لم يعد خافيًا أن طبيعة الصراع مع كيان العدو لم تعد محصورة في ميادين السلاح وحدها، بل تجاوزت ذلك إلى ساحات أوسع وأكثر تأثيرًا، حيث الكلمة، والصورة، والوعي، والنَّفَس الطويل. ولعلّ أخطر ما يواجهه العدو اليوم ليس الصواريخ بقدر ما هو الانكشاف والارتباك وفقدان السيطرة على الرواية. بالأمس خرج مجرم الحرب بنيامين نتنياهو ليعترف صراحة بتأثير الحرب الإعلامية ويُقِرّ بهزيمة كيانه في مواقع التواصل الاجتماعي، في مشهد نادر يكشف حجم الأزمة التي يعيشها العدو على مستوى الوعي العالمي. واليوم يكتمل المشهد باعتراف مندوب كيان الاحتلال في مجلس الأمن بتأثير الحرب النفسية، وبأن الشعار والكلمة باتا أدوات تضرب معنويات جيشه ومجتمعه. هذه الاعترافات، في توقيتها ومضمونها، ليست تفصيلًا عابرًا، بل دليل واضح على أن الحرب لم تعد عسكرية بحتة، وأن ميادينها متعددة، وأن أدواتها لم تعد حكرًا على الجيوش والدول. لقد أصبح بإمكان كل فرد، وكل ناشط، وكل صاحب موقف، أن يكون جزءًا فاعلًا في هذه المعركة، وأن يمارس دوره الجهادي من موقعه وبما يمتلكه من وعي وأدوات. إن هذا الواقع يفرض علينا وعيًا أعمق بطبيعة الصراع وأساليبه، ويحررنا من عقدة انتظار التوازن العسكري أو تعليق المواقف على غياب السلاح النووي أو التفوق التقني. فالتجربة أثبتت أن الإرادة الواعية حين تُحسن استخدام أدواتها قادرة على إرباك أقوى المنظومات وزعزعة أكثر الجيوش تسليحًا. وما نشهده اليوم من ارتباك العدو، وتناقض خطابه، وانكشافه أمام الرأي العام العالمي، واعترافه الصريح بتأثره، ليس إلا من بشائر النصر التي وعد الله بها عباده في الحياة الدنيا قبل الآخرة.. وهي بشائر لا ينبغي أن تُقابل بالفتور أو التراجع، بل تستوجب الثبات ومواصلة الطريق، وعدم التقهقر بعد ظهور آثار النصر، مصداقًا لقول الله سبحانه: ﴿مِن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾. إن أخطر ما في هذه المرحلة على العدو هو أن صورته التي طالما حرص على تلميعها تتهاوى، وأن هيبته المصطنعة تتآكل، وأنه يُرى اليوم على حقيقته: كيان ضعيف، أوهن من بيت العنكبوت، لا يقوى على مواجهة الوعي الجمعي إذا ما توحدت جهود أبناء الأمة. وحين تتكامل أدوات الحرب النفسية مع المقاطعة الاقتصادية، ومع الحرب الإعلامية الواعية، فإن هذا العدو يفقد أي موطئ قدم في منطقتنا، ويصبح منبوذًا معزولًا، وممقوتًا بلا حاضنة ولا شرعية. فكيف سيكون حاله إذا ما انتقلت الأمة، وهي على هذا الوعي، إلى خيارات أشد حزمًا في المستويات العسكرية والأمنية؟ إن المعركة اليوم هي معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، ومعركة ثبات قبل أن تكون معركة عتاد. وكل اعتراف يصدر من العدو هو شهادة جديدة على فاعلية هذا الطريق، وعلى أن النصر يبدأ حين يدرك الخصم أنه خاسر... حتى وإن امتلك كل أدوات القتل.