية ومشروعا وطنيا جادا للتغيير الشامل وتتسلح بإرادة سياسية صلبة وواضحة لإحداث ذلك التغيير أو على الأقل الشروع العملي في تنفيذه، فتعيد بناء سلطات الدولة وفق معايير الكفاءة والنزاهة والوطنية، وتقضي على بؤر الفساد ومستنقعاته المنتشرة في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها، وتضع حدا للمحسوبية والتسيب والانفلات والفوضى، وتفتح أفق الأمل في التخفيف من البطالة والفقر، وغير ذلك من المهام الرئيسة والأولية لتهيئة البلاد وإعدادها ووضعها على أول طريق النهوض والبناء الوطني الحقيقي والملموس، بعد ذلك وليس قبله يكون انعقاد مؤتمر للحوار الوطني الشامل انعكاسا لهذه البيئة والأجواء والمناخات الإيجابية الملائمة وتجسيدا لها، ويكتسب مصداقية وثقة وتأييدا شعبيا جامعا، وحينها فإن كل المشاكل والأزمات والإخلالات التي تعصف بالبلاد والعباد، وعلى رأسها وفي مقدمتها المشكلة الجنوبية، سوف تتخذ، يقينا، مسارات أكثر إيجابية وسلاسة ومسئولية في حلها ومعالجتها، أما في ظل الأجواء والظروف والأوضاع السائدة حاليا في البلاد، والتي يرى الكثيرون أنها باتت أكثر سوءاً وتدهوراً من ذي قبل، أو في أحسن الأحوال لا تزال كما كانت عليه من قبل على وجه العموم، فماذا سيكون، يا ترى، بمقدور مؤتمر حوار وطني أن يفعل، وهو اختارته وشكلته وعينت أعضاءه ذات القوى والمكونات النافذة، السياسية والعسكرية والقبلية، القديمة الجديدة، التي أوصلت البلاد خلال الثلاثة العقود الماضية إلى ما وصلت إليه؟، وهو مجرد انعكاس دقيق وأمين لتلك القوى والمكونات من حيث أجنداتها ومصالحها وصراعاتها التنافسية المدمرة، وليس أدل على مدى هيمنة السلطة الحاكمة على اختيار أعضاء مؤتمر الحوار هذا من أن تشترط على الأحزاب والمنظمات والقوى المشاركة فيه أن تقدم كل واحدة منها للسلطة الحاكمة كشفا بأسماء ممثليها في المؤتمر يضم ضعفي أو ثلاثة أضعاف العدد المخصص لها لتتولى السلطة الحاكمة اختيار من تريد من بينهم!! هذا في حين كان الأسلوب والمنهج الأسلم والأدق أن يكون أعضاء المؤتمر منتخبين انتخابا شعبيا حرا من مواطني المحافظات مباشرة!!
ونعود إلى القضية الجنوبية فنقول بأنها قضية تكتسب خصوصية وفرادة من بين كل مشاكل وأزمات البلاد، وهي قضية حساسة للغاية وبالغة الأهمية وحلها حلاً صائبا وسليما من شأنه أن ينعكس إيجابيا على كامل مشاكل وأزمات البلاد، وبقاؤها معلقة دون حل نهائي وحاسم لن يؤدي إلاّ إلى إشعال وتفجر مشكلات وأزمات أخطر وأوسع وأعمق على امتداد البلاد كلها، وليس من الحكمة ولا من المسئولية الإصرار على عقد مؤتمر الحوار الوطني قبل وضع الحل الجذري والشامل للقضية الجنوبية وحلها لا يزال متاحا وممكنا إذا صدقت النوايا واعتصمنا بالمسئولية.. والحل الممكن والوحيد، من وجهة نظري، أن يدعى شعب الجنوب إلى الإدلاء بصوته والتعبير عن رأيه في استفتاء نزيه وحر وشفاف بإدارة إشراف الأمم المتحدة، ولا غضاضة في ذلك لأن اليمن أصبحت كلها تحت الوصاية الدولية المباشرة، ليختار بملء إرادته بين الاستمرار في الوحدة أو فك الارتباط واستعادة دولته ويجب احترام ما يختاره ويقرره لنفسه، فإذا ما أظهرت نتائج الاستفتاء رغبته الحرة في الاستمرار في الوحدة حينها ينعقد مؤتمر الحوار الوطني ليناقش ويحدد معالم وشكل وطبيعة الدولة الفيدرالية، التي يجب إقامتها على أسس ومضامين جديدة وحديثة وديمقراطية، أما في حالة كانت النتائج بفك الارتباط واستعادة دولة الجنوب، حينها ينعقد مؤتمر حوار وطني خاص بالشمال وحده ليناقش ويحدد أيضا معالم وطبيعة وشكل الدولة الفيدرالية الحديثة والديمقراطية التي تختار إقامتها في الشمال.
هذا هو الحل الممكن والوحيد، من وجهة نظري، لمعالجة وحل القضية الجنوبية، وبغيره فإننا لا نرى في الأفق أمامنا سوى الدماء والقتل وعواصف المشاكل والأزمات هنا وهناك، مع كل ما يخلفه ذلك من تعميق الجراح والأحقاد والكراهية والعداء بين الشعب في الشمال والجنوب وداخل كل واحد منهما، وحتما سنصل في الأخير إلى الحل ولكن عبر جبال من الجماجم والأشلاء والدماء، وكان بمقدورنا الوصول إليه قبل تلك الكوارث والمآسي في إطار من الود والإخاء والمودة، وذلك ما ندعو إليه ونلح عليه أكثر من أي وقت مضى بأن نغلب جميعنا منطق العقل والحكمة والشعور بالمسئولية الملقاة على عواتقنا بعيدا عن أهوائنا ومصالحنا وحساباتنا الذاتية والفئوية الضيقة والزائلة.
ونختم بالتحذير والتنبيه للسلطة الحاكمة والقوى والأحزاب السياسية والاجتماعية في البلاد، بأن لا تكرر أساليب الماضي وتجاربه وأخطائه القاتلة، فإن مسئولية بناء الأوطان والدولة هي أعظم وأسمى وأقدس كثيرا من أساليب السلق والتكتيكات الآنية الانتهازية والمساومات والصفقات والمعالجات التلفيقية والترقيعية التي لم نجن منها سوى المحن والمآسي والكوارث المدمرة، وكان متيسرا لنا تحاشيها وتجنبها، لكن الزعامات البائسة والمطامح المجنونة والحسابات الذاتية الضيقة أعمت الأبصار والبصائر والقلوب فكانت الشعوب وقود جنوننا وهوسنا المهلك.. ونأمل أن لا يكرر اللاحقون ما صنعه السابقون، وما زلنا نكتوي بناره ونعاني من آثاره حتى اليوم..
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل
عبدالله سلام الحكيمي
شيفلد - بريطانيا 3 فبراير 2013م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.