أثارت التقارير والوثائق المسربة المرتبطة بفضائح «جيفري إبستين»، الذي ينحدر من أسرة يهودية تساؤلات جوهرية تتجاوز البعد الاجرامي الفردي، لتصل إلى عمق المنظومة الأخلاقية والسياسية التي تدير مراكز صنع القرار الأمريكي، وكذلك الدولي والأمم المتحدة، وذلك بالربط بين تورط النخب السياسية ورجال المال والأعمال في انتهاكات جسيمة بحق الطفولة، التي كشفت حالة التبلد في الضمير العالمي تجاه المجازر والجرائم الوحشية بحق الإنسانية في قطاع غزة خلال العامين الماضيين. فلا يمكن اطلاقا فصل الموقف السياسي لأي دولة عن رصيدها القيمي، لاسيما بعد الكشف عن تورط الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، وقائمة طويلة من النخب السياسية والمالية في مختلف دول العالم، بتلك الجرائم التي تمس قدسية الطفولة من اختطاف واغتصاب وقتل واخفاء، لندرك تماما بأن هذا هو السبب ذاته الذي حال تلك النخب دون تقديم أي مواقف أخلاقية تنتصر لأطفال غزة في المحافل الدولية. وهنا قد لا يكون استخدام أمريكا حق النقض «الفيتو» لقرابة 5 مرات لتعطيل قرارات وقف المجازر بحق أطفال غزة، مجرد خيار استراتيجي أو انحيازا مطلقا لإسرائيل فحسب، بل هو انعكاس لتوجه النخب الأمريكية وغيرها المدرجة في ارشيف وثائق «إبستين»، التي أصبحت تفتقر لأبسط القيم الإنسانية تجاه الجرائم المرتكبة ضد الطفولة في غزة الذي تجاوز عدد القتلى من الأطفال 18.500 طفل من إجمالي الشهداء الذين بلغوا قرابة 72 شهيد في أكبر مذبحة خلال التاريخ المعاصر. فإن تورط صانعي القرار الأمريكي والأوروبي وغيرهم في انتهاكات موثقة كما أظهرتها وثائق «إبستين»، جعل من القرارات الدولية والأمم المتحدة رهينة للماسونية الصهيونية، وجعل من تلك الملفات أدوات ضغط وابتزاز عليها لتخرسها في كافة المواقف التي تتطلب ذلك. هذا التفسير يحلل بكل وضوح، لماذا يستميت معظم النخبة الحاكمة في أمريكا وأوروبا في الدفاع عن مرتكبي جرائم الحرب في غزة، لأنه وبكل بساطة مَن يرتكب أو يتستر على انتهاكات سرية يسهل عليه تمريرها بالعلن كما هو حال تلك النخب التي خرج بعضها ينكر حدوث أي جرائم وانتهاكات ضد الطفولة في قطاع غزة، لأن سقوط المبادئ حولهم من قيمة إنسانية إلى أدوات في غرف «إبستين» المظلمة. وبالإضافة إلى ذلك، فقد كشف المتورطون الذين فضحتهم الوثائق والصور والمقاطع المصورة، كيف تم تحويل القانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل إلى ضحية مزدوجة سواء بالصواريخ والقنابل الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية في غزة، واليمن ولبنان، وتارة بالذبح في أروقة النفوذ المشبوه بالصمت والتواطؤ، لتظهر وجوههم أمام العالم بكل قذارة وانحطاط وكأن شيئا لم يكن. ولذلك، فإن ما أظهرته وثائق «إبستين» ليس مجرد فضائح أخلاقية، بل هو كشف حقيقي للسقوط القيمي في ضمير المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومنظماتها الحقوقية والإنسانية التي لا تزال تشرعن وتمنح الغطاء السياسي لانتهاك وقتل المزيد من الطفولة في غزة، فمن لم تحركه صرخات أطفال غزة واليمن، وكذلك في العراق ولبنان وسوريا وليبيا والسودان، لن تحركه صرخات مماثلة وثقتها ملفات جزيرة «إبستين» السوداء طيلة العقود الماضية.