في تاريخ الصراعات الدولية، تُعدّ الفرص الاستراتيجية نادرة وعابرة وقاسية، فهي لا تُعلن عن نفسها بصوت عالٍ، لكنها بالتأكيد عندما تستغلّ بشكل جيد وسريع وحاسم، تستطيع تغيير الأمور والمعادلات بشكل دراماتيكي لا يُمكن تخيّله أصلاً. واليوم، تقف الجمهورية الإسلامية في إيران أمام مثل هذه الفرصة، بعكس ما يظنّه الكثيرون خاصةً أولئك الموالون لأمريكا. فبالرغم من تصاعد التهديدات الخارجية، والتغيّر الظاهري في ميزان القوى على صعيد منطقة غربي آسيا، لا سيما بما يتعلق بالساحة السورية، إلا أن كفة المبادرة تتفوق حالياً على كفة ضبط النفس، وكفة الهجوم على الدفاع، والعمل الاستراتيجي على الصبر الاستراتيجي. وربما هذا ما أشار اليه البيان الأخير لمجلس الدفاع في الجمهورية الإسلامية، حينما أدان تصعيد الخطاب التهديدي والتصريحات التدخلية ضد البلاد لمن وصفهم بالأعداء اللدودين (أي أمريكا وإسرائيل)، مؤكدا استعداد إيران للرد بشكل حاسم ومتناسب على أي عدوان أو سلوك عدائي، انطلاقًا من "تماسكها الوطني وقدرتها الشاملة على الردع وجاهزيتها الدفاعية الكاملة"، مشدداً على أن "أمن البلاد واستقلالها وسلامة أراضيها خط أحمر لا يمكن تجاوزه. وأي اعتداء على المصالح الوطنية، أو تدخل في الشؤون الداخلية، أو عمل يُهدد استقرار إيران، سيُقابل برد متناسب ومُستهدف وحاسم". ومشيراً بالتوازي إلى أنه "في إطار الدفاع المشروع، لا تقتصر الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الرد بعد وقوع الفعل، بل تعتبر المؤشرات الموضوعية للتهديد جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن". وعليه، أمام إيران اليوم فرصة تاريخية واستراتيجية، قد تقوم – بمفردها أم حتى بمشاركة قوى وأطراف محور المقاومة كلّه – باستغلالها لقلّب ميزان المتغيرات الإقليمية والدولية لصالحها، بالاستفادة من عدّة معطيات أهمها: الإنهاك الاستراتيجي لإسرائيل، تصاعد تعافي حزب الله والمقاومة الفلسطينية وقوى محور المقاومة، تشتت الانتباه الأمريكي نحو "نصف الكرة الغربي". الإنهاك الاستراتيجي لإسرائيل إسرائيل ما بعد طوفان الأقصى ليست إسرائيل ما بعده، مهما حاول الكثير من المحللين والخبراء الذين يدورن في الفلك الأمريكي من التعبير عن عكس ذلك. فقد أدى الضغط المستمر على جبهات متعددة، والتشرذم السياسي الداخلي، والإرهاق المجتمعي الاستطياني العميق إلى تآكل قدرتها على الصمود الاستراتيجي. فلقد ألحقت الحروب والاشتباكات الطويلة التي لم تُفضِ إلى نصرٍ حاسم أضرارًا متراكمة بجاهزية جيش الاحتلال الإسرائيلي (حاجة جيش الاحتلال الى أكثر من 14.5 ألف جندي لكثرة الإصابات من قتلى وجرحى خلال معركة طوفان الأقصى خاصةً على جبهتي قطاع غزة ولبنان)، ومعنويات قوات الاحتياط، وقدراته المادية (من آليات ومدرعات وصواريخ منظومات الاعتراض الصاروخي). إن الإنهاك الاستراتيجي ليس مجرد حالة عسكرية، بل هو حالة نفسية ومجتمعية أيضًا. فالخصم المنهك يصبح رد فعله رد فعلٍ بدلًا من أن يكون استباقيًا، ويتجنب المخاطر بدلًا من أن يكون حاسمًا. ويُعطي الأولوية للسيطرة على الأضرار على حساب المبادرة الاستراتيجية. هذه الحالة تُهيئ فرصةً سانحةً للعمل الاستباقي، ليس بالضرورة لمواجهة شاملة فورية، بل لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية بطرق تُضعف حرية تحرك الخصم بشكلٍ دائم. ومن المهم الإشارة إلى أن موقف الردع الإسرائيلي يعتمد الآن على الإشارات أكثر من الجوهر. فالردع بدون مصداقية ليس ردعًا، بل هو مجرد استعراض. إن مبادرة إيرانية استباقية، مُصاغة ومُنسقة بشكلٍ صحيح على المستوى الاستراتيجي، من شأنها أن تكشف هذا الضعف وتُسرّع من التآكل الجاري بالفعل. تعافي حزب الله والمقاومة الفلسطينية وباقي أطراف محور المقاومة لا يقتصر صمود محور المقاومة على النجاة من التحديات فحسب، بل بقدرته العالية على التكيّف والنضج والاستفادة من التجارب. فقد عاد حزب الله إلى الظهور بتماسكٍ مُعزز، وخبرةٍ ميدانية، وشرعيةٍ شعبية من بيئته الحاضنة بنسبة غير مسبوقة في تاريخ الصراع مع إسرائيل (بات هناك نسبة كبيرة من اللبنانيين مدركة لخطورة وجود كيان الاحتلال الإسرائيلي ولخطورة عدم الاستعداد لمواجهة عدوانه بالقدرات المادية بأسلوب دفاعي بالحد الأدنى). في الوقت نفسه، أظهرت المقاومة الفلسطينية قدرةً إعجازية على الصمود وإعادة التعبئة والسيطرة، رغم آثار العدوان الإسرائيلي الهائلة. فهي لا تزال فاعلةً سياسياً، ومتجذرةً اجتماعياً، وذات تأثيرٍ رمزي قوي. هذا الصمود بحد ذاته، يُقوّض الهدف الاستراتيجي الأساسي لإسرائيل: فرض سيطرتها النهائية على القطاع. وكذلك الأمر في اليمن أم حتى في العراق، تثبت قوى المقاومة في البلدين مدى تجذرها الشعبي وقوتها السياسية. لذلك بالنسبة لإيران، تُمثل هذه الأمور جميعاً قوةً إسناد مُضاعفة، يمكن تحويلها واستثمارها بصنع زخم استراتيجي مُنسق ضد إسرائيل وداعميها، حيث تتلاقى نقاط ضغطٍ مُتعددة لإرباك قدرة المعسكر المعادي على اتخاذ القرار. تشتت الانتباه الأمريكي: ما بين "أمريكا أولاً" ونصف الكرة الغربي لعلّ العامل الاستراتيجي الأقل تقديرًا هو التوجه الحالي للولايات المتحدةالأمريكية. ففي عهد دونالد ترامب والتيار السياسي الذي يمثله، أعادت أمريكا تعريف أولوياتها تحت شعار "أمريكا الذي يقوم على الانتقائية في التعامل، والتحالفات النفعية، وبسط النفوذ الخارجي على المحيط المباشر بشكل رئيسي (أمريكا الشمالية واللاتينية). لذلك تتجه أنظار إدارة ترامب الاستراتيجية بشكل متزايد نحو نصف الكرة الغربي: إعادة التفاوض على التجارة، وأمن الحدود، والنفوذ في أمريكا اللاتينية، والمنافسة على الصعيد الداخلي. أما منطقة غربي آسيا، فرغم أنه لم يُهمل، إلا أنه لم يعد الساحة الرئيسية للاستثمارات الأمريكية الحاسمة إلا إذا كانت المصالح الأمريكية الجوهرية مهددة بشكل مباشر. لذلك فإن تردد الولاياتالمتحدةالأمريكية في الانخراط في صراعات خارجية مطولة (كما يدعو لذلك فريق MAGA الأمريكي الذي كان أحد أبرز داعمي ترامب للفوز بولاية رئاسية جديدة)، يُضعف الردع الممتد ويُشجع الجهات الفاعلة الإقليمية المستعدة للتحرك بحزم. من شأن مبادرة إيرانية استباقية أن تضع واشنطن أمام معضلة: إما التصعيد في منطقة ترغب في الخروج منها أو إعادة التموضع فيها بما لا يشكل خطراً مباشراً على قواتها، أو التكيف مع الواقع الجديد. المبادرة كوسيلة ردع في الخلاصة، غالبًا ما يكون الهجوم أقوى أشكال الردع. فالاستعداد المُظهَر للتحرك الاستباقي يُعيد تشكيل توقعات الخصم، ويُشير إلى أن التهديدات لن تُدار إلى ما لا نهاية، ولن تُمتصّ بسلبية. بالنسبة لإيران، فإنّ تبني موقف استباقي من شأنه أن يُعزز الردع بدلًا من تقويضه. فهو يُعيد تأكيد استقلاليتها الاستراتيجية، ويُقوي تماسك التحالف، ويُقلل من حافز الخصوم لاختبار حدودها تدريجيًا. والأهم من ذلك، أنه يُعيد تعريف إيران لا كقوة رد فعل تُدير الأزمات المفروضة عليها، بل كفاعل استراتيجي قادر على وضع الأجندات، وحتماً لن تقف حدود الردع عند الجمهورية الإسلامية فحسب، بل ستكون عاملاً لتعزيز ردع باقي أطراف محور المقاومة.