بقلم: العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي/ تشهد منطقة الشرق الأوسط في مطلع فبراير 2026 تحولاً دراماتيكياً في قواعد الاشتباك بين واشنطنوطهران. فبينما تضج منصات التواصل وتصريحات البيت الأبيض بقرع طبول الحرب، تكشف التحركات العسكرية على الأرض عن حقيقة مغايرة: واشنطن لا تتحضر للهجوم، بل تستعد للاحتماء، وهي مفارقة عسكرية تستحق التأمل. أولاً: مأزق "التفوق العسكري" التقليدي لم يعد التفاخر الأمريكي بالسيادة الجوية كافياً لحسم معادلة الصراع. التحليلات العسكرية الأخيرة تؤكد أن البنتاغون يركز حالياً على تعزيز منظومات الدفاع الجوي (THAAD وPatriot) لحماية قواعده، في إقرار ضمني بأن "الضربة الاستباقية" لم تعد تضمن شل قدرة الخصم على الرد. إن "عقيدة الاحتماء" هذه تعكس عجزاً بنيوياً عن خوض حرب "خاطفة"، وتكشف عن خشية من تحول المواجهة إلى استنزاف لا يطيقه العمق الاستراتيجي الأمريكي. ثانياً: استراتيجية "الإغراق" وتآكل الردع بنت طهران عقيدتها العسكرية على مبدأ "الردع غير المتكافئ"؛ فهي لا تسعى لمنافسة واشنطن تقنياً، بل تعتمد على استراتيجية "الإغراق الدفاعي" عبر ترسانة ضخمة من الصواريخ والمسيرات، مما يجعل تكلفة الاعتراض (مادياً وعملياتياً) أكبر بكثير من تكلفة الهجوم. هذا التفاوت يجعل من أي قرار عسكري أمريكي مقامرة غير محسومة النتائج في ظل احتمالية "انكشاف" القواعد العسكرية أمام موجات النيران المتلاحقة. ثالثاً: تصدع الغطاء الإقليمي و"فيتو" الجغرافيا يزيد المأزق الأمريكي عمقاً مع نأي القوى الإقليمية بنفسها عن أي مغامرة عسكرية. فالرفض الإقليمي الصارم لاستخدام الأراضي أو الأجواء لضرب إيران ليس مجرد موقف سياسي، بل هو إدراك لمخاطر "ارتداد الصراع". وهنا نؤكد من منظور قانوني أن أي محاولة أمريكية لتجاوز السيادة الوطنية للدول الإقليمية دون تفويض دولي صريح سيعمق العزلة القانونية لواشنطن ويضعها في مواجهة مباشرة مع ميثاق الأممالمتحدة. إن حماية ممرات الطاقة (مضيق هرمز وباب المندب) باتت أولوية قصوى تتقدم على الرغبات الأمريكية، مما أفقد واشنطن ميزة "التحالف الدولي" التي كانت تتكئ عليها سابقاً. رابعاً: "إسرائيل" والبحث عن أمن مفقود تجد تل أبيب نفسها في مأزق وجودي؛ فهي المحرض الأكبر، لكنها "الخاصرة الرخوة" في حسابات المواجهة. تدرك واشنطن أن عجز منظومات الدفاع عن حماية العمق الإسرائيلي بالكامل سيعني نهاية أسطورة "الردع المشترك"، وسيسرع من انهيار الهيمنة القطبية الواحدة في المنطقة، وهو ثمن باهظ لا ترغب إدارة ترامب في دفعه وهي تبحث عن "صفقات" لا عن "حروب مكلفة". الخلاصة: الضربة لا تتأخر.. بل تتعطل إن ما نشهده هو حالة "تعادل ردع" إجبارية؛ فالضربة الأمريكية تتعطل لأن كلفة المخاطر باتت تفوق بمراحل أي مكاسب تكتيكية. وفي ظل البراغماتية التي تنتهجها الإدارة الأمريكية الحالية، يبدو أن التصعيد الحالي هو "دبلوماسية خشنة" لتحسين شروط التفاوض على اتفاق جديد، وليس تمهيداً لانفجار شامل. إن هذا المشهد برمته ليس إلا فصلاً جديداً من فصول "الشرق الأوسط الجديد بأجندة صهيونية" -كما فصلناه سابقاً- والتي تسعى حثيثاً لجر القوى الكبرى إلى صدامات دموية تخدم مصالحها الضيقة على حساب استقرار المنطقة وشعوبها، لكن "عجز القوة" اليوم قد يفرض واقعاً مغايراً لا تشتهيه سفن واشنطن ولا طموحات تل أبيب.