فيما كيان الاحتلال الصهيوني الغاصب في فلسطين يُسابق الوقت ويخطو خطوات متسارعة، يتبعها بأخرى أكثر عملية وواقعية وجدية، لفرض واقع جديد على العالم والمنطقة، يمضي الكيان قُدمًا غير آبه بأحد لخلق ما يسميه ويُروّج له منذ زمن "شرق أوسط جديد"، تكون فيه إسرائيل الرائدة والسيدة والمتحكمة بكل شيء في المنطقة. وفي المقابل، نجد العرب دولًا وشعوبًا ونخبًا ومجتمعات يغطّون في سبات عميق ويلتزمون صمتًا مهينًا مذلًا، وكأن ما يصدر عن قادة الاحتلال الصهيوني وداعميه بهذا الشأن الخطير لا يعنيهم من قريب أو بعيد، ولا يمسهم بضرره البالغ على المدى القريب والبعيد. صلاح المقداد ومن تل أبيب، حاضرة الكيان الغاصب، تتوالى تصريحات قادته المستفزة بكل صفاقة ووقاحة عن اعتزام حكومتهم العمل على إنشاء "دولة إسرائيل الكبرى" التي تمتد من النيل إلى الفرات، مما يعني احتلال أراضٍ جديدة من دول عربية وإسلامية، بل وابتلاع دول عربية بأكملها وضمها بالقوة. وقد شرعت حكومة الاحتلال منذ سقوط نظام الأسد في سوريا في ديسمبر 2024 وحتى الآن في ذلك، من خلال احتلال أراضٍ داخل سورياولبنان، مع الاستمرار في التوسع في الاستيطان بالضفة الغربية على حساب ما تبقى للفلسطينيين من بيوت وأراضٍ، ومصادرتها لإقامة مستوطنات مكانها. وبالنظر إلى خريطة "إسرائيل الكبرى" التي يجري الحديث عنها والترويج لها بشكل كبير حاليًا، نجد أن الأمر على خطورته ليس عاديًا، وما تتضمنه هذه الخريطة لا يندرج ضمن الأوهام والخزعبلات كما يتصور البعض، فالعدو الصهيوني جاد في تنفيذ مخططاته التي أعلن عنها دون أن يخشى أحدًا. ومع اعتزام إسرائيل احتلال أراضٍ جديدة وضمها إليها، يفرض السؤال نفسه: من سيخوض معركة الدفاع عن أرض وعرض وشرف المسلمين؟ وحسب الخطط الإسرائيلية للتوسع، ستضم دولة الكيان الغاصب ثلاث دول عربية بالكامل: الأردنولبنان والكويت، وأجزاء من المملكة العربية السعودية تشمل المناطق الشمالية الغربية، حيث تسعى إسرائيل لإنشاء ممر واسع على طول البحر الأحمر يصل إلى المدينة المنورة. وتشمل الخطة أيضًا ضم أجزاء كبيرة من سوريا، منها العاصمة دمشق وهضبة الجولان ودرعا والسويداء وصولًا إلى حدود الفرات. أما العراق، فتعتزم إسرائيل ضم معظم مناطقه الغربية والوصول إلى الخليج العربي. كما تعتزم احتلال جزيرة سيناء من مصر، وأجزاء من دلتا النيل شمال غرب القاهرة، ومناطق على طول قناة السويس، إضافة إلى أجزاء من جنوب شرق تركيا. وعلى صعيد متصل، صدرت مؤخرًا تصريحات مستفزة عن السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني، مايكل هاكابي، تضمنت ما يمكن اعتباره وعد بلفور أمريكي جديد لإسرائيل، يمنحها الضوء الأخضر لاحتلال أراضٍ جديدة واقتطاعها من دول عربية مجاورة وضمها لما يسمى "إسرائيل الكبرى". وقال هاكابي: "إن الأردنولبنان ومصر وسورياوالعراق والسعودية هي أرض أعطاها الله لإسرائيل، لأن اليهود شعب الله المختار، ومن حق إسرائيل أن تستولي عليها لتكون إسرائيل الكبرى أو مملكة الله الممتدة من النيل إلى الفرات". ويرى محللون أن تصريحات هاكابي تمثل خطوة لتنفيذ مشروع "إسرائيل الكبرى"، وهو مشروع ضخم يحظى بدعم غربي وأمريكي لا محدود، وتسانده الحشود العسكرية الأمريكية غير المسبوقة في المنطقة. ويؤكد أكثر من محلل سياسي أن العدوان المرتقب لن يقتصر على إيران، بل سيطال جميع العرب والمسلمين، وسيتجاوز المُعلن ليشمل العبث بخرائط الدول العربية، لا سيما مع استمرار العدوان الصهيوني شبه اليومي على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وعلى لبنانوسوريا. ولا غرابة أن يطل علينا بين الفينة والأخرى نتنياهو عبر الفضائيات، وهو يتحدث بكل صفاقة عن مساعي حكومته لإعادة رسم خارطة المنطقة والشروع في بناء شرق أوسط جديد يشهد قيام دولة إسرائيل الكبرى، تنفيذًا لما يزعم اليهود أنه وعد الرب لهم في التوراة. إسرائيل منذ قيامها عام 1948 وحتى اليوم، تتبع في تنفيذ طموحاتها التوسعية ما يتناسب مع المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة، وبما يخدم موازين القوى لصالحها. وقد كشفت في القرن العشرين عن خطط لإعادة تقسيم ما تم تقسيمه في اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، وتواصل اليوم عدوانها على دول عربية مجاورة، من بينها لبنانوسوريا، وتنتهك سيادتها بشكل يومي، إلى جانب سعيها لصنع الفتن العرقية والمذهبية والطائفية داخل المجتمعات العربية والإسلامية. وفي عام 1982، اقترح باحثون صهاينة على مراكز القرار في تل أبيب تصورات لتفكيك العالم العربي وتمزيقه وتعديل حدوده بما يخدم إقامة إسرائيل الكبرى، وقد يصبح هذا المشروع أمرًا واقعًا إذا لم يتنبه العرب والمسلمون لخطره. وفي أحدث تصريحاته، قال نتنياهو بلا حرج: "حربنا ليست في غزة فقط، وسنغير خريطة الشرق الأوسط". وأعلن أمام جمع من يهود العالم في أمريكا أن حكومته بصدد بناء حلف جديد لمواجهة ما سماه "الحلف السني"، الذي يضم دولًا إسلامية قوية مثل مصر والسعودية وتركيا وباكستان، مع تعاون وثيق من الهند. وفي الخلاصة، يقول الكاتب السعودي داود الشريان عبر منصة "إكس": "رمي إسرائيل في البحر الذي استخدم طويلًا كشعار عربي بات اليوم مقلوبًا". وأضاف: "إن سفير أمريكا لدى إسرائيل يتحدث عن حق تاريخي لها في الاستيلاء على الشرق الأوسط، فيما يستحضر السيناتور ليندسي غراهام تدمير اليابان نموذجًا للحسم في غزة". وبذلك، يمكن القول إن اللعبة تغيرت لصالح إسرائيل أكثر من أي وقت مضى، ما لم تحدث صحوة عربية وإسلامية مشتركة تفرض معادلة جديدة تحفظ للعرب والمسلمين هيبتهم وكرامتهم وسيادتهم وحقهم في الاستمرار بالوجود، وإلا فإن القادم سيكون أدهى وأخطر لأمة تُطيل السبات وتضحك من جهلها وهوانها الأمم.