لا يخفى على اللبيب الفطن أن ألاعيب الدبلوماسية والمفاوضات التي سبقت الحرب العدوانية الحالية على إيران حول برنامجها النووي وصواريخها، وما تعنيه كدولة إقليمية لا يُستهان بها، وقوة حضارية وتاريخية يمتد عمرها لستة آلاف عام، لم تكن في الأشهر القليلة الماضية التي سبقت الحرب إلا تغطية لما يُبيّته لها الأعداء من صهاينة وأمريكيين من شرٍّ مستطير. بل إن الأمريكيين والصهاينة كانوا يضمرون الشر لإيران، وقد بيتوا نيتهم الخبيثة للعدوان عليها والقضاء عليها بغضّ النظر عن نجاح المفاوضات الدبلوماسية مع طهران حول برنامجها النووي، لتخلوا لهم الطريق بعد ذلك لتنفيذ أجنداتهم ومشاريعهم الهدّامة التي أعدّوها لعموم المنطقة، وتشمل إعادة رسم خارطتها وإسقاط دول وفرض أخرى تكون دمى تابعة لهم. واللافت أن الأمريكيين والغرب كانوا في كل مرة يفاوضون فيها إيران، وهي دولة ذات سيادة ولها تحالفاتها وتأثيرها القوي على الأوضاع في المنطقة والعالم، ولها الحق في التطور وامتلاك القوة وأسلحة الردع واتخاذ القرارات الوطنية والسيادية التي تراها مناسبة، يبيّتون النية سلفًا للعدوان عليها ومواصلة خنقها بالحصار والاستهداف الممنهج لها ككيان سياسي وعسكري واقتصادي إقليمي ودولي قوي عبر أكثر من وسيلة وطريقة، حتى وصلوا أخيرًا إلى إعلان الحرب عليها واستهداف قادتها السياسيين والعسكريين بالاغتيال والتصفية، اعتقادًا منهم أنهم سيقضون عليها كتهديد وخطر وجودي لهم ولمصالحهم في المنطقة. وقد خانهم ذلك الاعتقاد الخاطئ، باعتبار إيران أكبر وأقوى مما يتصورون ويتوهمون، وستثبت لهم الأحداث ذلك عاجلًا أو آجلًا. وبحسب آراء المحللين السياسيين والمتابعين باهتمام لمجريات الأحداث العاصفة في الخليج والمنطقة المستهدفة بالتغيير وإعادة التموضع ورسم الخرائط وتحديد الأدوار ومن يبقى ومن سيرحل، "لم يعد المشهد الحالي على سخونته وتفاعلاته العديدة مجرد تحركات عسكرية روتينية محدودة الأهداف والغرض، أو مناورات لترميم الردع، بل إننا نعيش صمتًا ثقيلاً يشبه الذي يسبق العواصف الكبرى". ووفقًا لخبراء استراتيجيين: "فحين تعبر الأساطيل المحيطات لتستقر في مياهنا، وتتحول القواعد العسكرية الأمريكية في دول المنطقة إلى ثكنات مستنفرة، وتخرج التصريحات السياسية كطلقات محذّرة، ندرك أن ثمة قرارًا مصيريًا يُطبخ في غرف الصمت على نارين هادئة ومشتعلة في الوقت نفسه". ومنطقة الخليج اليوم، بحسب آراء الخبراء والمحللين السياسيين الذين يتابعون الوضع والتطورات الراهنة عن كثب، لا تقف أمام أزمة عابرة وآنية ستمر مرور الكرام، بل إن هذه المنطقة الحساسة من العالم الغنية بالنفط ومصادر الطاقة "تبدو على حافة لحظة تاريخية فارقة ومصيرية، لحظة ستنزع الأقنعة عن الوجوه وتكشف حقيقة الصراع المحتدم حاليًا بوصفه صدامًا بين إرادات لا تنحني، لا مجرد خلاف على تفاصيل تقنية أو ذرائع دبلوماسية". وفي هذا السياق يقول الكاتب والباحث العربي محمد بن علي بن ضعين البادي في مقال له حول صراع الإرادات ولعبة الخرائط المشتعلة نُشر في فبراير المنصرم: "إن التاريخ في صرامته لا يُحابي أحدًا، وهو يُخبرنا بوضوح أن القوى العظمى وفي مقدمتها واشنطن لا تُحرّك بوارجها بدافع أخلاقي، بل خلف بوصلة استراتيجية ترى في منطقتنا مفتاح السيادة العالمية، باعتبار أن من يسيطر على هذه الجغرافيا يمسك بزمام القرار الدولي، وأن من يهيمن على شريان الطاقة يملك توقيت نبض العالم". وحول هذه النقطة بالذات أوضح البادي في مقالته ذات الصلة بالموضوع قائلًا: "إن إيران لم تكن مستهدفة يومًا لحدث طارئ، بل لأنها اجترأت على اقتراف الجريمة الكبرى في عُرف الإمبراطوريات والقوى الاستعمارية العالمية، والمتمثلة برفضها التبعية لها، واختيارها عدم الذوبان في القالب الأمريكي، وتمسكها بموقفها وقرارها الوطني الرافض تسليم مفاتيح سيادتها لمن يسكن خلف البحار". وهذا التمرد الإيراني، بحسب الكاتب والباحث البادي وغيره من الباحثين والمحللين السياسيين، على ما سماه "النموذج المفروض" من قبل الغرب وأمريكا وحليفتهما المدللة إسرائيل، هو ما تخشاه واشنطن أكثر من الصواريخ؛ فنجاح أي نموذج مقاوم وممانع كإيران يرفض الإملاءات يتحول إلى عدوى لا يمكن لجمها بسهولة. ولا خلاف بين من يتابعون باهتمام مجريات الحرب والعدوان الإسرائيلي – الأمريكي الحالي على إيران حول خطأ من يظنون بوعي غائب أن كرة النار ستتوقف عند حدود طهران فقط، وقالوا: "إنه بعد إسقاط إيران وتطويعها وإخضاعها – إن تم لا سمح الله – سيأتي الدور على البقية، حتى أولئك المتحالفين مع أمريكا، وصولًا إلى إخضاع الجميع دولًا وشعوبًا لإسرائيل الكبرى التي يجري التحضير لاستكمال بنائها وتوسيع مساحتها الجغرافية لتمتد من الفرات إلى النيل". وبين أصحاب ذلك الرأي والتصور الأقرب إلى الواقعية والمصداقية فيما يتعلق بذات الموضوع: "إن الخرائط في هذه المنطقة مترابطة كأوعية دموية، ولم يكن العراق إلا فصلًا، ولم تكن ليبيا أو أفغانستان من قبل إلا تمهيدًا لما جرى بالأمس القريب ويجري اليوم". ويرى الجميع أن ما يجري اليوم في المنطقة، على خطورته من استباحة وانتهاك لسيادة الدول من قبل أمريكا وحليفتها إسرائيل، لا يعني إلا أنه عدوان همجي سافر وغير مبرر ولا مقبول. وفي يقين الكل: "إن أي محاولة لكسر كيان إقليمي قوي بحجم إيران لن تكون جراحة نظيفة أو نصرًا خاطفًا، بل سيكون ذلك زلزالًا سياسيًا يعيد رسم الوجود وخريطة المنطقة عامة بالدم، ويفجر فوضى عابرة للحدود تمتد من بحر العرب إلى شرق المتوسط". وفي ظل مشهد قاتم كهذا، وعلى ضوء نتائج الحرب العدوانية الحالية على إيران، فما من شك: "إنه سينجم عن هذه الحرب والعدوان الصهيوني – الأمريكي على إيران اختناق شرايين الملاحة، وسيشهد العالم والمنطقة اهتزاز عروش الاقتصاد العالمي. والأخطر أن منطقة الخليج الملتهبة لن تجد نفسها بعيدة عن ألسنة اللهب التي اشتعلت اليوم بإعلان الحرب على إيران، وأن دول الخليج ستُكوى بنيرانها وتُمس بضررها ما لم تتخذ موقفًا مغايرًا ومخالفًا للموقف الأمريكي والإسرائيلي من العدوان على إيران، وهذا مستبعد". وباتساق آراء المتابعين لما يجري، فبعد إعلان الحرب الأمريكية – الإسرائيلية اليوم على إيران، "فإن الجغرافيا في المنطقة لا تمنح حصانة لأحد حين يضطرب الأمن الكلي وتتمزق شبكة الاستقرار التي تربط بين الجميع من أبناء وشعوب المنطقة". ونجد أنفسنا هنا متفقين مع ما أشار إليه الكاتب والباحث البادي بوضوح، وهو يقول: "إن الغرور هو العلة المزمنة التي أسقطت إمبراطوريات روما وبريطانيا والسوفييت، وهو ذاته الغرور الذي يعمي اليوم من يظن أن القوة المطلقة تضمن نصرًا بلا ثمن. فإيران بعمقها السكاني وعقيدتها الصلبة وشبكات نفوذها المعقدة ليست رقمًا سهلًا يمكن محوه بضربة واحدة. إننا أمام مفترق طرق حضاري يضع الحكمة في كفة والاندفاع في كفة أخرى، فإما أن يسود منطق الواقعية ويُعاد ترتيب الأوراق بعقول باردة قبل أن تأكلها النار، وإما أن تُترك الأزمات لتهورٍ لا يرى أبعد من فوهة البندقية". ولا يختلف اثنان أن المعتوه ترامب، بإعلان الحرب العدوانية الحالية على إيران بمنتهى الحقد والغطرسة، يجر المنطقة والعالم إلى عواقب لا يُحمد عقباها. ومن أجل أن ترضى عنه إسرائيل، يجلب فرعون العصر ترامب – المجلل بعار فضائح جزيرة إبستين الجنسية – للعالم بأسره بتلك الحرب خسرانًا مبينًا لن يتوقف عند حدود معينة ومحدودة. والواهمون من العرب يعتقدون – وهم مخطئون – أن سقوط إيران وإزاحتها والقضاء عليها سيبني لهم قصورًا من الأمان والاستقرار لدولهم الهشة، بل إنهم سوف يستيقظون غدًا ليجدوا أنفسهم الحلقة الأضعف في لعبة أمم ودول لا ترحم. فهذه الحرب التي اندلعت في الخليج ليست مجرد صراع محدود بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل فحسب، بل هي صراع ومعركة مصيرية بين مشروع استعماري تمثله أمريكا وإسرائيل، غايته فرض هيمنته الأحادية على المنطقة والعالم، وبين مشروع ممانع ومقاوم وصاحب حق تمثله إيران ومن معها، يصر ويتمسك بخيار البقاء حرًا أبيًا مهما كلفه ذلك من ثمن. والخلاصة: إن هذا الصراع المحتدم حاليًا في المنطقة إنما هو صراع بين من يمثلون الحق وبين من يمثلون الباطل. ومهما لحق بإيران في معركتها الحالية مع أعدائها وأعداء الأمة كافة من خسائر فادحة وتدمير لبنيتها التحتية وفقد لأعزة وأحبة يسقطون شهداء في هذه الحرب التي فُرضت عليها، فإنها ستظل هينة مع ما يعني ثباتها وبقائها كقوة عظيمة تمثل الحق وأهله، عصية على الانهيار والسقوط بسهولة. وأخال ترامب ونتنياهو الحقير قد فتحا بحربهما الحالية على إيران – دون وجه حق – على أمريكا وإسرائيل أبواب الجحيم، وتوهما أن الحرب نزهة وتنتهي، ولكن هيهات أن يتحقق سوء ظنهما. وغدًا يعضّان بفعلتهما تلك أصابع الندم، ولله عاقبة الأمور، ومكروا مكرهم والله خير الماكرين، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.