من مصلحة دول الخليج العمل على خفض حدّة التوتر في المنطقة، خصوصاً أنها في غنى عن أي حرب جديدة تكون على حسابها. المنطقة لا تتحمّل حرباً أخرى، على حد تعبير أحد حكماء الخليج والعرب، ولذلك لا يمكن الاّ النظر من زاوية أيجابية الى الزيارة التي قام بها الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد لأبوظبي ومحادثاته مع كبار المسؤولين في دولة الأمارات. لا شك أن زيارة أحمدي نجاد للأمارات ترتدي طابع الزيارات التاريخية، ليس لأنها الأولى من نوعها فحسب، بل بسبب الظروف التي تمر بها المنطقة أيضا، وهي ظروف استدعت مجيء نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني الى الامارات لاجراء محادثات مع رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد في اطار جولة شملت أيضاً العراق والمملكة العربية السعودية ومصر والأردن. كانت كلّ الأماكن التي توقف فيها تشيني مهمة، لكن المحطة الأهم كانت حاملة الطائرات الأميركية "جون سي ستينيس" التي تبحر حالياً في الخليج قبالة الشواطئ الاماراتية. تحدث تشيني من على ظهر الحاملة وخلفه خمس طائرات حربية من طراز "أف-18 سوبر هورنيت" رمز القوة الضاربة الأميركية، ذلك أن هذه الطائرة هي الأحدث والأكثر تطوراً لدى القوات البحرية الأميركية. لم يقل تشيني جديداً، بل كرر الموقف الأميركي المتشدد من البرنامج النووي الأيراني. يختصر الموقف بأن الولاياتالمتحدة لن تسمح لايران بامتلاك السلاح النووي. كذلك كرر أن الولاياتالمتحدة لن تسمح لايران في الوقت ذاته باغلاق طرق النفط على رأسها مضيق هرمز. كان الهدف من زيارة نائب الرئيس الأميركي لأحدى حاملتي الطائرات الأميركيتين في الخليج توجيه رسالة الى النظام الايراني فحواها أن القوة العظمى الوحيدة في العالم جدية في تعاطيها مع ما تعتبره "التهديد الأيراني" وأن القوة البحرية الموجودة في الخليج ليست من النوع الاستعراضي... بل هناك عصا تشيني الى جانب جزرة كوندي رايس! ليس معروفاً ما اذا كانت طهران فهمت الرسالة الأميركية واستوعبت مدى جديتها. فما ليس واضحاً، أقله الى الآن، هل يمكن اعتبار كلام الناطق باسم وزارة الخارجية الايرانية عن مفاوضات ستجرى قريباً مع الأميركيين في العراق مؤشراً الى تراجع ايراني، أم أن الهدف من الاعلان عن المفاوضات كسب الوقت ليس الاّ والرهان على وجود خلافات داخل الادارة الأميركية، بين تشيني ووزيرة الخارجية رايس تحديداً، تحول دون الاقدام على أي مغامرة عسكرية جديدة. في كلّ الأحوال، حسناً فعل الرئيس الايراني بالمجيء الى دولة الامارات في هذا التوقيت بالذات وذلك ليثبت أن النظام الايراني على استعداد للحوار مع دول الجوار وأنّه لا يسعى الى الهيمنة. مثل هذه الخطوات مفيدة جداً لتعزيز الاستقرار الأقليمي وابعاد القوى الكبرى عن المنطقة. في النهاية، أن القوى الكبرى على رأسها الولاياتالمتحدة موجودة في الخليج لأنّ دول المنطقة تشعر بتهديدات ايرانية وكانت تشعر قبل ذلك بتهديدات عراقية بلغت ذروتها بالمغامرة المجنونة التي أقدم عليها صدّام حسين باحتلاله الكويت المسالمة صيف العام 1990 من القرن الماضي. من حق كلّ دولة من دول المنطقة الدفاع عن شعبها وعن كيانها ووجودها... ومن حقها الاستعانة بأيّ شيطان من أي نوع كان ومن أي حجم كان عندما تجد نفسها مهددة. ألم تتعاون ايران مع الولاياتالمتحدة عندما كان الأمر يتعلّق بأسقاط نظام "طالبان" المتخلف المعادي لها من زاوية مذهبية متزمتة في أفغانستان؟ ألم تغض الطرف عن الحملة العسكرية الأميركية على العراق من منطلق أنها ستخرج منتصرة، بل ستكون المنتصر الوحيد في هذه الحرب، خصوصاً بعد غرق الأميركيين والبريطانيين في الوحول العراقية؟ أن ايران دولة كبيرة وقد تصرفت وفق مصالحها، أكان ذلك في أفغانستان أو العراق، فما الذي يمنع الدول الصغيرة في الخليج أن تأخذ في الأعتبار مصالحها أيضا وأن تتصرّف من هذا المنطلق؟ أن الحديث الأيراني عن مواجهة "الشيطان الأكبر" يظل كلاماً جميلاً في حال لم ترافقه أفعال تدل على أن هناك استعداداً حقيقياً لبناء جسور الثقة بين ضفتي الخليج، الضفة الفارسية والضفة العربية. من حق دولة مثل الأمارات أن تشعر بأنّ شيئاً ما تغير في ايران منذ انتصار "الثورة الاسلامية" وسقوط الشاه وأن قضية الجزر الثلاث (الطنب الكبرى والطنب الصغرى وأبو موسى) التي استولت عليها ايران- الشاه بالقوة في العام 1971 يمكن أن تكون موضوع أخذ ورد ومفاوضات في العمق تحفظ في ختامها لكلّ ذي حق حقّه. يفترض في النظام الايراني الجديد الذي عمره ثمانية وعشرين عاماً ألا يكتفي بتغيير خطابه السياسي ويزايد على بعض العرب بالشعارات. من يريد تحرير القدس بالفعل، لا يحتفظ بالقوة بجزر تابعة لدولة عربية. على العكس من ذلك، أنه يسعى الى طمأنة هذه الدولة العربية أو تلك عن طريق تأكيد أن لا مطامع لايران في أية بقعة من الخليج. هناك فرص كثيرة متوافرة هذه الأيام للنظام الايراني كي يظهر حسن نيته. في استطاعته على سبيل المثال وليس الحصر التصرف بطريقة مختلفة في العراق تؤكد حرصه على وحدة أراضي البلد وليس على الميليشيات المذهبية التي تعث فساداً وتلعب دوراً مكملاً للتنظيمات السنّية المتطرفة مثل "القاعدة" وما شابهها. وفي استطاعته التوقف عن التدخل في شؤون لبنان عن طريق تغذية النزاع المذهبي الذي بدأ يأخذ منحى خطيراً يهدد مصير الوطن الصغير. يكفي أن تتعاطى ايران بطريقة مختلفة مع الحكومة الشرعية في لبنان لتظهر أن دورها في هذا البلد المغلوب على أمره لا يقتصر على تحويله مجرد "ساحة" تستخدم كخط دفاع عن البرنامج النووي الأيراني. يمكن أن يتصرّف النظام الأيراني أيضاً بطريقة مختلفة في فلسطين واليمن، التي تعاني حالياً بدورها من تمرد مسلح في محافظة صعدة لا تقل خطورته عن حرب الأنفصال صيف العام 1994. مثل هذا التصرف المختلف يقود الى بناء جسور الثقة والأنصراف الى مواجهة الظاهرة الأخطر على الصعيد الأقليمي. أنها ظاهرة انفلات الغرائز ذات الطابع المذهبي التي أطلقها الاحتلال الأميركي للعراق والتي يمكن أن ترتد على دولة مثل ايران في حال اعتقدت أن في استطاعتها السيطرة عليها واستغلالها سياسياً. في النهاية، من السهل محاربة أميركا بالكلام والشعارات. مثل هذه الحرب تساعد أميركا في زيادة وجودها العسكري في منطقة الخليج وغيرها من المناطق. ما يساعد في أبعاد الأميركيين علاقات من نوع جديد بين دول المنطقة في أساسها الثقة المتبادلة التي من دونها ستشعر كل دولة من دول المنطقة بأنها مهددة. هل في استطاعة النظام الايراني الاقدام على مثل هذه النقلة النوعية على صعيد علاقاته مع الآخرين، خصوصاً جيرانه المباشرين في الخليج؟ لا يمكن الا الترحيب بخطوة مجيء الرئيس الأيراني الى دولة الأمارات. ولكن لامفر من التأكيد في الوقت ذاته أن الكلام وحده لا يكفي. ثمة حاجة الى أفعال تثبت أن شيئاً ما تغيّر في طهران وأن السياسة الخارجية ل"الجمهورية الاسلامية" مختلفة عن سياسة ايران- الشاه وأن ثمة تصرّفات تشير الى ذلك بالملموس. بمثل هذه التصرفات يمكن الرد على نحو فعّال على جولة تشيني وعلى طروحاته ومواجهة السياسة الأميركية في المنطقة ... في حال كان مطلوباً بالفعل مواجهتها. ولكن هل تريد ايران حقيقة مواجهة السياسة الأميركية في المنطقة أم تسعى الى الأستفادة منها وتوظيفها بما يخدم مصالحها؟ أم أنها تريد أن تضع نفسها من حيث تدري أو لا تدري في خدمة هذه السياسة؟