في زيارة قصيرة لي إلى سوريا حدثت لي قصة صغيرة في أحداثها كبيرة في معانيها ومضامينها، وعلى الرغم من أن القصة حدثت في سوريا فلا يعني أنها لا تنطبق على كثير من الدول العربية الأخرى وإن كانت تختلف في وضوحها وآثارها من بلد إلى آخر. كنت في سيارة أجرة يقودها رجل مسكين أو كما يقول أخواننا السوريون (درويش على باب الله) له 4 أولاد وبنتان –فقد تعمدت بعد أن حدثت القصة أن أتعرف عليه أكثر- وكانت سيارته التي يعمل عليها هي مصدر رزقه الوحيد، وبينما كنا ماضين في طريقنا وبسرعة عادية جداً توقفت أمامه فجأة سيارة فاضطر إلى ضغط الفرامل بقوة، وقد كانت السيارة التي خلفه مسرعة فضغط سائقها بدوره على الفرامل وكادت سيارته أن تضرب سيارة الأجرة إلا أنها –حمداً لله- لم تفعل. وعلى الرغم من أن سائق الأجرة لم يخطئ لسببين، الأول أن من المعروف في عرف المرور أن الصادم من الخلف هو المخطئ والثاني أنه لم يقف فجأة إلا لأن الذي أمامه وقف فجأة أمامه، على الرغم من هذين السببين فقد تجاوز صاحب السيارة التي كادت أن تصيبنا سيارة الأجرة وأخرج رأسه من السيارة وبدأ في شتم سائق سيارة الأجرة بأقذع الشتائم، ولم يحترم صاحب السيارة فارق السن فقد كان شاباً يافعاً وسائق السيارة بعمر أبيه أو أكثر قليلاً، إلا أنني أستغربت أن سائق سيارة الأجرة (ابتلع) الشتائم المقذعة في صمت، وعندما سألته لماذا صمت على الرغم من أنه لم يخطئ أجابني والدموع تترقرق في عينيه والغصة في حلقه (نمرة السيارة شرطة اشلون بدك ياني احكي)!! تابعنا طريقنا والرجل يكاد فعلاً أن ينفجر، ولم تمض دقيقة حتى انفجر فعلاً وبكى، ثم صرخ قائلاً (ك.... أخت أمريكا يلي ما إجت تخلصنا)!!! إن أمثال هذا الشاب الطائش الذي دفع رجلاً كبيراً في السن خبر الحياة وقسوتها وحلوها ومرها يتفوه بهذه العبارة هم العدو الحقيقي الذي يفوق تأثيره تأثير جيوش العدو وأسلحته وقوته وصواريخه، هذا الرجل الذي أجزم أنه عاش نكبة فلسطين ولم تؤثر فيه، وعايش بالتأكيد نكسة 67 فلم تزده إلا صلابة، وقد يكون من رجال حرب 73 التي رفعت –ولو قليلاً- رأس العرب، ومع ذلك تراه ينهار، من ماذا؟! من الظلم، فالظلم والقهر قد يقتلان أشجع الرجال وأشدهم بأساً، ورحم الله المتبي الذي عبر عن ذلك بقوله: (واحتمال الأذى ورؤية جانيه غذاء تضوى به الأجسام). أعرف أن ندائي لن يبلغ الدكتور بشار لكنها صرخة أعتقد أن صداها سيتردد في أي دولة عربية لكن بدرجات مختلفة كما ذكرت في أول المقال، كيف تتوقعون أن يحميكم الشعب إذا كان يظلم من قبلكم ليلاً نهاراً، كيف يصمد أمام الخطوب والشدائد وروحه المعنوية في الحضيض، إن كراسيكم -أيها الزعماء العرب- وكرامتكم وأمنكم بيد سائق سيارة الأجرة وأمثاله، هؤلاء هم من عماد حكمكم وليس قادة الأمن، ورؤساء أجهزة المخابرات، هؤلاء هم صانعوكم ولستم لهم بصانعين. يحكى أن زعيماً أو امبراطوراً –لعله نابليون بونابرت- خسر أحد قواده معركة فلما سأله لماذا خسرت هذه الحرب أجاب قائلاً (لألف سبب وسبب) فقال: عليك أن تذكرها جميعها وإلا فإن مصيرك الإعدام، فشحب وجه القائد وقال: أولاً لقد كانت الروح المعنوية للجيش محطمة فاستوقفه الزعيم قائلا: كفى هذه وحدها ألف سبب وسبب!! وختاماً، لا أخفي القراء أنني أتوقع حرباً جديدة في المنطقة تكون إسرائيل طرفاً فيها، ولا أقول هذا لأسباب سياسية أو بناء على تحليلات ومعلومات، وإنما لأن هذا هو الوقت الأنسب لشن حرب كهذه فالروح المعنوية العربية في أحط درجاتها، وإذا وصل الشيء إلى آخر مداه يبدأ مع الوقت في التحسن تدريجياً وإسرائيل لن تنتظر حتى تبدأ روحنا المعنوية بالتحسن، ولن تتجاهل (ألف سبب وسبب) للنصر علينا، وليكن الله في عوننا جميعاً.