بقلم: العميد القاضي د. حسن حسين الرصابي/ كنا قد تناولنا في الحلقة الأولى جذور الأطماع الصهيونية الغربية في البحر الأحمر وجزر اليمن وساحله الغربي. وفي هذه الحلقة، نواصل سبر أغوار هذا المخطط الاستعماري الذي امتد من القرن السادس عشر وحتى يومنا هذا، لنربط خيوط المؤامرة القديمة بالواقع المعاصر الذي نعيشه. التاريخ يعيد نفسه بلبوس جديد إن ما يشهده الساحل الغربي لليمن اليوم من مؤامرات وتحشيد عسكري "دولي" تقوده في الحقيقة الولاياتالمتحدة وبريطانيا تحت مسميات "حماية الملاحة"، ما هو إلا امتداد لاستراتيجيات المستعمرين القدامى الذين تدثروا قديماً بعباءة التجارة، ويتدثرون اليوم بعباءة "الشرعية" الموهومة أو حماية الممرات الدولية... إن اليمن، بموقعه الاستراتيجي، ظل عبر العصور مهوى أفئدة الطامعين، لكنه ظل أيضاً المقبرة التي تُدفن فيها أحلامهم. واليوم، ونحن في عام 2026، نرى بوضوح مغزى الاعتراف الإسرائيلي ب "جمهورية أرض الصومال" (صومالي لاند)، وكيف يسعون لتحويل البحر الأحمر من ممر مائي آمن إلى ساحة مواجهة مباشرة؛ حيث يحاول الكيان الصهيوني -مدعوماً بالغرب الجماعي- فرض واقع "الشرق الأوسط الجديد" الذي حذرنا من أجندته الصهيونية مراراً وتكراراً. البحر الأحمر في الاستراتيجية الصهيونية المعاصرة لم تعد الأطماع الصهيونية مجرد رغبة في العبور، بل أصبحت استراتيجية "هيمنة أو خنق". فبعد ما فرضته القوات المسلحة اليمنية من إطباق على الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، والتمكن من حصار الكيان الإسرائيلي اقتصادياً عبر إغلاق ميناء أم الرشراش "إيلات"، وما نتج عن ذلك من تداعيات اقتصادية قاسية تجرعها الكيان الغاصب؛ بات العدو يرى في استمرار سيطرة القوى الوطنية اليمنية على مضيق باب المندب تهديداً وجودياً لمشروعه الأمني. ومن هنا نفهم: * عسكرة البحر الأحمر: إن الدفع بالأساطيل الغربية ليس لحماية التجارة العالمية، بل لمحاولة كسر الحصار البحري الذي فرضته "القوات المسلحة اليمنية" نصرةً للقضايا العادلة للأمة، وعلى رأسها قضية فلسطين. * صناعة الأزمات وإدارتها: عبر أذرع استخباراتية دولية تزرع الشقاق وتغذي الصراعات الداخلية لضمان بقاء اليمن ممزقاً، مما يسهل السيطرة على جزره وقواعده العسكرية وتقاسم "الكعكة" الجيوسياسية. من البرتغاليين إلى "حارس الازدهار" لو عدنا لوثائق التاريخ، لوجدنا أن التدافع البريطاني والبرتغالي والهولندي في القرن السابع عشر كان يهدف للسيطرة على "طريق التوابل". واليوم، يتكرر المشهد تحت مسميات تحالفات عسكرية هشة (مثل "حارس الازدهار"، و"أسبيدس"..)، لكن الهدف واحد: تأمين التفوق الصهيوني وضمان تدفق الطاقة وموارد المنطقة بعيداً عن سيادة أصحاب الأرض الحقيقيين. إن ما نكتبه اليوم بدماء الشهداء وبطولات الشعب اليمني وقواته المسلحة الباسلة هو الفصل الأهم في تاريخ النضال الوطني. فاليمن لم ولن تقبل إلا بامتلاك كامل سيادتها، وهي اليوم في طليعة القوى التي تتصدى للغطرسة الاستكبارية، محطمةً بذلك أسطورة "التفوق" التي حاول الاستعمار زرعها في وعينا الجمعي. الخاتمة إن إدراكنا للمخططات التاريخية يجعلنا أكثر بصيرة بما يحاك لبلدنا الغالي. فالصراع ليس وليد اللحظة، بل هو صراع وجودي بين مشروع تحرري وطني، وبين مشروع صهيوني استعماري يريد تحويل البحر الأحمر إلى "بحيرة عبرية". ونحن، كما كنا دوماً، سنظل حراس هذا البحر وحماة هذه الأرض.