لم يعد ما يشهده العالم اليوم مجرد اختلالٍ في موازين القوة، بل انهيار فعلي لمنظومة القانون الدولي التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية، على أساس حماية سيادة الدول ومنع تكرار منطق العدوان. فما حدث بشأن الاعتداء على رئيس دولة ذات سيادة بالقوة، يضع المجتمع الدولي أمام سؤال وجودي: هل ما يزال النظام الدولي قائمًا على القانون، أم أنه عاد إلى شريعة الغاب؟. لقد أُسِّست الأممالمتحدة عام 1945 بعد فشل عصبة الأمم في منع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وكان الهدف المركزي هو حفظ السلم والأمن الدوليين. غير أن هذه الغاية اصطدمت منذ البداية ببنية مختلة، تمثلت في مجلس الأمن الدولي، الذي مُنح حق النقض (الفيتو) لخمس دول دائمة العضوية: الولاياتالمتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين. هذا الامتياز حوّل المجلس من أداة لتحقيق العدالة الدولية إلى منصة تكرّس ميزان القوة، حيث تستطيع دولة واحدة تعطيل إرادة العالم بأسره. وخلال العقود الماضية، استخدمت الولاياتالمتحدة حق الفيتو عشرات المرات، في معظمها لحماية الكيان الصهيوني من أي مساءلة قانونية أو أخلاقية، ما جعل القانون الدولي انتقائيًا، يُطبَّق على الضعفاء ويُعلَّق عندما يتعلق الأمر بالحلفاء أو المصالح الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تأتي قضية فنزويلا بوصفها نموذجًا صارخًا لانكشاف النظام الدولي. فبحسب ما جرى تداوله، وما سبق ذلك من تصعيد سياسي وتهديدات علنية، كانت واشنطن قد طالبت القيادة الفنزويلية بمغادرة البلاد ومنحتها مهلة زمنية قصيرة، في مشهد يعكس عقلية الإملاءات والغطرسة الأمريكية، لا منطق السيادة. لكن الرد الفنزويلي جاء قويًا، إذ ظهر الرئيس الفنزويلي بين جماهير شعبه متحديًا، ومؤكدًا على حق بلاده في الدفاع عن نفسها، ومعلنًا تسليح الشعب لمواجهة أي عدوان محتمل. فنزويلا، بما تمتلكه من قدرات بشرية وعسكرية وثروات سيادية، ليست دولة يمكن إسقاط قيادتها خلال ساعات، ما لم يكن هناك عامل داخلي خطير. ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: هل ما حدث كان نتيجة خيانة من الداخل؟ وهل تورطت قيادات فنزويلية عسكرية أو سياسية عليا في تسهيل هذا السيناريو؟ أسئلة ستجيب عنها الأيام، إن لم تُطمس الحقائق كما طُمست غيرها من قبل. الأخطر من ذلك، تصريحات الرئيس الأمريكي الكافر دونالد ترامب التي أعقبت الحادثة، تحدث فيها بقدر كبير من الوقاحة السياسية عن عزم الولاياتالمتحدة على السيطرة على النفط الفنزويلي، وهو تصريح يزيل أي قناع أخلاقي عن جوهر العدوان، ويكشف أن النفط كان ولا يزال الدافع الحقيقي، لا الديمقراطية ولا حقوق الإنسان كما يُروَّج. إن اختطاف رئيس دولة، أو القبض عليه بالقوة خارج أي إطار قانوني دولي، لا يُعد مجرد انتهاك للسيادة، بل جريمة عدوان مكتملة الأركان وفق ميثاق الأممالمتحدة ومبادئ القانون الدولي، ونسفًا مباشرًا لمبدأ الحصانة الدولية لرؤساء الدول. وأمام هذا الانهيار الأخلاقي والقانوني، يصبح من المشروع، بل من الضروري، طرح سؤالٍ أكثر جذرية: ما فائدة مجلس الأمن؟ وما جدوى الأممالمتحدة بصيغتها الحالية؟ لقد بات واضحًا أن العالم بحاجة إلى منظومة دولية جديدة، وهيئة عالمية حقيقية تمثل إرادة الشعوب لا هيمنة الدول الكبرى، تحمي السيادة بدلًا من شرعنة العدوان، وتعيد الاعتبار للقانون الدولي بوصفه قانونًا عامًا لا أداة انتقائية. إن الصمت الدولي اليوم لا يقل خطورة عن الفعل نفسه، لأن القبول بالأمر الواقع يعني أن أي دولة قد تكون الضحية القادمة، وأن شريعة الغاب لم تعد استثناءً، بل أصبحت نهجًا تمارسه الدول الكبرى.